الخميس, يناير 15, 2026
spot_img

هل تعمدت الحكومة التخلص من المستشفيات الحكومية وطواقمها؟

“الحكومة تريد التخلص منا، ولا تطرح لنا بدائل، وتجعل مصيرنا بيد المستثمر، فهل هذا يعقل؟”؛ قال “محمد خالد” أحد الممرضين بقسم طوارئ مستشفى أم المصريين في الجيزة، أثناء حديثه لمنصة “فكر تاني”، عن إحساسه بعدم الاستقرار الوظيفي، بعد التصديق الشهر الماضي على القانون رقم 87 لسنة 2024 بمنح التزام المرافق العامة لإنشاء وإدارة وتشغيل وتطوير المنشآت الصحية، المعروف إعلاميًا بقانون “تأجير المستشفيات الحكومية”.

أقر مجلس النواب هذا القانون في 20 مايو الماضي، وسط رفض عدد من نواب المعارضة وانتقادات من نقابة أطباء مصر وحقوقيين طالبوا بتعليق التصديق عليه وإعادته للمداولة، وصدّق عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في 24 يونيو الماضي. وهو القانون الذي تصف النائبة مها عبد الناصر، عضو الهيئة البرلمانية بمجلس النواب عن حزب المصري الديمقراطي، تمريره برلمانيًا بـ”اليوم الأسود في تاريخ الصحة في مصر”، في وقت ينظر إليه وزير الصحة الدكتور خالد عبد الغفار باعتباره بوابة للتنظيم والتطوير، وتقديم أفضل الخدمات الممكنة، وتحفيز بيئة الاستثمار.

قرابة مليون موظف مهدد

يبلغ عدد الأطباء بكافة تخصصاتهم مع الصيادلة وطواقم التمريض في مصر 507,387 موظفًا، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن العام 2022.

ولكن بحسب إحصائيات نشرتها منظمة العمل الدولية، فإن نسبة عدد الموظفين في القطاع الصحى بالمقارنة لعدد السكان بمصر، هو معدل 81 موظفا طبيا لكل 10 آلاف مواطن، ما يعنى أن عدد العاملين بالمستشفيات الحكومية يزيد عن 800 ألف موظف ينطبق عليهم القانون الجديد.

“قريت كل اللي اتكتب عن القانون، ومش عارف لو قرروا يأجروا المستشفى اللي بشتغل فيه هفضل موظف حكومي ليا حقوق ولا هتحول لموظف قطاع خاص يمشوني في أي وقت بمزاجهم وايه هي اللوايح اللي هتطبق على اللي زيي ساعتها”؛ يضيف الممرض “محمد خالد”، وهو كغيره من مئات الآلاف من أقرانه يحيره القانون.

قانون نُفذ قبل إقراره

تولى الحكومة المصرية تطبيق هذا القانون -في أسرع وقت ممكن- اهتمامًا كبيرًا، ففي منتصف مايو الماضي طرحت الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة فرص إدارة استثمارية لـ 6 مستشفيات حكومية كبرى، وإنشاء وإدارة 8 منشآت صحية حكومية، إضافة إلى إنشاء 18 مستشفى أخرى، وذلك ضمن ما أسمته “فرص استثمارية في مجال الرعاية الصحية الحكومية”.

وأعلن الوزير الدكتور خالد عبد الغفار عن أكثر من 500 مستشفى تكاملي في 22 محافظة يمكن منح المستثمرين حق التزام بتشغيلها وإدارتها، ودعا القطاع الخاص إلى الاستثمار في المنظومة الصحية لخلق منافسة بين مقدمي الخدمات، بهدف تقديم أفضل خدمة صحية للمواطنين، تفعيلًا لحق المريض في اختيار المنشآة التي يتلقى الخدمة فيها.

في تبريرها لتمرير القانون، تحدثت الحكومة أن الهدف هو تطوير المستشفيات والتهجيز لقانون التأمين الصحي الشامل عبر رفع كفاءة تلك المستشفيات وفق شروط الجودة، ولكن النائبة مها عبد الناصر، عضو الهيئة البرلمانية لحزب المصري الديمقراطي، تقول إن هذا حديث يكذبه الواقع، فبالنظر إلى ما طرحته الحكومة في أولى دفعات المستشفيات للتأجير، نجدها مستشفيات ناجحة وكبيرة، فهل أماكن مثل مستشفى القاهرة الجديدة وامتدادها، أو مستشفى هليوبوليس غير ناجحة، وتضيف: “هذه مبررات لتثويق أمور أخرى ترغب فيها الحكومة بإقرار هذا القانون”.

“المفروض أنا موظفة حكومية بيشملني قانون العمل، أنا دلوقتي مش واثقة من الحماية اللي هتتوفر لي لو اتباع المستشفى اللي بشتغل فيه”؛ تقول “سيدة فتحي” الممرضة بقسم النساء في مستشفى المنيرة العام.

اقرأ أيضًا: “على الساحة ” نشرة أسبوعية: جدل واسع حول قانون “تأجير المستشفيات”.. و”معدية أبو غالب” تدق جرس إنذار.. والأحزاب تستعد لانتخابات المحليات.. وصورة محمد شبانة تفضح تخبط “الشاباك”

وتخشى “أميرة. ا” مسؤولة في قسم بنك الدم بمستشفى الهرم العام، أن تكون سياسة النقل من مستشفى لآخر من بين الإجراءات التي ستتبع معهم في الفترة المقبلة لتفريغ المستشفيات من أطقمها القديمة واستبدالها بأخرى. تقول: “المستشفيات الخاصة ما بتأمنش على موظفيها، احنا عايشين في قلق من اللي جاي وكله بسبب القانون اللي ما حدش راعى فيه ظروفنا”.

الوزارة تتعهد والثقة معدومة

في محاولة لطمأنة الرأى العام، تعهد وزير الصحة بعدم المساس بالحقوق المالية أو الوظيفية للعاملين والأطقم الطبية بالمنشآت الصحية التي سيتم طرحها للقطاع الخاص، وأكد عبد الغفار على مراعاة أوضاع الأطقم الطبية التي سيتم توزيعها بالمنشآت الصحية مثلما يتم في “التكليف”.

إلا أن النائبة مها عبد الناصر تشكك في مصادقية تلك الوعود، وتقول في حديثها لـ”فكر تاني”: “كل تلك الوعود لا تعني أن الناس لن تضار. وفقًا لما تقوله الحكومة، ستتم إعادة توزيع العاملين بالمستشفيات التي ستدار عبر القطاع الخاص إلى المستشفيات والوحدات الصحية الأقرب لمقار أعمالهم القديمة في حال تمت إقالتهم من المستثمر، والواقع داخل المحافظات يكشف أن الموظف يُبعد عن مقر عمله الجديد حوالي 20 أو 30 كيلو، وهو ما يمثل تكاليف مالية كبيرة سيتكبدها المنقولون، وتشمل نقل مقر السكن ومدارس الأولاد، هؤلاء ضبطوا حياتهم على مقر عملهم القديم”.

وتضيف “عبد الناصر”: “الناس دي مرتباتها ضعيفة ولا تتحمل أعباء جديدة تضاف إليهم. الموضوع ليس بهذه السهولة. لو طرحنا كل الظروف سنجد عواقب كبيرة لتلك القرارات غير المدروسة. لا أحد يصدق أن تخارج الحكومة من القطاع الطبي سيتبعه مراعاة لحقوق الموظفين”.

وتتنقد “عبد الناصر” ما تعتبره غيابًا لمعايير تطبيق هذا القانون، وتضيف: “هذا قانون تم سلقه في البرلمان دون خطوات ملزمة للمستثمر تضمن حقوق الموظفين، وهي كثيرة مثل إجبار المستثمر على إخضاع الموظفين لدورات تدريبية، وجلسات تأهيل في حال وجود تقصير في العمل، وقبل إبداله بآخر، سواء مصرى أو أجنبي، وهذا يعني أن الحكومة لم تعمل على إعلاء قيمة الأطقم الطبية المصرية داخل القانون”.

طريقة “مُجربة” لتنفيذ خطط صندوق النقد

ينظر محمود فؤاد، رئيس المركز المصري للحق في الدواء، إلى القانون رقم 87 لسنة 2024 باعتباره امتداد لسياسات صندوق النقد الدولي بخصخصة القطاع العام، والتي بدأت منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، متوقعًا أن يتم تغيير هيكلة الموظفين والأطباء في كل المستشفيات الحكومية التي ستمنح للقطاع الخاص، وذلك عبر مجلس إدارة جديد داخل كل مستسشفى، سينتهج أسلوب الشركات الخاصة التي تسرح العمالة القديمة وتستبدلها بجديدة، كما حدث فى المصانع والشركات الحكومية التى تم خصخصتها، قائلًا: “تلك خطط مُجربة”.

ويضيف “فؤاد”، في تصريحاته لـ”فكر تانى”، أن قانون تأجير المستشفيات الحكومية هو تنفيذ صريح لتوصيات صندوق النقد الدولي بتقليل الإنفاق على الصحة والتعليم والطاقة. وقد سبقته عدة قرارات قبل إقراره تمهيدًا لتمريره وإغراء رجال الأعمال بزيادة سعر تذكرة العلاج من 1 جنيه إلى 25 جنيهًا قابلة إلى الزيادة.

كما يلفت “فؤاد” إلى ما يعتبره خلقًا للأزمات تمهيدًا للتخلي الحكومي عن المستشفيات، بدأ بأزمة نقص الأدوية في المستشفيات، ونقص مستلزمات الجراحات وغيرها من المعوقات التي استخدمت لتبرير قرار إسناد مهمة إدارة هذه المنشآت للقطاع الخاص.

ويقول رئيس المركز المصري للحق في الدواء إن “الحكومة أرادت غسل يدها من الإنفاق على الصحة، بدليل المخصصات الجديدة في الموازنة العامة الجديدة للدولة، والتي تُقدر بـ 200 مليار جنيه مصري، بنسبة 1.7%من إجمالي الموازنة، رغم أن الدستور أوصى بتخصيص 3%”.

من سيتحمل 500 جنيه يوميًا لتأمين الطبيب؟

يقول الدكتور محمد سامي، أخصائي الباطنة والأطفال في المستشفى الأميري بسوهاج، إن القانون حال تطبيقه سيؤدي إلى كارثة طبية على جميع المستويات؛ فالمستشفيات الحكومية تقدم خدمات طبية كبيرة للمرضى بتكاليف لا تتعدى 20% من قيمة الخدمة نفسها بنظيراتها الخاصة.

ويضيف “سامي”، في حديثه لـ”فكر تاني”، أن المستشفيات الحكومية تنفق على الطبيب الواحد 500 جنيه يوميًا، تتوزع على مواد التعقيم والتطهير وأدوات الكشف والجراحة ذات الاستخدام الواحد التي من خلالها يُمكنه تأدية مهامه الطبية على أكمل وجه دون عراقيل، فهل سينفق المستثمر تلك الأموال دون مقابل؟ أم أنها ستكون مدخلًا لرفع أسعار الخدمات الطبية، وزيادة الأعباء على المواطنين، مما يهدد حياة غير القادرين من المرضى”.

ويتوقع “سامي” أن يتم تسريح الأطباء والعمال نظرًا لعدم قدرة القطاع الخاص على توفير ملايين الجنيهات شهريًا للأسطول الطبي النشط داخل هذه المستشفيات، ويرجح أن يلجأ الأطباء إلى البحث عن فرص عمل خارج مصر، خاصة وأن الأطباء المصريين مطلوبين في دول كثيرة سواء عربية أو أوروبية، وهو الأمر الذي ينذر بخروج كفاءات عديدة من القطاع الطبي المصري، الذي يعاني في الأساس انخفاضًا كبيرًا في عدد الأطباء.

هل معالجة عوار القانون باللائحة “ممكن”؟

وعن إمكانية معالجة التخوفات من القانون الجديد عبر اللائحة التنفيذية المرتقب صدورها، عبّر أمين عام مساعد اتحاد نقابات المهن الطبية وأمين صندوق نقابة الأطباء، الدكتور أبو بكر القاضى، عن يأسه من تلك الخطوة. يقول في تصريحاته لـ”فكر تاني”: “القانون تم سلقه فى أقل من 10 أيام داخل مجلس النواب، وخرج بتلك الصياغات المطاطة، ومن فعل ذلك دون مراعاة لرفض القطاعات الطبية، بالتأكيد لن يدعو أحد لمناقشة لائحة القانون”.

وعن كيفية التعامل مع تداعيات هذا القانون، يذكر “أبو بكر” أن النقابة تتعامل مع الأمور وفقًا لكل مرحلة، مشيرًا إلى أنه في الفترة الماضية وأثناء مناقشة القانون، أعلنت النقابة عن رفض القانون بالكامل، واليوم تبحث كيفية التعامل مع إقراره رسميًا.

ومن المقرر أن تنعقد الجمعية العمومية لنقابة الأطباء في 12 يوليو المقبل، لمناقشة قانون منح الالتزام وقواعد استقدام الأطباء الأجانب، بعد أن تأجل انعقادها يوم الجمعة الماضي لعدم اكتمال النصاب القانوني، وفق ما أعلنه أمين عام نقابة الأطباء الدكتور محمد فريد حمدي.

التعليقات

موضوعات ذات صلة