هل القطاع العقاري المصري يواجه أزمة "نينجا"؟

هل يواجه القطاع العقاري المصري فقاعة عقارية؟ يطرح هذا السؤال نفسه بقوة داحل السوق حاليًا، بعدما أفرط المطورون في رفع أسعار الوحدات السكنية والإدارية خلال العامين الماضيين، مع تسعيرهم الدولار حينها بأسعار مبالغ فيها تصل إلى 70 جنيهًا، وعودته لمستوى 48 جنيهًا حاليًا.

يواجه المطورون أزمة كبيرة، فلا يمكنهم تخفيض أسعار العقارات بعد انخفاض سعر الدولار لعدم الإضرار بالمشترين الذين اشتروا في الشهور الأخيرة، بينما تعاني السوق حاليًا من حالة هدوء بالمبيعات، يتخللها جهود تسويق ومطاردة للمشترين على الهواتف المحمولة لإقناعهم بوحدات سكنية أسعارها خيالية.

يحذر أحمد الباز، ‏الباحث الاقتصادي، من ظاهرة شهدها السوق العقاري المصري تتمثل في الشراء بهدف المضاربة والبيع بعد قسطين أو ثلاثة، وليس بهدف السكن أو البيع بعد الاستلام، ما قد يسبب أزمة لغير القادرين على سداد الأقساط، تطول المطورين العقاريين الذي لا يملكون ملاءة مالية تكفي سد الثغرة المالية التي سيتسبب فيها انسحاب العملاء.

وخلال السنوات الأخيرة، تبارى الكثيرون في حجز وحدات سكنية في مشروعات ضخمة على أمل أن تتحرك الأسعار قريبًا ليتنازلوا عن الوحدات التي اشتروها لطرف ثالث لاحقًا على أن يحصلوا على عمولة وصلت في بعض الأحيان إلى 100 ألف جنيه. وتنامت تلك الظاهرة في الوحدات التي تحصل عليها نقابات أو جمعيات بسعر مخفض لصالح أعضائها.

اقرأ أيضًا: ثقافة السكن في مصر واختفاء البراح

ويطالب "الباز" بأخذ العبرة من الولايات المتحدة، فرغم وجود اختلاف طفيف بين الحالتين الأمريكية والمصرية، وهي أن الشراء لا يتم عبر أسلوب التمويل والرهن العقاري، بل يتم عبر المشترى مباشرة، بينما وجه الشبه في أن المشتري الحالي والمطور أيضًا يواجهان ذات المخاطر المرتبطة بالسيولة وأسعار الفائدة والملاءة المالية المفخخة.

زيادة كبيرة بعقود التمويل العقاري في مصر

ويحذر الباحث مما يسمى نمط "نينجا"، وهي مشكلة عانى منها سوق العقارات الأمريكي حينما يسر الحصول على التمويل العقاري المعروف للذين ليس لديهم دخل ثابت مستدام ولا وظيفة ولا أصول مالية، والذي صاحبته تيسيرات قدمتها شركات ووسطاء السوق العقاري في الولايات المتحدة، لمجرد البيع والحصول على العمولة دون إجراء أي تدقيق في الحالة المالية للمتقدمين.

"النينجا" هي نمط قروض عقارية لا تحتاج إلى راتب أو وظيفة أو أصول لرهنها، وتمنح بمجرد طلبها، ومن يتعثر في السداد يسحب منه العقار، وقد ساد هذا النمط مع إتاحة شركات مرموقة مثل جولدمان ساكس قروضًا استثمارية بطريقة تضمن تعظم أرباحها كلما تعثر عملاؤها.

وكشفت الهيئة العامة للرقابة المالية في مصر أن عقود التمويل العقاري شهدت زيادة قياسية خلال شهر يناير الماضي، حيث نمت بنسبة 337% على أساس سنوي، مضيفةً أن عدد عقود التمويل العقاري بلغ خلال يناير الماضي 1049 عقدًا، بقيمة إجمالية 1.4 مليار جنيه، مقابل 240 عقدًا، بقيمة 307.4 مليون جنيه في الشهر ذاته من العام السابق.

يقول "الباز"، في تصريحاته لـ"فكر تاني"، إن وسطاء العقار في أمريكا لم يدققوا في الوثائق التي تثبت الكفاءة المالية للمشتري ولا قدرته على سداد الأقساط طويلة الأمد، ولا شهادات إثبات الوظيفة، وكان البيع يحدث في لمح البصر، وبدأت شركات الوساطة والرهن العقاري حينها في تحدي عمل أقسام إدارة المخاطر.

اقرأ أيضًا: لماذا تخلى المصريون عن “نصف دينهم”؟

لدى إدارات المخاطر بالبنوك ثلاثة أمور يجب التدقيق فيها، وهي مخاطر الإقراض الناجمة عن إفلاس المقترض أو إعساره، ومخاطر السوق التي تنتج عن التغيرات التي تطرأ على أسعار الفائدة أثناء فترة الاقتراض، ومخاطر السيولة الناجمة عن القروض طويلة الأجل، والتي تمنح بناء على ودائع قصيرة الأجل.

لكن المطورون يرون في المقابل أن البنوك المصرية متحفظة في منح القروض العقارية، فرغم إطلاق البنك المركزي في أبريل 2014 مبادرة للتمويل العقاري، بفائدة تتراوح بين 5 و7% لمحدودي الدخل، و8% لمتوسطي الدخل، و10.5% لفوق متوسطي الدخل، بشرط ألا يتجاوز سعر الوحدة 950 ألف جنيه، بفترات سداد تصل إلى 20 عاما، إلا أن حجم التمويلات التي تم منحها في إطار المبادرة على مدار 4 سنوات، بلغت 13 مليار جنيه فقط.

الشركات العقارية المصرية تبتعد عن التعامل مع البنوك

يقول أسامة سعد الدين، المدير التنفيذي لغرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات، إن أزمة الرهن العقاري بالولايات المتحدة سببها تمويل البنوك للعملاء، ولكن لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري الـ3% بمصر، ما يجعل حدوث الفقاعة العقارية أمر غير وارد.

ويرى مطورون أن الطلب على العقار المصري لا يمكن أن ينضب في ظل الزيادة السكنية، ووجود ما يتراوح بين 600 و900 ألف زيجة سنوية ما يعني استمرار الحاجة للعقار فضلًا عن المصريين بالخارج الذين يشترون العقار باستمرار؛ للحفاظ على مدخراتهم.

ويقول "سعد الدين" إن قطاعًا عريضًا من الشركات العقارية تنفذ مشروعاتها، بعيدًا عن التمويل البنكي، موضحًا أن المطور العقاري حال تعثر العميل يسترد الوحدة ويسدد المقابل المالي لجهة التمويل وما قام بسداده العميل ويعيد طرح الوحدة للبيع مرة أخرى.

واشتكى جميع المطورين، في مؤتمر عقاري تم تنظيمه أخيرًا، من ارتفاع الفائدة البنكية التي وصلت إلى 30% ما يحد من قدرتهم على الاقتراض لتنفيذ مشروعاتهم العقارية، بينما لجأ البعض إلى البحث عن آليات أخرى للحصول على السيولة، مثل الطرح بالبورصة أو التوريق.

ويوضح "سعد الدين"، في تصريحاته لـ"فكر تاني"، أن ارتفاع العقارات خلال الربع الأخير من العام الماضي سببه تراجع سعر صرف الجنيه المصري بينما لا يمكن تخفيض سعر العقارات بأي شكل من الأشكال للمشروعات التي تم طرحها، وبيع مراحل منها حفاظًا على حقوق المشترين.

ويعتمد المطورون حاليًا على منح العميل الجديد مزايا إضافية تعوضه عن السعر بزيادة مدد الأقساط أو مزايا في النوادي والشركات الرياضية، معتمدين على طبيعة المصريين في اعتبار العقار ملاذًا آمنًا للاستثمار، وبالتالي تقليل قيمته يقضي على ميزته التنافسية أمام الاستثمارات الأخرى كشراء الذهب أو الشهادات البنكية التي تنافست البنوك في طرحها أخيرًا.

وبالنسبة للمشروعات الجديدة، يقوم مجلس إدارة غرفة التطوير العقاري حاليًا بوضع دراسة حقيقية لمدخلات مواد البناء خلال فترة 3 أشهر، يتم بعدها تسعير المنتج العقاري الجديد بسعر عادل يواكب التطورات الاقتصادية والسوقية.

هل يستمر الطلب العقاري؟

وبحسب لجنة التطوير العقاري بجمعية رجال الأعمال المصريين، فإن حالة الرواج والطلب الكبير من قبل العملاء على العقار خلال الأشهر الثمانية الأخيرة كان دافعًا للشركات العقارية للتوسع وطرح مراحل جديدة من مشروعاتها.

ويأتي هذا التوسع رغم ارتفاع عدد الوحدات السكنية الشاغرة في القاهرة الكبري؛ فبالمقارنة مع عدد الأسر، بلغ متوسط معدل الوحدات الخالية في العاصمة 44%، أو ما يعادل 1.8 وحدة سكنية لكل أسرة.

وبلغ أعلى معدلات الوحدات الخالية في مدينة بدر نسبة 85% (6.5 وحدة لكل أسرة)، وفي مدينة 6 أكتوبر نسبة 80% (4.9 وحدة لكل أسرة)، بمتوسط 72% في المجتمعات العمرانية الجديدة، مقابل 39% في المدن والمراكز القائمة. وسُجل أقل معدل للوحدات الخالية (28%، أو 1.4 وحدة لكل أسرة) في كل من مركز أوسيم، و15 مايو.

ولا تتضمن الإحصائية السابقة ست مجتمعات عمرانية جديدة، هي: العاصمة الإدارية، حدائق العاصمة، العبور الجديدة، أكتوبر الجديدة، حدائق أكتوبر، وسفنكس الجديدة، لم يتم إنشائها أو تأسيسها إداريًا مع تعداد 2017، وبالتالي، فإن ذلك العدد الشاغر من الوحدات أقل من الواقع حاليًا. َ

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة