مزيد من طبول الحرب، التي قد تُجر العالم إلى مواجهة كبرى، تُقرع بين تايوان والصين، التي أعلنت استعدادها لمنع استقلال تايوان "بالقوة"، بينما أكدت سفارتها في الهند مجددًا أن منطقة تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي الصين، وأنه لا يوجد شيء اسمه "رئيس" تايوان، ردًا على تبادل رسائل تهنئة بين الرئيس التايواني وليام لاي تشينج تي، ورئيس الوزراء ناريندرا مودي، بعد فوز الأخير بالانتخابات التشريعية في بلاده.
وفي أعقاب المنتدى الأمني السنوي في سنغافورة، صرح وزير الدفاع الصيني دونج جون، الأسبوع الماضي، بأن "جيش التحرير الشعبي الصيني سيتحرك بحزم وبقوة في كل حين لمنع استقلال تايوان... وكلّ مَن يجرؤ على فصل تايوان عن الصين سيُسحق".
وحذّر دونج من أن احتمالات "إعادة الوحدة" سلميًا مع تايوان "تتآكل"، على نحو متزايد بسبب الانفصاليين التايوانيين والقوى الخارجية، وتعهّد بضمان عدم حدوث الاستقلال أبدًا.
وقد عقد المنتدى بعد أسبوع على إجراء مناورات عسكرية كبيرة نفذتها الصين وطوّقت خلالها سفنٌ حربية وطائرات مقاتلة صينية تايوان، التي تسعى بكين للسيادة عليها، وهو ما جاء بعد أيام من أداء لاي تشينج تي اليمين الدستورية، والذي دعا في خطاب تنصيبه إلى التوقف عن سياسة الترهيب التي تستخدمها الصين تجاه تايوان.
هل اقتربت الحرب الكبرى؟
وبينما إلى الآن لم تصل المناورات العسكرية الصينية حول تايوان إلى مستوى الغزو وظلت داخل منطقة رمادية، حذر إلبريدج كولبي، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية، من أن هجومًا من الصين على تايوان يمكن أن يحدث دون سابق إنذار، لأن الصين تخلت عن فكرة "التوحيد السلمي".
وذكر تقرير لـ"تايوان نيوز" أن كولبي، الذي شغل منصب نائب مساعد وزير الدفاع للاستراتيجية وتطوير القوات في إدارة الرئيس دونالد ترامب (2017-2018)، أعرب عن قلقه من احتمالية قيام الصين بشن هجوم مفاجئ على تايوان.
وفي مقابلة مع صحيفة "يوميوري شيمبون" اليابانية بواشنطن الأمريكية، أشار كولبي إلى ضرورة تعزيز الجيش الأمريكي ليكون قادراً على الرد الفوري على أي عدوان صيني. وأضاف أن الزعيم الصيني شي جين بينج ربما خلص إلى أن التوحيد السلمي لتايوان مع الصين غير ممكن.
وذكر كولبي أن الحرب عبر المضيق قد تشمل الولايات المتحدة، والقوات الأمريكية في آسيا والمحيط الهادئ، بالإضافة إلى اليابان وأستراليا والفلبين. ومع ذلك، أشار معلقون سابقون إلى أن الصين قد تجد صعوبة في شن هجوم مفاجئ ضد تايوان بسبب مجموعة الاستعدادات اللازمة لمثل هذه الأعمال.
ونصح كولبي الولايات المتحدة بتحويل دعمها من أوكرانيا إلى تايوان، مشيراً إلى أن آسيا أصبحت الآن "المسرح الأساسي". وأوضح أن واشنطن يجب ألا تتخلى عن أوروبا، لكنه يرى أن أوروبا أكثر قدرة على التعامل مع روسيا بمفردها مقارنة بآسيا التي ستواجه الصين.

وماذا عن سياسة الحرب الرمادية؟
وقال محللون لبي بي سي إن تكتيكات حرب المنطقة الرمادية -التي لا تزال الصين تعتمدها إلى الآن- تهدف إلى إضعاف الخصم على مدى فترة طويلة، ويضيفون أن هذا بالضبط ما تحاول الصين فعله مع تايوان.
ويقول الدكتور حامد فارس، خبير العلاقات الدولية: إن تصاعد التوتر بين الصين وتايوان يعكس تحولاً خطيرًا في المنطقة، حيث تتزايد المخاوف من اندلاع صراع مسلح يمكن أن يكون له تداعيات واسعة على الاستقرار الإقليمي والدولي.
وأضاف "فارس"، في حديثه لـ"العرب مباشر": "مع استمرار التصريحات العدائية والتحركات العسكرية، يبدو أن العلاقات بين الصين وتايوان تتجه نحو مزيد من التصعيد، يبقى المجتمع الدولي مترقبًا بحذر، في محاولة لفهم مسارات هذه الأزمة والبحث عن سبل لتهدئة التوترات وضمان الأمن في المنطقة".
جذور الأزمة بين الصين وتايوان
تعتبر الصين تايوان جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، وتصر على مبدأ "الصين الواحدة" الذي يعني أن هناك صين واحدة تشمل البر الرئيسي وتايوان. وتعتبر الصين تايوان مقاطعة انفصالية ستصبح في نهاية المطاف تحت سيطرة بكين، لكن الجزيرة تعتبر نفسها كيانًا مستقلًا.
ظهرت جزيرة تايوان لأول مرة في السجلات الصينية في عام 239 بعد الميلاد، عندما أرسل الإمبراطور كتيبة لاستكشاف المنطقة، وهو سلوك كانت تتبعه بكين لدعم مطالباتها الإقليمية.
بعد فترة وجيزة نسبيًا من كونها مستعمرة هولندية (1624-1661) كانت تايوان تدار من قبل أسرة تشينج الصينية من 1683 إلى 1895.
ومنذ القرن السابع عشر بدأت أعداد كبيرة من المهاجرين في الوصول من الصين، هربا من الاضطرابات أو ظروف المعيشة القاسية.
كان معظمهم من قبائل هوكلو الصينية من مقاطعة فوجيان، أو قبائل هاكا الصينية من مقاطعة جوانجدونج، ويشكل أحفاد هاتين الفئتين إلى حد بعيد، أكبر المجموعات الديموجرافية في الجزيرة.
وفي عام 1895، انتصرت اليابان في الحرب الصينية – اليابانية الأولى، واضطرت حكومة تشينج إلى التنازل عن تايوان لليابان.
واستولت الصين على الجزيرة مرة أخرى في عام 1945 بعد خسارة اليابان في الحرب العالمية الثانية. لكن بعد ذلك، نشبت حرب أهلية في الصين القارية بين القوات الحكومية القومية بقيادة تشيانج كاي شيك، والحزب الشيوعي الذي يتزعمه ماو تسي تونج. وانتصر الشيوعيون في عام 1949 وسيطروا على بكين.
اقرأ أيضًا: ماذا تعني عودة ترامب للنظام العالمي؟
هرب تشيانج وبقايا حكومة ما يعرف بـ(الكومينتانج) إلى تايوان في عام 1949 وجعلوها مقرا للحكومة، بينما بدأ الشيوعيون المنتصرون حكم البر الرئيسي باسم جمهورية الصين الشعبية. وقد قال كلا الجانبين إنهما يمثلان الصين كلها.

وتشير الصين إلى هذا التاريخ لتقول إن تايوان كانت في الأصل مقاطعة صينية. لكنّ التايوانيين يشيرون إلى نفس التاريخ ليقولوا إنهم لم يكونوا أبدًا جزءًا من الدولة الصينية الحديثة التي تشكلت لأول مرة بعد الثورة في عام 1911 -أو جمهورية الصين الشعبية التي تأسست في عهد ماو تسي تونج في عام 1949.
وواجه تشيانج تشينج كو، نجل القائد تشيانج، مقاومة من السكان المحليين المستائين من الحكم الاستبدادي، وتحت ضغط من حركة ديمقراطية متنامية، بدأ بالسماح لعملية التحول الديمقراطي.
وقد قاد الرئيس لاي تنج هوي، المعروف بـ"أبو الديمقراطية" في تايوان، تغييرات دستورية نحو نهج سياسي أكثر ديمقراطية، مما أدى في النهاية إلى انتخاب تشن شوي بيان، أول رئيس من خارج حزب الكومينتانج في الجزيرة عام 2000.
وقد شغلت تلك الحكومة بالفعل مقعد الصين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، واعترف بها العديد من الدول الغربية باعتبارها الحكومة الصينية الوحيدة.
ولكن في عام 1971، حولت الأمم المتحدة الاعتراف الدبلوماسي إلى بكين وتم إجبار "حكومة جمهورية الصين" على الانسحاب.
ومع بداية الثمانينات بدأت العلاقات بين الصين وتايوان تتحسن، وطرحت الصين صيغة تعرف باسم "دولة واحدة ونظامان" تمنح بموجبها تايوان استقلالية كبيرة إذا قبلت إعادة توحيد الصين. وتم إنشاء هذا النظام في هونج كونج لاستخدامه كعرض لإغراء التايوانيين بالعودة إلى البر الرئيسي.
ورفضت تايوان العرض، لكنها خففت من القواعد الخاصة بالزيارات والاستثمار في الصين. وفي عام 1991، أعلنت تايوان "انتهاء الحرب مع جمهورية الصين الشعبية" في البرّ الصيني.
ثم بين نهاية أكتوبر وبداية ديسمبر 1992 وإثر سلسلة من المشاورات بين "جمعية العلاقات بين جانبي المضيق" (وهي منظمة أهلية في البر الصيني) و"صندوق التبادلات عبر المضيق" (وهو منظمة أهلية في تايوان)، توصل الجانبان إلى توافق شفهي حول تمسك جانبي المضيق بمبدأ "الصين الواحدة"، ما أرسى أساسًا سياسيًا لتحقيق ودفع التشاور بين جانبي مضيق تايوان، وسمي هذا التوافق لاحقًا بـ"توافق 1992".
وتحت مقدمة "الصين الواحدة"، يتمسك النظام الرئيس للدولة بالنظام الاشتراكي، وتكون هونج كونج وماكاو وتايوان أجزاء لا تتجزأ من جمهورية الصين الشعبية، وتبقي على تطبيق النظام الرأسمالي لفترة طويلة، ولن يتغير ذلك باعتبارها مناطق إدارية خاصة.
ولا يمكن لأحد إلا جمهورية الصين الشعبية أن يمثل الصين في المجتمع الدولي، وإن البرنامج الشامل الأساسي المتمثل في التمسك بـ"دولة واحدة ونظامين" ودفع "إعادة توحيد الوطن الأم"، أجاب على موضوع العصر، المتمثل في دفع التنمية السلمية للعلاقات بين جانبي مضيق تايوان، والاتحاد مع المواطنين في تايوان، بالسعي بجهود مشتركة وراء النهضة العظيمة للأمة والتوحيد السلمي للوطن الأم. وبالطبع، لن يكون تطبيق «دولة واحدة ونظامين» يسيراً باعتباره قضية غير مسبوقة، ويحتاج إلى الاستمرار في التطبيق.
هل تستطيع الصين حقًا غزو تايوان؟
أجرى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومعهد أبحاث الدفاع الوطني والأمني في تايوان استطلاعًا شمل 52 خبيرًا أميركيًا و35 خبيرًا تايوانيًا، حيث اتفق 26 في المائة فقط من الخبراء الأميركيين، و17 في المائة من الخبراء التايوانيين، على أن الصين تمتلك القدرة العسكرية اللازمة لشن غزو برمائي فعال لتايوان خلال السنوات الخمس المقبلة.

وقال 90 في المائة من الخبراء الأميركيين، و62 في المائة من الخبراء التايوانيين، إن الصين يمكن أن تفرض عزلًا محدودًا على تايوان يستهدف الأنشطة التجارية وليس العسكرية. وأوضحوا أن هذا العزل سيتم بواسطة خفر السواحل أو سفن إنفاذ القانون الأخرى وليس الجيش الصيني.
وعلاوة على ذلك، قال 80 في المائة من الخبراء الأميركيين، و60 في المائة من نظرائهم التايوانيين، إن الصين يمكن أن تنفذ حصارًا تجاريًا وعسكريًا يقوده الجيش الصيني بشكل مباشر.
ووفقًا لموقع "أكسيوس" الأمريكي، فإن أحد أسباب هذا التقييم هو أن الغزو البرمائي يتطلب التزامًا أكبر بكثير من قبل القوات العسكرية، مقارنةً بالعزل أو الحصار، وتكون العمليات المتعلقة به أكثر تعقيدًا بشكل كبير.
وأظهرت تقديرات "بلومبرج إيكونوميكس" أن تكلفة اندلاع مواجهة عسكرية من أجل تايوان ستكون هائلة من حيث الدماء والأموال، حتى غير الراضين عن الوضع الراهن لديهم أسباب تجعلهم لا يخاطرون بها.
وتقدر "بلومبرج" الأمريكية التكلفة بنحو 10 تريليونات دولار، أي ما يعادل حوالي 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو ما يجعل الضربات الناجمة عن الحرب في أوكرانيا وجائحة كورونا والأزمة المالية العالمية 2007-2008 تبدو ضئيلة للغاية.
مناورات يوم الـ 23 من مايو
ومع بدء الصين المناورة الأخيرة في 23 مايو الماضي لمدة يومين حول تايوان، نددت وزارة الدفاع التايوانية بالتدريبات الصينية ووصفتها بأنها "استفزازات غير عقلانية". وقالت الوزارة إن تايبيه أرسلت قوات بحرية وجوية وبرية "للدفاع عن سيادة الجزيرة".
وأوضح خبراء عسكريون تايوانيون أن هذه المناورات تحاكي لأول مرة هجومًا واسع النطاق، وليس حصارًا اقتصاديًا.
وجرت التدريبات في جميع أنحاء الجزيرة الرئيسية، ولأول مرة استهدفت أيضًا جزر كينمن وماتسو وكيو ودونجين التي تسيطر عليها تايبيه والتي تقع بالقرب من الساحل الصيني، وفقًا للخرائط الصادرة عن جيش التحرير الشعبي الصيني.
وتضمنت التدريبات أيضًا جزءًا من شرق تايوان، حيث كان الساحل الشرقي الوعر للجزيرة على الجانب الآخر من سلسلة الجبال معقلًا عسكريًا لها منذ فترة طويلة.
قامت تايوان ببناء الكثير من بنيتها التحتية العسكرية المحصنة على طول هذا الساحل، بما في ذلك قاعدة جوية كبيرة تحت الأرض داخل جبل بالقرب من مدينة هوالين. كما أنها قريبة من الجزر الجنوبية لليابان وطريق طبيعي لإعادة الإمداد.
ومن خلال إرسال دوريات بحرية وجوية إلى شرق تايوان، تهدف الصين إلى إثبات لتايبيه أن شرقها أصبح الآن معرضًا للهجوم الصيني، وإظهار للأميركيين أن أي جهد لإعادة إمداد تايوان أو تعزيزها من الشرق سيكون عرضة للصواريخ الصينية والهجوم البحري.
وقال جيش التحرير الشعبي الصيني إن تدريباته ركزت على دوريات الاستعداد القتالي البحري والجوي المشتركة، وتوجيه ضربات دقيقة على أهداف رئيسية، وعمليات متكاملة داخل الجزيرة وخارجها لاختبار "القدرات القتالية الحقيقية المشتركة" لقواته.
ونقلت وسائل الإعلام التايوانية عن الخبير العسكري تشيه تشونج قوله إن التدريبات الجارية تهدف إلى "محاكاة غزو مسلح واسع النطاق لتايوان".
ويقول محللون إن ادعاءات بكين أصبحت أعلى صوتًا وأكثر تشددًا في عهد شي جين بينج، الذي أكد في أكثر من مناسبة أن "إعادة التوحيد" سيحدث، وكان آخرها في ديسمبر قبل أسابيع من الانتخابات التايوانية.