“ما إنتي زي كل الستات”.. الأنوثة بقت موضة قديمة!

أدير عملي الخاص وكنت أود الاستفسار عن تكلفة خدمة ما خاصة بالعمل، فاتصلت بمحامي، وأخبرني بالتكلفة بنبرة ماكرة. فكان من الواضح أنه يحاول استغلالي ماديًا. فأوضحت له علمي بأن التكلفة الحقيقية أقل بكثير مما يقول، فأقر بصحة ذلك.

وأضاف بنبرة استحقار خفي: “ها ها ما إنتي طبعا زي كل الستات، بتسمعي اللي بيتقالك وبتصدقيه على طول من غير تفكير”.

تعجبتُ جرأته، لكنني أدركتُ أنه يعاني من أحد سمات الذكورة السامة، فأنهيتُ الحديث معه في سلام.

 

هل الأنوثة إهانة؟

 

بعض الرجال لديهم سلوكيات وآراء يريدون بها إظهار تفوقهم واستحواذهم الذكوري المتطرف وهي من سمات “الذكورة السامة”. أما عن معنى المصطلح فهو اعتقادات بأن الرجولة تعني القوة والتفوق والسيطرة على الآخرين، وتقليل قيمة الأنوثة أو استخدامها كوسيلة للإهانة أو التحيز ضد النساء.

بعض من يقومون بذلك يساهمون في تعزيز الصور النمطية السلبية حول الرجال والنساء -على حد سواء-. تلك الأفكار يمكن أن تؤدي إلى تفشي العنف الجنسي والتمييز الجنسي في المجتمعات.

هناك نسبة مرتفعة لمشاهد من “الذكورة السامة” في مجتمعنا، حيث يتبنى بعض الرجال سلوكيات وآراء تجسد هذا المفهوم. يظهر هؤلاء الرجال تفوقًا مفرطًا ودائما ما يحاولون التصرف بحزم وإخفاء مشاعرهم. وللأسف يتم تشجيع الرجال على هذا السلوك من قبل المجتمع.

ولأنه نمط ليس جديدا علينا؛ فقد تطور وازداد تركيزه في السنوات الأخيرة. كما تناولت عدة أبحاث هذا الموضوع؛ لكن النقاشات حوله ازدادت تفاعلاً في العقد الماضي.

من بين الشخصيات التي تحدثت عنه هي الباحثة والكاتبة الأسترالية Raewyn Connell في كتابها “الذكورة السامة” الذي نُشر في عام 1995. في هذا الكتاب، استعرضت الثقافة المؤثرة في الذكورية وكيف تعمل على تقويض العلاقات الاجتماعية والنوعية.

 

هل النساء عاطفيات بالفطرة؟

كانت تُراودني أفكار حول وجود حقائق علمية مؤكدة وراء الافتراضات المجتمعية مثل أن النساء كائنات عاطفية، غير عقلانية. هل يمكن أن يكون جنس ما عاطفيًا بالفطرة قبل أن يولد؟

قرأت الكثير من الدراسات التي تسلط الضوء على الآليات العصبية الكامنة وراء التفكير النمطي، خصوصا فيما يتعلق بالصور النمطية المتعلقة بالجندر.

من خلال مراقبة نشاط الدماغ، وجد الباحثون أنه عندما يكون للأفراد تصورات نمطية متعلقة بالجنس، تنشط مناطق محددة في الدماغ. لذلك، فالتفكير النمطي يؤدي إلى تنشيط دوائر عصبية ما أو إخمادها.

كما كشفت الدراسات أن الدوائر العصبية تتأثر بقوة معتقدات الفرد المتعلقة بالجنس وتمتلك هذه الصور النمطية تأثيرًا كبيرًا على سلوك الأفراد واختياراتهم، ويتم تأسيسها عادة على الأدوار التقليدية التي يتوقع من كل جنس أن يلعبها في المجتمع.

فيما يمكن أن تشمل تلك الصور اعتقادات بأن الرجال يجب أن يكونوا قويين وجادين ومستقلين ماديا. بينما يتوقع من النساء أن يكونن ناعمات وعاطفيات ومُعطيات.

ساعدتني هذه الأبحاث في فهم كيف تتشكل أنماط التفكير، على المستوى العصبي. كذلك فهمت كيف يجري التفاعل المعقد بين العقل والعاطفة والمعتقدات في تشكيل الأفكار النمطية، وخصوصا المتعلقة بالجنس.

حيث تشكل النساء نصف سكان العالم تقريبًا

 

هل يقلق الرجال من زعزعة أفكارهم النمطية؟

 

للإجابة عن هذا السؤال وجدت العديد من الدراسات التي تؤكد تأثير تهديد الصورة النمطية على الدوائر العصبية في الدماغ، مع وجود فروق جنسية في الاستجابات.

على سبيل المثال، أظهرت دراسة نيوروساينس لعام 2015 أن الطلاب الذكور الذين شعروا بتهديد الصورة النمطية أظهروا نشاطًا أكبر في الأجزاء المعنية بالقلق، بينما أظهرت دراسة ساينس لعام 2016 أن الإناث اللواتي تعرضن لتهديد الصورة النمطية أظهرن أداءًا أقل في المهام الحسابية.

كما أن هناك دراسة بعنوان “تأثير تهديد الصورة النمطية على الأداء المعرفي لدى النساء في الرياضيات” في جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة، ونُشرت في مجلة “Psychological Science” عام 2016.

شملت عينة الدراسة مجموعة من الطالبات الجامعيات اللاتي يدرسن تخصصات تتطلب مهارات رياضية. تم تقسيم المشاركات إلى مجموعتين: مجموعة تعرضت لتهديد الصورة النمطية من خلال تذكيرهن بالصورة النمطية السلبية حول قدرات النساء في الرياضيات، ومجموعة لم تتعرض لتهديد الصورة النمطية.

استخدمت الدراسة تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لرصد النشاط العصبي في أدمغة المشاركات أثناء أدائهن لمهام رياضية.

أظهرت النتائج أن المجموعة الأولى أظهرن انخفاضًا ملحوظًا في الأداء في المهام الرياضية، مع زيادة في النشاط العصبي في المناطق المرتبطة بالقلق والتنظيم العاطفي.

في المقابل، أظهرت المجموعة الثانية نشاطا عصبيًا أكثر استقرارًا في المناطق المرتبطة بالتحكم التنفيذي والمعالجة الرياضية.

تدعم الدراسة الفرضية القائلة بأن تهديد الصورة النمطية يمكن أن يؤثر سلبًا على الأداء المعرفي من خلال زيادة القلق وتفعيل مناطق الدماغ المرتبطة بالاستجابة للتهديد، وتوضح النتائج أهمية خلق بيئات تعليمية وعملية داعمة تقلل من تأثير تهديد الصورة النمطية، مما يمكن أن يساعد في تحسين أداء النساء في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. 

اقرأ أيضا: رأي | الصور النمطية نحو النساء.. التحيز والتمييز

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة