المسؤولية الاجتماعية للدولة

 

قررت الحكومة المصرية رفع سعر الخبز المدعم بنسبة 300%، تتبع الحكومة روشتة اقتصادية وضعها خبراء لدى صندوق النقد الدولي، روشتة وضعها خبراء الصندوق من قبل لعدة دول ذات ظروف اقتصادية مشابهة، تعتمد هذه الروشتة على سياسات نيولبيرالية تهدف إلى علاج الاقتصاد بالصدمة، تشمل تخفيض الأجور، رفع الدعم، تقليص حجم شركات القطاع العام، رفع معدلات الفائدة لجذب المستثمرين الدوليين، وعرض الأصول التي تملكها البلاد للبيع.

لكن تنسى الحكومة أو تتناسى أن الاستمرار في العلاج بالصدمة يؤدى إلى تفاقم الأعراض الجانبية التي من الممكن أن ينتج عنها في النهاية موت الاقتصاد، وتعريضه النظام الاجتماعي للانهيار.

تتفق المبادئ الاقتصادية التي درسناها، على أن علاج المشكلة الاقتصادية المستفحلة والصعبة، يجب أن يكون مدعوما ببعض الفيتامينات، حتى لا يتعرض الجسد المريض إلى الركود والتضخم والانهيار، تسمى هذه الفيتامينات بحزمة المساعدات الاجتماعية، أو المسؤولية الاجتماعية للدول.

اقرأ أيضًا:مشاهد من آخر طوابير “أبو شلن”.. الحكومة ترفع أسعار الخبز 300%

الدولة هي المسؤول الأول والأخير عن إدارة الاقتصاد، وعن فشل نتائج هذه الإدارة، وانطلاقا من الشعور بالمسؤولية تجاه الشعب - وتحديدا الطبقات الأكثر فقرا منه - والأجيال القادمة، تعمل الدول على خطة تراعي عدم استغلال السياسات الاقتصادية المجحفة للطبقات الاجتماعية الأقل حظا، بحيث تحمي الحكومة هذه الطبقات من مشكلات السياسات العامة والنتائج التي تترتب عليها، وذلك من خلال إدارة الحكومة للمصالح المتضاربة في الساحة الاقتصادية لكي تستطيع أن توائم مثلا بين حقوق العمال وحقوق صاحب العمل، أو المطالب التي يتبناها المستوردون لتعظيم أرباحهم وبين مطالب المنتجين والمصنعين المحليين الذين يهمهم أن تظل عجلة الإنتاج دائرة.

تعود أهمية المسؤولية الاجتماعية إلى ضرورة خلق الاستقرار في المجتمع، وتحقيق جزء من العدالة وتكافؤ الفرص، وذلك من خلال تطبيق ثلاثة معايير يحددها الخبراء الأكادميون وهي المعيار الاقتصادي، والمعيار القانوني، والمعيار الأخلاقي. وترجع أهيمة تطبيق هذه المعايير إلى خلق أمن اجتماعي يحمى الطبقات الهشة من الانزلاق نحو الهاوية، هذه الحماية تخلق بالأساس نوع من التنمية المستدامة التي تساعد في محاربة ظواهر من الفقر والجوع، وتساعد الاقتصاد على النمو في بيئة مستقرة تساعد على تحقيق الأرباح وجذب الاستثمار الآمن.

ولا يخفى على أحد أن السياسات الاقتصادية التي اتبعتها الحكومة وخاصة في يتعلق بسعر الصرف أدت إلى نتائج كارثية فيما يتعلق بمعدلات الفقر في مصر. بحسب البنك الدولي، فإن معدل الفقر بين السكان في مصر بلغ  32,5 % في 2022، بمعنى أن تلت السكان في الجمهورية يعيشون في مستوى اقتصادي منعدم بسبب السياسات التي تتبعها الحكومة، لذلك يجب على هذه الحكومة تحمل مسؤوليتها تجاه هؤلاء.

منذ زمن سحيق قررت الشعوب التي كانت تريد التحرر من الحكومات الاستعمارية في الدول الجديدة في أن لها رأيا في الحكومات التي تدير مصالحها وتفرض عليها نظاما ضريبيا، وعرف ذلك المبدأ بأن "لا ضريبة دون تمثيل" أما في عالمنا العربي يلتزم المواطن - الذي يعيش واقعا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا في غاية الاضمحلال – بدفع الضرائب التي تزيد كل عام، ويتبع الأوامر الحكومية التي تصدر له، ويقوم بواجباته تجاه عمله ودراسته ورعاية أسرته، كل ذلك دون أن يكون له تمثيل أو رأي حقيقي في السياسات التي تفرضها الحكومة عليه كنوع من أنواع الجباية.

إن القرارت الحكومية التي تتعلق برفع الدعم عن المواد التموينية والبترولية والغاز والكهرباء والمياه وكل مقومات الحياة الأساسية للمواطنين إنما تزيد الشعور بالأزمة والغضب والذي لا نعلم ما الذي يمكن توقعه إذا تملك الغضب من المواطنين أكثر من ذلك، كما أن صدور القرارت بهذا الشكل دون مناقشات اجتماعية جادة وبطريق الصدمة المعتاد يشعر المواطنين بنوع من تحدي الحكومة لهم ولأصواتهم التي تعلو شيئا فشيئا بالامتعاض والتذمر، فإذا كان لابد من الفقر الذي نستطيع تحمله معا إذ كان هناك حلول حقيقة للخروج منه يوما ما، فلا يجب أبدا ومطلقا أن يقترن هذا الفقر بالجوع أو الأخرى بالتجويع، إلا ستكون النتائج كارثية، وربما لن نستطيع حلها إلى الأبد.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة