غزة والمقاومة بالتعليم

غزة تقدم للعالم والتاريخ نموذجًا لتحرر الشعوب، في هذا القطاع الصغير الذي لا يزد عن 365 كم، والذي يتعرض لحرب إبادة جماعية مدعومة من الدول الكبرى، ونقص موارد وصل حد المجاعة، على مدار ثمانية أشهر للقصف بآلاف الأطنان من المتفجرات، وتدمير أكثر من 70% من البيوت والمدارس، وقدم آلاف الشهداء والمصابين.

هذا القطاع الضيق الذي يجمع أكثر من مليوني إنسان يتحدى كل تلك الأهوال، ويقاوم بكل ما يملك من إمكانات وقدرات، لا يزال يهتم باستمرار تعليم الأطفال حتى لا تفوتهم سنة دراسية.

المقاومة المسلحة تأتي في المقدمة بالطبع، وتحقق نجاحات ملموسة تعيق العدو عن تحقيق أهدافه، والشعب في غزة داخل سياق المقاومة يبتكر كل يوم تحت القصف طرقه للبقاء، ويخوض معركة تحرر وطني شاملة؛ فالهزيمة غير مطروحة، والجميع يعلم أن الحرب الحالية رغم فداحة التضحيات ليست سوى معركة كبيرة في سياق معركة الحرية الكبرى.

الشعب المقاوم يدرك جيدًا أهمية التعليم للاستمرار؛ فالتعليم لا يعني المعرفة فقط، بل يعني الأمل أيضًا، لذلك تعددت المبادرات الشعبية لتعليم الأطفال، وأصبح البحث عن الكتب الدراسة تحت إنقاض البيوت المهدمة فعل مقاوم، بداية من العمل الفردي لمعلمين مثل محمد الخضري الحاصل على الماجستير في طرق التعليم، والذي يتجول بين مخيمات الإيواء جنوب غزة ليجمع الأطفال ويدرس لهم المناهج، وكذلك الأمهات اللاتي يقمن بالتدريس لأطفالهن، وكونوا مجموعات من الأمهات للبحث عن الكتب الدراسية وتوصيلها للأطفال.

تعددت مبادرات التعليم في غزة، خاصة في خيام الإيواء ومدارس الأونروا التي تحولت إلى مراكز لجوء. مئات من الشابات والشباب ينظمون فصول دراسة، وعشرات المعلمين يدرسون دون انتظار مقابل، ولا تكتف المبادرات بالتعليم فقط، بل تجمع بين التعلم والترفيه.

يجتمع الأطفال للغناء والسمر واللعب أيضًا، الترفيه عن الأطفال في غزة أمرًا ضروريًا لحماية الأطفال من اليأس، فالشعب الذي يدفع من دمه ثمن الحرية لن يترك أطفاله للرعب.

حروب التحرر الوطني تختلف كثيرًا عن الحروب المتناظرة بين الجيوش. التحرر من الاستعمار يعتمد علي مقاومة الشعب وليس القوة العسكرية فقط رغم أهميتها. الشعب تحت الاستعمار يعمل دائمًا للحفاظ علي ثقافته وارتباطه بالوطن والدفاع عن هويته. وفي هذا السياق، تأتي أهمية التعليم الذي يضمن ارتباط الأطفال بتاريخهم وأرضهم وإعدادهم لمستقبل يكونون فيه قادة معركة التحرر الطويلة.

يدرك شعب غزة أهمية التعليم، فتلاميذ غزة البالغ عددهم 270 ألف تقريبًا ويتوزعون علي 677 مدرسة ما بين حكومية وخاصة ومدارس الأونروا، يحصلون على مستوى تعليمي جيد، وأغلب مدارسهم متصلة بالإنترنت.

وصلت نسبة المتعلمين في غزة إلي 98.3% بين الذكور و96.4% بين الإناث، وهي أعلى نسبة في البلاد العربية، خاصة لشعب يعاني من الحصار ويواجه احتلال عنصري استيطاني.

التعليم ثروة حقيقة في غزة حتى على مستوى المقاومة العسكرية؛ فنحن نتابع علي مدار الأشهر الماضية التطور النوعي للمقاومة العسكرية في غزة، واستخدام التقدم العلمي التقني ببراعة، مثل استخدام مسيرات متقدمة، والسيطرة في بعض الأحيان على مسيرات العدو، بالإضافة للتفوق الإعلامي الحربي المذهل للمقاومة من خلال تصوير وبث العمليات العسكرية. وما كان ليحدث هذا التطور لولا الاهتمام بالعلم والتعليم.

على المستوى السياسي الاستراتيجي، يرسل شعب غزة عن طريق مبادرات التعليم رسالة واضحة إلى الاحتلال وللعالم، بأن استخدام العدو المفرط للقومة الغاشمة لن يخرجهم من أرضهم، فهم شعب لا يبحث عن النجاة فقط بل والبقاء أيضًا.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة