متحدية قرار محكمة العدل الدولية الذي قضى يوم الجمعة بالوقف الفوري للعدوان الوحشي على مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي مجزرة جديدة، حيث استهدفت المقاتلات الحربية بأكثر من 8 صواريخ، مخيمًا للنازحين في منطقة تل السلطان شمالي غرب رفح، ما أسفر عن قرابة 40 شهيدًا وعشرات المصابين إلى الآن، في وقت لم تبد الدول العربية والمجتمع الدولي أكثر من بيانات الإدانات، وسط وضع كارثي بفعل الحصار ونزوح أكثر من 95% من سكان القطاع، الذي سقط آخر الضحايا من سكانه في مخيم النازحين، الذي ادعت إسرائيل سابقًا أنه آمن.
في وقت سابق اليوم، أعلنت لجنة الطوارئ برفح، في بيان، أن استهداف المدنيين النازحين يعكس إصرار الاحتلال الإسرائيلي على استمرار عمليات القتل والتدمير في رفح، متجاوزًا كل المطالبات والقرارات الدولية بضرورة وقف العملية العسكرية وعدم التعرض للمدنيين.
وجددت اللجنة دعوتها للمجتمع الدولي والمؤسسات الأممية الفاعلة للعمل بشكل جدي لإجبار الاحتلال على الامتثال لقرارات محكمة العدل الدولية، محذرةً من أن كل تأخير يقابله مزيد من الضحايا. بينما أعلن مدير إدارة الإمداد والتجهيز في الدفاع المدني، محمد المغير، لوكالة فرانس برس "انتهاء عمليات الإنقاذ والانتشال مساء أمس". وأضاف: "شاهدنا جثثا متفحمة وأشلاء". وكان من بين الشهداء أطفال تناثرت أشلاؤهم وقُطعت رؤوسهم من نازحي المخيم.
ما جاء بقرار "العدل الدولية"
يوم الجمعة، أمرت محكمة العدل الدولية إسرائيل بوقف العمليات العسكرية في رفح وفتح معبر رفح الحدودي مع مصر فورًا لتقديم المساعدات الإنسانية. كما دعت المحكمة إسرائيل إلى السماح للأمم المتحدة بالتحقيق في مزاعم الإبادة الجماعية.
جاء هذا القرار بعد شهر من الضغوط على الحكومة الإسرائيلية، وفق ما نقلته مجلة "The Spectator" البريطانية -تأسست في 1828- حيث أعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في وقت سابق من مايو عن سعيه لاعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف جالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وفي الأسبوع الماضي، اعترفت أيرلندا وإسبانيا والنرويج بدولة فلسطينية، بهدف تعزيز السلام في المنطقة.
اقرأ أيضًا: بايدن لإسرائيل: إما “القنابل” أو “رفح”
القرار الصادر من المحكمة، وهو ملزم قانونيًا وغير قابل للاستئناف، جاء في إطار قضية رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل، متهمة إياها بارتكاب إبادة جماعية في غزة. وقد طالبت جنوب إفريقيا المحكمة بفرض وقف لإطلاق النار.
وفي دفاعها، أشارت إسرائيل إلى أن وقف العمليات يعني ترك 132 رهينة في أنفاق حماس، وأن حماس ستكون حرة في مواصلة هجماتها على الأراضي الإسرائيلية والمدنيين.
والقرار الحالي للمحكمة هو الثالث فيما يتعلق بنزاع غزة، حيث وصفت المحكمة الهجوم البري الإسرائيلي في رفح، الذي أدى إلى تهجير 800,000 شخص، بأنه "تغيير في الوضع" يبرر التدابير الجديدة.
وأشارت المحكمة إلى أن إسرائيل لم تقدم معلومات كافية بشأن سلامة السكان أثناء إخلاء رفح، ولم تعالج المخاوف بشأن هجومها العسكري. ولذلك، قضت المحكمة بضرورة وقف الهجوم فورًا، محذرة من أن أي عمل آخر في رفح قد يؤدي إلى "التدمير المادي" للسكان المدنيين الفلسطينيين.
ومع ذلك، فإن هذا القرار لا يعني أن إسرائيل مذنبة بارتكاب إبادة جماعية في غزة، ولا يطالبها بوقف جميع العمليات العسكرية في القطاع، كما كانت تطالب جنوب إفريقيا.
وفي أعقاب الحكم، صرح بيني جانتس، عضو مجلس الحرب الإسرائيلي، بأن إسرائيل ستواصل هجومها "أينما وكلما كان ذلك ضروريًا – بما في ذلك في رفح". وأكدت وزارة الخارجية الإسرائيلية أنها لن تتسبب في "تدمير السكان المدنيين الفلسطينيين"، لكنها لم تشر إلى وقف العمليات مؤقتًا. ثم ارتكبت مجرزة رفح.

إسرائيل تباهت بـ"المجزرة" ثم أعربت عن أسف
في البداية، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أن "الضربة التي استهدفت مخيم رفح، نُفّذت ضد أهداف مشروعة بموجب القانون الدولي، من خلال استخدام ذخائر دقيقة التصويب وعلى أساس معلومات استخبارية دقيقة تشير إلى استخدام حماس للمنطقة".
ومع انتشار مقاطع الفيديو والصور التي وثقت الجحيم الذي أسقطته طائرات الاحتلال على مخيم النازحين، عدلت إسرائيل من لهجتها تعقيبًا على القصف، ووصفت المدعية العامة العسكرية الإسرائيلية، الميجر جنرال يفعات تومر-يروشالمي، اليوم الإثنين، الغارة الجوية على رفح، بأنها "جسيمة جدًا" وقالت إن تحقيقات القوات المسلحة في الأمر مستمرة، وفق ما نقله موقع قناة "الحرة" الأمريكية.
وقالت في مؤتمر صحفي لنقابة المحامين بإسرائيل: "تفاصيل الواقعة لا تزال تخضع للتحقيق الذي نلتزم بإجرائه على أكمل وجه". وتابعت قائلة إن الجيش الإسرائيلي "يأسف على أي أذى يلحق بغير المقاتلين خلال الحرب".

العالم "يعاقب" إسرائيل ببيانات إدانة
وقد أدانت عدة دول ومنظمات عالمية الهجوم الإسرائيلي الوحشي على مخيم النازحين في رفح.
واتهمت الرئاسة الفلسطينية، اليوم الإثنين، إسرائيل بتعمد استهداف المدنيين، وأكدت أن الهجوم يشكل تحديًا لقرارات الشرعية الدولية. وقالت الرئاسة في بيان إن القوات الإسرائيلية استهدفت عمدًا خيام النازحين.
وأدانت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) الهجوم، واصفة الصور الواردة من رفح بأنها دليل على أن غزة أصبحت "الجحيم على الأرض".
اقرأ أيضًا: علم إسرائيل على معبر رفح.. ماذا حدث ليلًا؟
ووصف سامي أبو زهري، المسؤول الكبير في حماس، الهجوم بأنه "مذبحة"، وحمل الولايات المتحدة مسؤولية مساعدة إسرائيل بالأسلحة والمال.
كما أكد كبير المدعين العسكريين في إسرائيل أن الهجوم "خطير للغاية" وسيتم التحقيق فيه. وقالت الميجر جنرال يفعات تومر يروشالمي إن الجيش الإسرائيلي يأسف لأي ضرر يلحق بالمدنيين خلال الحرب.
وأفاد شهود فلسطينيون ووكالة "سند" لتقصي الحقائق أن المخيم في منطقة تل السلطان برفح استهدف عمدًا، وأكدت وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" نقلاً عن جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أن من بين القتلى نساءً وأطفالًا، حيث "أحرق الكثيرون أحياء" داخل خيامهم.
وأدانت قطر الهجوم باعتباره انتهاكًا خطيرًا للقوانين الدولية وزيادة للأزمة الإنسانية في غزة. وذكرت وزارة الخارجية القطرية أن الهجوم يعرقل جهود الوساطة للتوصل إلى وقف إطلاق النار وتبادل الرهائن.

وكذلك، أدانت مصر القصف ودعت إسرائيل إلى تنفيذ أوامر محكمة العدل الدولية بشأن الوقف الفوري للعمليات العسكرية في رفح. وأكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده ستفعل "كل ما هو ممكن" لمحاسبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الضربات القاتلة.
ووصف وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس الهجوم بأنه "يوم آخر يقتل فيه مدنيون فلسطينيون أبرياء". كما وصف وزير الخارجية الأيرلندي مايكل مارتن الهجوم بأنه "بربري"، داعيًا إسرائيل إلى التوقف الفوري عن عملياتها العسكرية في رفح.
وأكد وزير الخارجية النرويجي إسبن بارث إيدي أن الهجمات تُعد خرقًا ماديًا لقرار محكمة العدل الدولية. وقالت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك إن "القانون الإنساني الدولي ينطبق على الجميع، بما في ذلك إسرائيل".
ووصف جيريمي كوربين، الزعيم السابق لحزب العمال في المملكة المتحدة، الهجوم بأنه "فشل وحشي للإنسانية"، مشيرًا إلى أن الأطفال الفلسطينيين يجب أن يشعروا بالحماس للذهاب إلى المدرسة، لا أن يعيشوا لحظات خوف مرعبة.
كما كتب حمزة يوسف، الوزير الأول السابق لاسكتلندا، أن الحكومة الإسرائيلية تقصف النازحين في الخيام رغم أمر محكمة العدل الدولية بوقف الهجوم، مشيرًا إلى الصور المروعة للجثث المحترقة.
وأعرب وزير الدفاع الإيطالي جويدو كروسيتو عن يأسه من الوضع المتفاقم وضغطه على الشعب الفلسطيني دون اعتبار لحقوق الأبرياء.
وأدان جاغميت سينغ، مشرع كندي وزعيم الحزب الديمقراطي الجديد، الهجوم، وقال إن العالم وكندا يخذلان شعب غزة. وحث النائب الديمقراطي رو خانا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على "الوقف الفوري" للهجوم على رفح.
ونددت عايدة توما سليمان، عضو الكنيست الإسرائيلي، بالحكومة الإسرائيلية، واصفة إياها بأنها "دموية" وترفض الانصياع لأوامر المحكمة.
ووصفت فرانشيسكا ألبانيز، مقررة الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، الهجوم بأنه "غير مقبول"، داعية إلى مواجهة إسرائيل بالعقوبات والعدالة.
ودعا بالاكريشنان راجاغوبال، مقرر الأمم المتحدة الخاص بالحق في السكن، إلى اتخاذ إجراءات ضد إسرائيل بعد الهجوم على رفح، واصفًا الهجوم بالعمل الوحشي. وقال كريس غانيس، المتحدث السابق باسم الأونروا، إن الهجوم الإسرائيلي على رفح جريمة تندرج تحت اتفاقية الإبادة الجماعية.
وأدانت منظمة أطباء بلا حدود الهجوم، مؤكدة أنه لا يوجد مكان آمن في غزة وداعية إلى وقف فوري ومستدام لإطلاق النار. كما أعربت منظمة أكشن إيد الإنسانية عن غضبها وتحطم قلبها بسبب الهجوم اللاإنساني على مخيم رفح، مشيرة إلى الصور المروعة للجثث المحترقة.
وأكد ترييستينو مارينيلو، المحامي في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أن الهجوم يظهر تجاهل إسرائيل لأوامر محكمة العدل الدولية. وسألت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لمركز الأبحاث DAWN، وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن عن رأيه في الهجوم على خيام اللاجئين.
وكتبت دلال معوض، صحفية لبنانية حائزة على جوائز، أن الهجوم يعيد ذكريات مذبحة قانا، مشيرة إلى أن الإفلات من العقاب يؤدي إلى تكرار الجرائم.
