العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.. ما الذي تغير بعد غزة؟

في 8 مايو، أعلنت إدارة الرئيس بايدن حجب شحنة أسلحة كبيرة عن جيش الاحتلال الإسرائيلي، في خطوة اعتبرت الأكبر منذ عقود لكبح جماح إسرائيل في غزة. القرار شمل شحنة من القنابل تزن 2000 رطل، وهي أسلحة تتجنبها الولايات المتحدة عادة في حرب المدن، حيث يعتقد مسؤولو البيت الأبيض أن إسرائيل ستستخدمها في عملية رفح بقطاع غزة.

لم يؤثر القرار على عمليات نقل الأسلحة الأخرى، لكنه عكس إحباط الإدارة المتزايد من حرب إسرائيل المستمرة منذ ثمانية أشهر في غزة. وهو ما تناولته مجلة "فورين آفيرز" بالتحليل، مشيرة إلى أن العلاقة الخاصة بين أمريكا وإسرائيل والتي تواجه الآن تحديات كبيرة.

الإعلان أظهر الانقسام الحزبي المتزايد في الولايات المتحدة حول إسرائيل. بعض القادة الديمقراطيين في الكونغرس والعديد من الناخبين الديمقراطيين اعتبروا أن الإدارة كانت متساهلة للغاية مع سلوك إسرائيل في الحرب، معتبرين أن الدعم العسكري والمالي والسياسي المقدم لها كان مفرطًا. في المقابل، انتقد العشرات من أعضاء الكونغرس الجمهوريين قرار بايدن بشأن القنابل، واصفين إياه بأنه "بيدق لحماس" و"صديق سيء لإسرائيل".

وفي 19 مايو، سافرت النائبة الجمهورية إليز ستيفانيك إلى القدس، حيث شجبت علنًا سياسة بايدن في اجتماع مع تجمع في الكنيست الإسرائيلي.

لطالما كانت ولا تزال واشنطن تفتخر بدعم الحزبين لإسرائيل، لكن الفجوة الحزبية تتسع منذ سنوات. الناخبون الديمقراطيون والأمريكيون الأصغر سنًا ينتقدون إنكار إسرائيل لحقوق الإنسان الفلسطيني وتقرير المصير الوطني، وقد زادت سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غير الليبرالية وحلفائه الثيوقراطيين من نفورهم. ومن ناحية أخرى، استغل الجمهوريون الدعم لإسرائيل كاختبار سياسي، معتبرين أن الدعم غير المقيد للحكومات الإسرائيلية اليمينية بندًا من بنود الإيمان.

الإسرائيليون يفضلون بايدن

أظهرت استطلاعات الرأي أن الإسرائيليين يفضلون دونالد ترامب على جو بايدن بهامش واسع، رغم دعم إدارة بايدن القوي لإسرائيل بعد 7 أكتوبر وخلال معظم الحرب. وعلى الرغم من أن غالبية اليهود الأمريكيين يصوتون تقليديًا للديمقراطيين، فإن الإسرائيليين يفضلون ترامب ويدعمون تحدي قادتهم لتفضيلات السياسة الأمريكية. ليس واضحًا ما إذا كانت هذه الأغلبية قلقة من احتمال حدوث قطيعة في العلاقة أو أن التحدي الإسرائيلي قد يعرض المساعدات العسكرية للخطر.

هذا الاحتكاك المتزايد بين الإسرائيليين والأمريكيين لم ينشأ مع الحرب الحالية في غزة، إذ تشير المسارات الاجتماعية والسياسية الأطول أمدًا في كلا البلدين إلى أن "القيم المشتركة" التي دعمت العلاقة لعقود كانت بالفعل تحت الضغط.

جلبت الحرب هذا التوتر والسياسة الحزبية إلى الواجهة. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني -وفق "فورين آفيرز"- أن الدول تسير في مسار تصادمي، لكنه يثير أسئلة مهمة حول طبيعة التحالف للسنوات القادمة.

الحرب على غزة
الحرب على غزة

الإسرائيليون يذعنون للأمريكيين عمومًا

تقول داليا شيندلين وهي خبيرة استطلاعات الرأي وكاتبة عمود في صحيفة "هآرتس" العبرية، في تحليلها بـ"فورين آفيرز"، إنه لفهم أهمية الصدع الحالي، يجب تذكر أن التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل نجا من العديد من الخلافات على مدى عقود، وأن الإسرائيليين يذعنون عمومًا للأمريكيين، بغض النظر عمن كان في البيت الأبيض. أو هكذا تشير أستطلاعات الرأي.

ففي عام 1977، أصبح الرئيس جيمي كارتر أول رئيس أمريكي يتحدث علنًا عن الحاجة إلى وطن فلسطيني. في ذلك الوقت، كانت الفكرة لعنة لليهود الإسرائيليين. ومع ذلك، في عام 1978، استضاف كارتر مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وتملق إسرائيل للقيام بانسحاب أرضي غير شعبي من سيناء. وعندما سئل اليهود الإسرائيليون في سبتمبر من ذلك العام عن مدى ثقتهم بكارتر، قال ما يقرب من الثلثين إنهم يثقون به إلى حد ما أو كثيرًا. وكذلك، خلال الأشهر الأولى لرئاسة رونالد ريجان، قال بين 63 و70% من اليهود الإسرائيليين إنهم يثقون به فيما يتعلق بإسرائيل.

اقرأ أيضًا: لماذا لا تجد إسرائيل وحماس أرضية مشتركة لاتفاق؟

تشير هذه الأمثلة التاريخية إلى أن التحالف الأمريكي-الإسرائيلي قوي بما يكفي لامتصاص التوترات، رغم التحديات الراهنة.

أيضًا حافظ الرئيس بيل كلينتون على دعم واسع في إسرائيل، حتى عندما كان يدافع عن سياسات لا تحظى بشعبية. وفي عام 1994، بعد عام من توقيع اتفاقات أوسلو المثيرة للجدل، قال 65% من الإسرائيليين إنهم راضون إلى حد ما أو راضون جدًا عن كلينتون. ورغم موجة التفجيرات الانتحارية واغتيال رئيس وزرائها في العام التالي، ظل الدعم لكلينتون قائمًا. وفي صيف 2000، وجدت استطلاعات الرأي أن ثلثي اليهود الإسرائيليين أعطوا كلينتون تقييمًا إيجابيًا، رغم معرفتهم بأن الولايات المتحدة ستضغط من أجل تنازلات كبيرة للفلسطينيين.

في 1992، هدد وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر بحجب ضمانات القروض الأمريكية لردع الزعيم الإسرائيلي إسحاق شامير عن استخدام الأموال لبناء المستوطنات. هذا الصدع ساهم في خسارة "شامير" في الانتخابات الإسرائيلية، ليخلفه إسحاق رابين الذي وافق على وقف التوسع الاستيطاني في مناطق معينة وكسرت الجمود مع الولايات المتحدة.

ما الذي يتغير في الإسرائيليين تجاه أمريكا؟

رغم ذلك، لم تظهر الأنماط السابقة في ظل إدارة بايدن. ورغم دعم بايدن لإسرائيل بعد هجوم 7 أكتوبر، أظهر الإسرائيليون موافقة فاترة.

ترامب وبايدن
ترامب وبايدن

في نوفمبر 2023 ويناير 2024، وجدت دراسات أن عددًا أكبر من الإسرائيليين قالوا إنه يجب على إسرائيل اتخاذ قراراتها الخاصة بدلًا من التنسيق مع واشنطن. وفي مارس، أظهر استطلاع للرأي أن الإسرائيليين يفضلون ترامب على بايدن بفارق 14 نقطة: 44% لترامب مقابل 30% فقط لبايدن.

وكما هو الحال بالنسبة للمواقف الأمريكية حول القيادة الإسرائيلية، فإن المواقف الإسرائيلية تجاه الإدارات الأمريكية تتماشى أيضًا إلى حد كبير مع الانتماء السياسي. ففي استطلاع "نيوز 12"، قال ما يقرب من ثلاثة أرباع مؤيدي ائتلاف نتنياهو إنهم يفضلون ترامب، في حين أن 55% من مؤيدي الأحزاب المعارضة لنتنياهو يفضلون بايدن. يعكس هذا الانقسام الحزبي ذروة القوى الاجتماعية والسياسية في كلا البلدين، كما يشير تحليل "فورين آفيرز".

السخط الديمقراطي من سياسة بايدن

في الأشهر التي سبقت إعلان بايدن عن تأخير شحنة الأسلحة، كان استياء الديمقراطيين من حرب إسرائيل في غزة مرتفعًا. أعضاء الكونجرس التقدميون ضغطوا على إدارة بايدن لاتخاذ موقف أكثر صرامة ضد سياسات نتنياهو.

وفي مارس الماضي، كسر زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر سابقة لانتقاد نتنياهو علنًا، والدعوة إلى إجراء انتخابات إسرائيلية مبكرة.

وفي الشارع الأمريكي، كان الناخبون الديمقراطيون، وخاصة الأصغر سنًا وأولئك الذين ينتمون إلى اليسار، مثل السياسيين الديمقراطيين في انتقاد الحرب. وقبل أسابيع من إعلان بايدن عن حجب القنابل، وجد استطلاع أن أغلبية كبيرة من الديمقراطيين، وأغلبية ضئيلة من جميع الأمريكيين، يؤيدون وقف شحنات الأسلحة إلى إسرائيل.

لا يزال الدعم قويًا

رغم ذلك، تشير اتجاهات طويلة الأجل في الرأي العام الأمريكي حول إسرائيل إلى دعم كبير لها. ففي مارس، وجد استطلاع أن 82% من الأمريكيين يؤيدون إسرائيل على حماس في الحرب. وفي الشهر التالي، وجد استطلاع آخر أن 52% من الأمريكيين أعطوا إسرائيل تصنيفًا "إيجابيًا" أو "إيجابيًا جدًا"، مقارنة بـ 16% فقط للسلطة الفلسطينية و14% لحماس.

تعلق صحفية "فورين آفيرز" على هذا بأن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية تظل معقدة، وتتأثر بالعوامل السياسية الداخلية في كلا البلدين، وأنه بينما يظل الدعم الأمريكي لإسرائيل قويًا، فإن التوترات السياسية والحزبية المستمرة قد تشكل تحديات جديدة للتحالف في المستقبل.

بايدن ونتنياهو
بايدن ونتنياهو

ولكن...

مع ذلك، زاد انتقاد الأمريكيين للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين أكثر من ذي قبل. وأظهرت استطلاعات مؤسسة "جالوب" تراجع نسبة الأمريكيين المؤيدين لإسرائيل من 64% في 2018 إلى 51% في أوائل 2024.

كما كشفت استطلاعات "بيو" عن تزايد الفجوة الحزبية حول هذه المسألة؛ ففي 2001، دعم 50% من الجمهوريين إسرائيل، بينما ارتفع الرقم إلى 79% في 2018. وعلى العكس، انخفض تأييد الديمقراطيين لإسرائيل من 38% في 2001 إلى 27% في 2018، واستمر هذا الاتجاه في السنوات التالية.

كما ظهر انقسام كبير بين الأجيال في وجهات النظر الأمريكية حول إسرائيل. ووجد استطلاع لمركز "بيو" في فبراير 2024 أن 78% من الأمريكيين الأكبر سنًا (أكثر من 65 عامًا) يرون أن أسباب إسرائيل لخوض الحرب مبررة، في حين أن 38% فقط من الأشخاص بين 18 و29 عامًا يوافقون على ذلك، مما يشكل فجوة قدرها 40 نقطة.

اتجاهات ديمقراطية بين الشباب الأمريكي

وأظهر استطلاع "أكسيوس" أن الطلاب، رغم دعمهم لحق إسرائيل في الوجود، يؤيد 45% منهم الاحتجاجات في الحرم الجامعي التي تسعى إلى مقاطعة إسرائيل، بينما عارضها 24% فقط.

وفي استطلاع "هارفارد CAPS/Harris" في أبريل، انقسمت الآراء بين المستطلعين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا حول المسؤولية عن أزمة غزة، حيث حمّل 49% منهم إسرائيل المسؤولية و51% حمّلوا حماس. بينما من بين الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا، ألقى 14% فقط باللوم على إسرائيل.

احتجاجات الأمريكيين ضد الحرب على غزة
احتجاجات الأمريكيين ضد الحرب على غزة

وتقول صحفية "هآرتس" داليا شيندلين، إن هذه الاتجاهات تعكس التحولات في المواقف السياسية للشباب الأمريكيين، حيث يميل الشباب في الغرب إلى تبني السياسات الليبرالية أو التقدمية التي تدعم المضطهدين، ما يعزز الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين. ورغم أن التفضيلات السياسية للشباب قد تتطور بمرور الوقت، إلا أن الاتجاهات الحالية تشير إلى المستقبل الديمقراطي تجاه إسرائيل.

اتجاهات يمينية بين الشباب الإسرائيلي

على مدى 15 عامًا على الأقل، أظهرت الدراسات اتجاهات يمينية بين الشباب اليهود الإسرائيليين. يعود ذلك إلى عاملين رئيسيين: التركيبة السكانية، حيث يزيد عدد الشباب اليهود المتدينين الذين يميلون إلى اليمين؛ والبيئة السياسية السائدة خلال العقدين الماضيين، حيث نشأ الشباب في ظل حكم نتنياهو اليميني وشهدوا العديد من جولات الصراع مع حماس.

وتزامن ميل الناخبين الإسرائيليين الأصغر سنًا نحو اليمين مع جهود نتنياهو لجعل العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر حزبية. وبعد عودته إلى السلطة في 2009، بدأ نتنياهو ووكلاؤه بمهاجمة الرئيس باراك أوباما بشكل ممنهج، متهمين إياه باتخاذ مواقف لا تتماشى مع الإجماع السياسي في ذلك الوقت.

وفي 2015، ألقى نتنياهو خطابًا في الكونجرس بدعوة من المشرعين الجمهوريين، هاجم فيه جهود إدارة أوباما لتأمين صفقة مع إيران بشأن برنامجها النووي. كانت هذه الخطوة جزءًا من استراتيجيته لتعزيز موقفه السياسي في إسرائيل، حتى لو أدى ذلك إلى تحدي رئيس الولايات المتحدة بشكل مباشر.

مظاهرات اليمين في الأراضي المحتلة
مظاهرات اليمين في الأراضي المحتلة

تأثير السياسات اليمينية

في منتصف العقد الماضي، انتقل المجتمع الإسرائيلي بقوة نحو اليمين، ما ساعد نتنياهو على الفوز بسهولة في الانتخابات الإسرائيلية. ورغم إهانة نتنياهو للرئيس الأمريكي آنذاك، باراك أوباما، إلا أن ذلك لم يمنع الأخير من توقيع واحدة من أكبر حزم المساعدات الأمريكية لإسرائيل، بقيمة 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات.

وعندما انتُخب دونالد ترامب رئيسًا في 2016، صوّر نتنياهو ترامب كأفضل صديق لإسرائيل. وسرعان ما ارتبطت كلمة "مؤيدة لإسرائيل" بسياسات ترامب لإذلال الفلسطينيين، واقتراح خطط لضم أجزاء من الضفة الغربية، والاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

وبفضل هذه السياسات، حظي ترامب بشعبية كبيرة بين الإسرائيليين.

في المقابل، لم تحظَ سياسات جو بايدن بالدعم نفسه في إسرائيل. وقد أظهر استطلاع للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية في أكتوبر 2020 أن 63% من الإسرائيليين يفضلون إعادة انتخاب ترامب، بينما فضل 17% فقط بايدن. وبعد فوز بايدن، أظهرت استطلاعات أخرى أن 73% من الإسرائيليين يعتقدون أن بايدن سيكون رئيس سيء بالنسبة لإسرائيل.

اليمين الإسرائيلي مرشح لمزيد من الصعود

ولا تقتصر التوترات الحالية حول الحرب في غزة على انخفاض دعم بايدن في إسرائيل، بل تعكس أيضًا تغييرات أعمق في الناخبين الإسرائيليين. ويتوقع تحليل "فورين آفيرز" أن تنمو الأغلبية اليمينية الإسرائيلية أكثر، بعد الحرب، في حين يزداد استياء الناخبين الأمريكيين من السياسات الإسرائيلية.

في الماضي، ساعدت المواقف الإسرائيلية الإيجابية تجاه الرئيس الأمريكي في تعزيز السياسات الأمريكية في إسرائيل. على النقيض من ذلك، في أبريل 2024، بعد أن جمعت الولايات المتحدة تحالفًا دوليًا لدعم إسرائيل، لم يبدِ الإسرائيليون أكثر تأييدًا لإدارة بايدن.

وإذا فاز ترامب في الانتخابات القادمة واستمر في سياساته المؤيدة لليمين الإسرائيلي، فقد يتحول الصدع الحالي بين البلدين إلى اصطفاف يميني شعبوي. لكن التحولات بين الناخبين الشباب في كلا البلدين تشير إلى تحديات مستقبلية كبيرة للحليفين في سعيهما للاتفاق على أجندة سياسية مشتركة.

قيم مشتركة أم مصالح استراتيجية؟

ورغم المصالح الإقليمية المتداخلة بين البلدين، فإن مسألة القيم المشتركة تزداد تعقيدًا، كما يشير تحليل "فورين آفيرز"، الذي يقول إنه إذا تباعدت القيم الأساسية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد يتوقف الجيل القادم من القادة في كلا البلدين عن رؤية بعضهم البعض كحلفاء طبيعيين. وفي هذه الحالة، قد تضمن المصالح الاستراتيجية بقاء العلاقة، لكنها قد تفقد الطابع الخاص الذي اعتمدت عليه في الماضي.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة