نشرت منصة فَكّر تاني خلال الفترة الماضية العديد من المقالات والأخبار التي تتناول القانون الدولي، وهذا أمر طبيعي في ظل الحرب الشرسة علي غزة، فكلمات مثل انتهاك ومخالفة وضرورة احترام القانون الدولي، أصبحت العبارات الأكثر تكرارًا في التصريحات الرسمية لرؤساء الدول والوزراء، وكذلك المحللين السياسيين والعسكريين.
ومن المقالات المنشورة علي المنصة، مقال من فريق التحرير، يقدم تحليل بول بواست الأستاذ المشارك في جامعة شيكاغو لأهمية القانون الدولي في ظل الحرب علي غزة، وقام تحليل بواست على إشكالية الإلزام أو قوة نفاذ القانون، وأعترف أن القانون الدولي يفتقد قوة سلطة التنفيذ، وأنه يخضع بشكل كامل لإرادة الدول الكبرى، ولم يؤثر في الحرب علي غزة أو الحرب علي أوكرانيا، ورغم ذلك انتهى في تحليله إلي أهمية وجود القانون لأن حالة العالم ستكون أسوء إذا غاب عنه القانون الدولي.
الحقيقة، أني أختلف كثيرًا مع تحليل الأستاذ بواست، وهذا الخلاف ليس وليد تلك المرحلة، فقد خضت نقاشات عديدة حول هذا الموضوع منذ دراستي بالجامعة، حيث يفتقد القانون الدولي ركن أساسي من أركان القانون، وهو " قوة النفاذ ". فالقانون ليس مجرد نصوص مصاغة بشكل جيد بل يجب أن توجد سلطة قضائية للحكم بمدى مخالفته وسلطة تنفيذية تقوم بفرض أحكام القضاء. ربما يرد البعض علي ذلك بوجود سلطة قضائية دولية مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، كما توجد قوة تنفيذ ممثلة في مجلس الأمن الدولي، ولن أخوض طويلًا في جدال نظري يحبه أغلب رجال القانون، وسأكتفي بتحليل علاقة القانون الدولي بالحرب الحالية على غزة.
اقرأ أيضًا:رصيف أمريكي بساحل غزة وتوتر متصاعد على معبرها المغلق
الحرب علي غزة، نموذج صارخ لانتهاك القانون الدولي الإنساني طبقا لاتفاقيات جنيف الأربعة، وارتكاب كل جرائم الحرب المنصوص عليها في نظام روما الأساسي، وتطبيق كل معايير جريمة الإبادة الجماعية طبقا لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، والحقيقة أنه لا توجد جرائم أكثر وضوحًا مما يحدث يوميًا منذ سبعة أشهر، وكأن إسرائيل تلتزم حرفيًا بخرق نصوص التجريم بداية من استهداف المدنيين مرورا بالتهجير والتجويع ونشر الأمراض وصولًا للإبادة الجماعية، وبعيدًا عن الجدل السياسي فلا يوجد اختلاف جدي بين رجال القانون حول جرائم إسرائيل.
وأيضًا، دون الخوض في جدل نظري نسأل ماذا فعلت منظومة القانون الدولي؟ الجريمة الأكبر وهي الإبادة الجماعية منظورة من شهور أمام محكمة العدل الدولية، وقد تابعنا جميعا المرافعات القانونية التي أُذيعت على الهواء مباشرة، وأدرك أغلبنا قوة حجج الفريق القانوني لجنوب إفريقيا، كما أدركنا " ترجيح " المحكمة للجريمة واتخاذ قرار بالإجراءات الاحترازية ولكنها لم تأمر بوقف إطلاق النار، مما يعني ضمنيًا استمرار الجريمة، أما المحكمة الجنائية الدولية والتي تلقت الآلاف من البلاغات، فمازالت تبحث وتفحص وتحقق تمهيدا لإجراء تحقيقات وليس بدء محاكمة مجرمي الحرب، فإجراءات المحكمة معقدة جدا لأسباب سياسية، وتستغرق القضايا داخلها سنوات طويلة تمتد غالبًا للباقي من عمر المتهمين بجرائم الحرب.
أما مجلس الأمن الدولي، وهو الجهاز التنفيذي الأقوى عالميًا، فقد تم تفصيله علي مقاس الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، لتتحكم بقراراته خمس دول فقط أو دولة واحدة منها مهما كانت الأغلبية التصويتية، ونادرا ما يصدر عنه قرار مهم خاصة في ظل التنافس السياسي بين أمريكا وروسيا، وشاهدنا جميعا خلال الشهور الماضية كيف أفشلت أمريكا صدور العديد من القرارات، والأكثر من ذلك فإسرائيل منذ إعلان وجودها عام 1948. لم تنفذ أي قرار يفرض عليها التزام لا تريده، ولم يضرها ذلك أبدا. نعود الآن للدكتور بواست، لنسأل لماذا نحتاج هذا القانون الفاشل دائمًا في حماية الضحايا؟ والذي تنتهكه الدول التي تطمئن لقوتها وفرض إرادتها على العالم.
الواقع، أن العالم في حاجة لتغير كبير في المنظومة الدولية إذا أراد أن يسترد القانون الدولي قيمته، يجب أن تكون لأغلبية الدولة مهما كانت قوتها القدرة علي فرض قرارتها، ويجب أن يتغير تنظيم مجلس الأمن ويلغي حق النقض الذي ثبت أنه أداة لهدم القانون الدولي وليس حمايته.