وقع ما حذرت مصر منه مرارًا؛ إذ دخلت قوات الاحتلال الإسرائيلي في الساعات الأولى من صباح يوم الثلاثاء، وعبر الجانب الشرقي لجنوب قطاع غزة، إلى مدينة رفح، قبل أن تتوغل في محور فلاديلفيا وترفع علمها على معبر رفح في الجزء الفلسطيني.

في بيانه، أعلن الجيش الإسرائيلي إن قواته "بدأت هذه الليلة (مساء الإثنين)، بقيادة الفرقة 162، وبتوجيه استخباراتي من الشاباك (جهاز الأمن العام الإسرائيلي) والاستخبارات العسكرية في تركيز النشاط في مناطق محدودة في شرق رفح ضد البنية التحتية التابعة لحركة حماس".
اجتياح رفح.. استعراض إسرائيلي في فلاديلفيا
كما أظهرت مقاطع فيديو متداولة عبر "إكس - تويتر سابقًا" سيطرة قوات اللواء 401 على الجانب الفلسطيني من معبر رفح، شرقي مدينة رفح الفلسطينية، في وقت نفذت طائرات حربية تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي وقوات الفرقة القتالية 215 غارات مكثفة على مناطق عدة من هذه البقعة الضيقة التي تأوي قرابة مليون ونصف المليون من النازحين من باقي مدن قطاع غزة، حيث استشهد 20 شخصًا، بينما وقعت إصابات في صفوف جيش الاحتلال بعد اشتباكات مع عناصر فلسطينية، سُمع دويها من الجانب المصري حتى الساعات الأولى من صباح اليوم، حتى أعلنت إسرائيل سيطرتها على المعبر الفلسطيني، وظهرت عناصر قواتها في مقاطع متداولة جديدة داخل محور فلاديلفيا.
اقرأ أيضًا: ما الذي يحدث في رفح المصرية؟
وسائل إعلام إسرائيلية تنشر فيديو لما قالت إنه اقتحام دبابات جيش الاحتلال لمحور فيلادلفيا الفاصل بين حدود مصر وغزة pic.twitter.com/7DOP7dFbs2
— الجزيرة مصر (@AJA_Egypt) May 7, 2024
"فيلادلفيا" أو محور صلاح الدين هو شريط أرضى ضيق لا يتعدى عرضه مئات الأمتار، يصل طوله إلى 14.5 كيلومتر، يقع على طول الحدود بين مصر وقطاع غزة، ويمتد من البحر الأبيض المتوسط وصولًا إلى معبر كرم أبو سالم التجاري. وهو شريط ثلاثي الاتجاهات بين مصر وإسرائيل وقطاع غزة، ويقع بالكامل فى المنقطة منزوعة السلاح (ج) التى نصت عليها معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، ولذا فإنه يخضع لشروط ومعايير العبور من الأراضى الفلسطينية إلى مصر، كما تنص المعاهدة على أن تنشر مصر عددًا من قواتها في المنطقة لتأمينها، وفقًا لبروتوكول تم توقيعه مع إسرائيل، بينما وصول إسرائيل إليه بهذه الطريقة الآن وفي مشاهد استعراضية، حيث توغلت الآليات الإسرائيلية فيه رافعة أعلام الدولة العبرية هو الأول من نوعه منذ خطة فك الارتباط الأحادية الإسرائيلية في العام 2005.
من الأحد إلى ليل الإثنين.. التصعيد
الأحد، أعلن جيش الاحتلال مقتل ثلاثة من جنوده وجرح آخرين، جراء سقوط صواريخ في منطقة معبر كرم أبو سالم بجنوب إسرائيل، والذي يفصل بينها وبين قطاع غزة، وزعم بيان للجيش أن إطلاق الصواريخ تم من منطقة مجاورة لمدينة رفح، فيما تبنت "كتائب عز الدين القسام"، الجناح العسكري لحركة حماس، إطلاق هذه الصواريخ، وأعلنت إسرائيل إغلاق معبر كرم أبو سالم أمام إدخال المساعدات الإنسانية الى القطاع المحاصر.
عقب ذلك، أمر جيش الاحتلال سكان مناطق في شرق رفح، الإثنين، بـ"الإخلاء الفوري" والتوجه نحو وسط القطاع، معلنًا نيته شنّ هجوم بري على المدينة المكتظة بالسكان، قبل أن يكثف غارات على شرقي المدينة.

إخلاء رفح غير الإنساني.. تنديد دولي
وحذرت مصر رسميًا من التصعيد الإسرائيلي في رفح، وقالت إنه يأتي في وقت بالغ الحساسية.
وفي بيان صادر عن وزارة الخارجية، اعتبرت مصر أن التصعيد تنطوي عليه مخاطر إنسانية بالغة في هذا التوقيت بالغ الحساسية في مسار مفاوضات وقف إطلاق النار، مؤكدةً أنها تواصل اتصالاتها على مدار الساعة مع كل الأطراف من أجل الحيلولة دون تفاقم الوضع أو خروجه عن السيطرة.
كما حذر فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، من الأوامر الإسرائيلية بنقل الفلسطينيين من رفح، مؤكدًا أنها "غير إنسانية وتهدد بتعريضهم لمزيد من الخطر والبؤس".
وأضاف في بيان: "لا يزال سكان غزة يتعرضون للقنابل والأمراض، بل والمجاعة. واليوم، قيل لهم إنه يتعين عليهم الانتقال مرة أخرى مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في رفح... هذا غير إنساني".
وقالت الإدارة الأمريكية، الإثنين، إنها "تشعر بالفضول" بشأن التفاصيل المحيطة بالإخلاء المخطط له في شرق رفح، موضحة أن الرئيس جو بايدن نقل مخاوفه بشأن العملية البرية المحتملة في المنطقة خلال اتصال مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وقال المتحدث باسم الأمن القومي الأمريكي، جون كيربي، خلال مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض، الإثنين: "نحن نطرح أسئلة على الإسرائيليين حول نواياهم هنا، وما هو الغرض الأكبر من هذا الإخلاء، وطبيعة ما يريدون الذهاب إليه. عليك حقاً أن تذهب إلى الإسرائيليين وتتحدث عن عملياتهم وخططهم العسكرية، لن أسبق ذلك - ولكن هل لدينا فضول بشأن التوقيت والنوايا وإلى أين يتجهون؟ نعم بالتأكيد، وقد أعرب الرئيس عن فضولنا بشأن ذلك خلال المكالمة الهاتفية اليوم".
بينما أكد كيربي مرارًا للصحفيين أن الإدارة الأمريكية تعارض عمليات الجيش الإسرائيلي في رفح التي من شأنها أن تعرض حياة المدنيين للخطر.
وأضاف: "لا أريد أن أسبق العمليات التي لم تحدث، ولا أريد أن أتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، يمكنني فقط أن أقول إننا لا نريد أن نرى عمليات في رفح وما حولها تجعل الأمر أكثر صعوبة". وقال: "من أجل أن يكون الأشخاص الذين يبحثون عن ملجأ هناك ومأوى آمنين". وأضاف: "لقد عرضنا هذه القضية سرًا على الإسرائيليين، وقد فعلها الرئيس مرة أخرى اليوم مع رئيس الوزراء مباشرة، وقد أوضحناها علنًا بالتأكيد، وكنا متسقين للغاية بشأن ذلك".
كما اعتبر مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل دعوة الجيش الإسرائيلي الفلسطينيين إلى إخلاء شرق مدينة رفح في أقصى جنوب قطاع غزة "غير مقبولة".
وقال بوريل، في منشور على منصة "إكس"، إن أمر الإخلاء هذا "ينذر بالأسوأ، أي مزيد من الحرب والمجاعة. هذا غير مقبول. على إسرائيل أن تتخلى عن الهجوم البري" في رفح.
وأضاف "يستطيع الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع المجتمع الدولي التحرك من أجل منع هذا السيناريو، وعليه أن يفعل ذلك".
ومن جانبها، عبرت بريطانيا عن قلقها العميق من الوضع في رفح، مطالبةً بقبول اتفاق يحقق إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين وبالتزامن تحذيرها من الآثار الإنسانية المدمرة المحتملة لمثل هذه العمليات.
كما أدانت الرئاسة الفلسطينية التصعيد الإسرائيلي، معتبرة ذلك تمهيدًا لجريمة إبادة جماعية، واتهمت الإدارة الأمريكية بتقديم الدعم لإسرائيل مما يشجع على استمرار انتهاكاتها ومجازرها.
وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من تأثيرات كارثية محتملة على الأطفال في رفح، مشددة على ضرورة عدم إجلائهم بالقوة والتدخل لوقف العمليات العسكرية التي قد تتسبب في مزيد من الفوضى والمأساة للأطفال.
وعبّرت فرنسا والأردن عن قلقهما واستنكارهما للتهديدات الإسرائيلية بشن هجوم على رفح، معتبرين ذلك جريمة حرب ومخالفة للقانون الدولي، داعين المجتمع الدولي للتحرك الفوري لمنع تفاقم الوضع الإنساني في القطاع.
حماس توافق على وقف إطلاق النار وإسرائيل تصم آذانها
ومع بدء القصف الإسرائيلي العنيف على شرق رفح، أعلنت حركة حماس أن رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية، أبلغ الوسطاء القطريين والمصريين بالموافقة على اقتراحهم بشأن اتفاق وقف إطلاق النار.
وجاء في بيان للحركة أن هنية "أجرى اتصالا هاتفيًا برئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وبرئيس المخابرات المصرية عباس كامل، وأبلغهما بموافقة حماس على مقترحهما بشأن اتفاق وقف إطلاق النار".
ويدعو إطار العمل الأخير، الذي ساعدت إسرائيل في صياغته لكنها لم توافق عليه بشكل كامل، إلى إطلاق سراح ما بين 20 إلى 33 رهينة على مدى عدة أسابيع مقابل وقف مؤقت لإطلاق النار وإطلاق سراح السجناء الفلسطينيين، يليه ما وصفته المصادر بـ "استعادة الهدوء المستدام"، يتم خلالها تبادل بقية الرهائن والجنود الإسرائيليين الأسرى وجثث الرهائن بمزيد من الأسرى الفلسطينيين.
إلا أن الحكومة الإسرائيلية أعلنت أنها سترسل وفدًا للقاء الوسطاء ومناقشة مقترح الهدنة في غزة الذي وافقت عليه حماس، مشددة على أنه "لا يلبي" مطالبها.
وجاء في بيان لمكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عقب اجتماع لحكومة الحرب، أنه على الرغم من أن مقترح حماس لا يلبي مطالب إسرائيل الأساسية، فإن تل أبيب سترسل وفدًا للقاء الوسطاء.
وأضاف البيان أن حكومة الحرب قررت بالإجماع أن تواصل إسرائيل العملية في رفح لممارسة ضغط عسكري على حماس من أجل المضي قدمًا في الإفراج عن الأسرى وتحقيق بقية أهداف الحرب، وفق زعمه.
مظاهرات في إسرائيل واتهامات لأمريكا
ولم يكن قرار حكومة نتنياهو مرضيًا لعائلات الأسرى، حيث اشتعل الداخل الإسرائيلي بالمظاهرات المنددة التي طالبت بضرورة تنفيذ الاتفاق لعودة الأسرى. وقال المحتجون إن الوقت قد حان لإعادة ذويهم، في إشارة منهم إلى ضرورة إتمام صفقة التبادل بين إسرائيل وحماس.
وهدد ذوو المحتجين قائلين: "الوقت حان لإعادة الأسرى أو سنحرق البلد".

ونقل موقع "أكسيوس" الأمريكي، عن مسؤولين إسرائيليين أن إدارة بايدن كانت على علم بأحدث اقتراح لاتفاق الرهائن ووقف إطلاق النار تفاوضت عليه مصر وقطر مع حماس، لكنها لم تطلع إسرائيل قبل أن تعلن حماس قبولها له يوم الإثنين. ورد مسؤول أمريكي كبير قائلًا إن "الدبلوماسيين الأمريكيين كانوا على اتصال مع نظرائهم الإسرائيليين. لم تكن هناك مفاجآت".
اقرأ أيضًا: انقسام جديد بين بايدن ونتنياهو بسبب رفح
وقال ثلاثة مسؤولين إسرائيليين، وفق "أكسيوس"، إن إعلان حماس يوم الإثنين فاجأ الحكومة الإسرائيلية، وأن إسرائيل لم تتلق نص رد الحركة من الوسطاء إلا بعد ساعة من إصدار حماس بيانها. وأضاف المسؤولون أنهم فوجئوا بأن الاقتراح يحتوي على "العديد من العناصر الجديدة" التي لم تكن جزءًا من الاقتراح السابق الذي وافقت عليه إسرائيل والذي قدمته الولايات المتحدة ومصر وقطر إلى حماس قبل عشرة أيام.
وقال أحد المسؤولين: "بدا الأمر وكأنه اقتراح جديد تمامًا". إلا أن مصدر مطلع على المفاوضات قال إن الولايات المتحدة دعت الإسرائيليين إلى القاهرة في نهاية الأسبوع لكنهم اختاروا عدم إرسال فريق. واعترف مسؤول إسرائيلي بأن هذا الخطأ هو الذي أدى إلى أن يكون لإسرائيل رؤية أقل في المحادثات.
