"الإسلام" والمجتمع والسياسة.. دراسة في أنثروبولوجيا الدين الشعبي في السودان

 

لا يكاد يخرج السودان الحبيب من عشرية سوداء حتى يسقط في أخرى، سلسلة ممتدة من الصراعات يعيشها المجتمع السوداني على كافة المستويات سياسيًا، وعسكريًا، واقتصاديًا، ودينيًا، وعرقيًا.

ورغم ما يفترض من وحدة الوجود والمصير التي تجمع مصر والسودان على مستوى الجغرافيا، والتاريخ، واللغة، ونهر النيل شريان الحياة الواصل بين البلدين، إلا أن المشهد السوداني المعاصر يبدو بعيدًا عن مجال رؤية قطاع واسع من المجتمع المصري الغارق في أزماته الداخلية.

في هذه المادة، نحاول الاقتراب من المشهد السوداني _الذي يزداد يوما بعد آخر تعقيدًا_ متتبعين واحد من الخيوط الأساسية التي شكلت صورة السودان المعاصر وهو "الإسلام" كدين، ومعتقد، وشعائر، وممارسة اجتماعية وسياسة أيضًا.

صور متعددة

بقدر حرص المسلمين على تأكيد مفهوم وحدة الإسلام كمعتقد وإيمان راسخ في قلوبهم، بقدر ما تتنوع صور الإسلام  منذ بعثة النبي محمد وفقًا لطبيعة المجتمع والثقافة والمرحلة الزمنية والنسق السياسي الحاكم، فصورة إسلام المدينة في سنوات الهجرة تختلف عن إسلام مكة بعد الفتح، وإسلام الدولة الأموية يختلف بكل تأكيد عن إسلام الدولة العباسية والفاطمية، صور متعددة لأصل واحد راسخ.

في كتابه "الإسلام السوداني .. دراسة في أنثروبولوجيا الدين الشعبي في السودان" يصطحبنا المفكر السوداني حيدر إبراهيم علي، في رحلة ممتعة مسكونة بالكثير من الأسئلة، والأفكار، والمعلومات عن تنوع وتعدد صور الإسلام في السودان منذ اللحظات الأولى لدخوله على يد التجار والمتصوفة واندماجه مع الثقافات المحلية بكل تنوعاتها وموروثها الحضاري، مرورًا بانتشار الإسلام بين الكثير من القبائل، وصولًا إلى اللحظة الراهنة بكل ما فيه من تعقيدات واختلافات وصراعات.

الكتاب الصادر عن مركز الدراسات السودانية بالقاهرة، يحتوي على مقدمة وافية تتضمن شرح وإيضاح المنهجية البحثية لدراسته الانثروبولوجية، وخمسة فصول أساسية تبدأ بفصل بعنوان "دخول الإسلام السودان"، مرورًا بثلاثة فصول تتبع خصوصية التجربة الدينية السودانية وهم: "الصوفية السودانية"، و"ممارسات ومعتقدات سودانية"، و"حركات دينية تفرد بها الواقع السوداني"، وصولًا إلى الفصل الأخير بعنوان "التدين والطرقية والطائفة في السودان".

اقرأ أيضًا:صراع الفقيه والسياسي.. قراءة في تصريحات مفتي الديار المصرية السابق

في مقدمته للكتاب يستعرض المفكر حيدر إبراهيم الآراء البحثية التي تدرس الصور المتعددة للإسلام وفقا للسياق الأنثروبولوجي والجغرافي والثقافي والزمني، ويذكر كذلك الآراء الرافضة لهذا التوجه المتمسكة بفكرة كونه إسلام واحد لا مجتمعات ولا طوائف ولا دول ولا ثقافات ينسب لها، معبرا عن انحيازه للرؤى الأولى التي لا تفصل الدين والتدين عن سياقه الاجتماعي والتاريخي والثقافي.

يشير حيدر إلى أن "عنوان الكتاب قد يبدوغريبًا أو غير مألوف خاصة لدى من يتعمدون سوء الفهم والمغرضين والمتربصين، فالإسلام بالتأكيد عقيدة واحدة وتوحيدية، ولكن على مستوى الممارسة والواقع تتباين الرؤى والأفعال. لذلك ظهرت المذاهب والفرق والأحزاب المختلفة لدرجة التناقض والعداء  وجميعها ينتسب للإسلام".

ويضيف "توصيف وتحليل واقع أي دين تحدده عوامل معينة، أولاً طريقة دخول وانتشار هذا الدين والقوى الاجتماعية والثقافية التي قامت بهذه المهمة، والعامل الثاني هو تفاعل الدين الوافد مع الثقافات المحلية في البلد المتلقي وأشكال التأثير والتأثر معها. من هنا جاء اختلاف المجتمعات الإسلامية على مستوى الممارسة والثقافة اختلاف بين الأقطار المختلفة بل وأهل القطر الواحد، وفي نفس السياق يكتب المستشرق مكسيم رونسون صاحب كتاب الإسلام والرأسمالية أنه يدرس المسلمين وليس الإسلام".

يؤكد حيدر مرارًا في كتابه على أن المناهج الأنثروبولوجية والسوسيولوجية/الاجتماعية لا تدرس العقائد والفلسفة الدينية ولا شريعة الإيمان بالعالم الآخر؛ بقدر ما تهتم بدراسة الظاهرة الدينية كسلوك وتجربة إنسانية "لا تهتم سوسيولوجيا الدين بدراسة جوهر الظاهرة الدينية بل السلوك والعلاقات التي تنتجها هذه الظاهرة، وعليه فإن سلوك المتدين هو ما يهم الباحث الاجتماعي".

مرحلة الدعوة

كانت المنطقة الجغرافية المعروفة الآن باسم السودان حتى القرون الأولى الميلادية عبارة عن ممالك لا تجمعها عقيدة واحدة، إلى أن انتصرت مملكة أكسوم الحبشية المسيحية على مملكة "كوش" النوبية التي كانت تعبد آمون رع، إله الشمس،  وصار هناك ثلاث ممالك تدين بالمسيحية في شمال ووسط السودان وهم: "نوباتيا" و"المقرة"، و"علوة".

بظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، وانتشار الدين الجديد خارج حدود الجزيرة العربية، وصلت جيوش المسلمين إلى مصر في عهد عمر بن الخطاب، وفي عهد عثمان بن عفان حاول عبد الله بن أبي سرح أن يدخل بجيشه إلى الممالك النوبية، لكنه وجد مقاومة شديدة. انتهت الحرب حينها بتوقيع اتفاقية "البقط" بين مملكة "المقرة" و"دولة الخلافة الإسلامية".

تعهدت الممالك السودانية بموجب هذه الاتفاقية _التي يصفها حيدر إبراهيم بالمهينة "وغير إسلامية"_ بدفع مبلغ من المال والذهب والعبيد سنويا مقابل الدقيق والقمح من مصر، وبقي السودان مسيحيًا مع تواجد أعداد قليلة من المسلمين اعتنقوا الإسلام متأثرين بدعوات التجار والرحالة المسلمين؛ ففي ظل هجرات بعض القبائل العربية إلى السودان واتساع حركة التجار المسلمين عرفت الممالك  السودانية حركة دعوية من خلال هؤلاء التجار.

الكاتب السوداني حيدر إبراهيم
الكاتب السوداني حيدر إبراهيم

يشير حيدر إيراهيم إلى أنه "من المعروف أن الاسلام لم يدخل السودان من خلال الغزوات أو الفتح العسكري، لذلك كانت عملية التحول إلى الدين الإسلامي بطيئة للغاية. كما كان التدين بسيطًا أقرب إلى القدوة والتقليد منه إلى الفكر والمعرفة العميقة. دخل الإسلام الى السودان على أنقاض ممالك مسيحية منقسمة لم تستطع توحيد نفسها رغم اشتراكها في دين واحد، وهذا الانقسام أضعفها وسهل سقوطها ولم تصمد أمام ديناميكية الفاتحين والمهاجرين المسلمين المتدفقين من شبه الجزيرة العربية منطلقين إلى العالم كله".

ويضيف:"من بين المناطق اللي قصدتها العناصر الإسلامية شمال إفريقيا، وبالذات مصر ومنها كان الانطلاق الإسلامي الهائل نحو بلاد النوبة. حيث بدأ احتكاك وتفاعل مباشرين. خاصة بعد تولي عبد الله بن سعد بن أبي السرح إمارة مصر، ومن الثابت أن السودان الشرقي قد عرف الهجرات العربية منذ فترة بعيدة قبل الإسلام. فقد نزحت بعض المجموعات بسبب الصراعات القبلية أو شح الغذاء والتقلبات السياسية".

ويكمل:"عبرت هذه القبائل البحر الأحمر مباشرة أو أتت من الشمال عن طريق مصر، أو من الساحل الشمالي لإفريقيا. وفي هذه الأثناء، جاءت قبائل بني هلال وبني سليم وجهينة وربيعة والجعافرة وقبائل مغربية من البربر، ويرى بعض المؤرخين أن بلاد البجا قد عرفت الهجرات مبكرًا قبل الإسلام مثل هجرة الحضارمة".

الصوفية السودانية

يستعيد حيدر إبراهيم اللحظات الأولى لدخول الإسلام السودان، كيف كانت؟، ولماذا أفضت إلى تجربة دينية خاصة بالواقع السوداني؟، موضحًا أن الإسلام دخل إلى السودان على مرحلتين الأولى من خلال المهاجرين العرب ومعظمهم من التجار "وكانت تلك الفترة بمثابة مرحلة إعدادية سبقت قيام السلطنات الإسلامية".

من أبرز سمات هذه المرحلة اندماج كثير من مكونات الثقافة المحلية داخل الدين الجديد لتظهر نسخة متفردة من الإسلام، ستعرف فيما بعد بمصطلح "الإسلام الشعبي" وهى نسخة بسيطة وعملية من التدين سمحت "بتسرب ودمج عناصر ثقافية غير إسلامية: فرعونية، ومسيحية، ووثنية في الدين الوافد، وصارت من مكونات الإسلام السوداني الذي تعايش مع الواقع المحلي ولم يحاول أن يقتلعه أو يصطدم به".

كانت هذه المرحلة بمثابة الحاضنة الأساسية للطرق والطرائق الصوفية السودانية التي سيصبح لها حضور كبير وممتد على مدار القرون التالية في المشهد الديني والاجتماعي والسياسي السوداني "من أهم الخصائص التي تؤكد خصوصية الإسلام الصوفي السوداني هى غلبة الجوانب العملية والنفعية وأن يكون لمعتقداتهم تأثيرها المباشر في توجيه حياتهم وجعلهم قادرين على العيش في توافق مع البيئة المادية والبشرية العدائية التي تحيط بهم".

بقدر ما كانت النسخة الصوفية من الإسلام السوداني أكثر بساطة وتسامح وتنوع، إلا أنها رسخت بصورة أو أخرى الأفكار الغيبية والتسليم لقوى الطبيعة ورجال السلطة والدين "اصطبغ العقل السوداني الذي أثرت على تكونه الطريقة السودانية بصبغة سحرية وغيبية. ويكشف التراث الذي وصلنا عن غياب شبه تام للعقل والعقلانية في التعامل مع الواقع، وكانوا غير ميالين للاجتهاد وإعمال الرأي".

يشير حيدر إبراهيم إلى أن الصورة المثالية ideal type لشخصية الصوفي السوداني تخضع لمعايير الثقافات السودانية المحلية القديمة أكثر من متطلبات الثقافة الدينية الأصولية "لم تكن مكانة العالم أو الفقيه عالية إلا بمقدار قدرته على حل المشاكل الحياتية اليومية وليس حل المعضلات الفلسفية أو القضايا الفكرية الكبرى أو غزارة العلم وتنوع تعليمه ومصادره، لذلك كان المجتمع يفرق بين الفقيه المشارك في الحياة العامة وبين المنعزل".

في المراحل التالية مع انتشار الإسلام ونشأة الممالك والسلطنات الإسلامية شهدت الطرق الصوفية تغيرات جوهرية تحولت معها إلى أيديولوجيا لها بعد سياسي واجتماعي واضح "الأديان أنساق لتنظيم الحياة حسب- ماكس فيبر- يسميها التجمعات السيادية أو المهيمنة التي تمارس نوعًا من الهيمنة على أعداد من البشر، وذلك عبر مبدأين مهمين هما الصلة الاجتماعية التي يولدها الدين كظاهرة اجتماعية، والسلطة التي يتيحها كقواعد ملزمة".

ويضيف حيدر :مثلت الطرق الصوفية -حسب علم الاجتماع - شكلًا من أشكال الجماعة الأولية، أي تلك التي تقوم على علاقات المواجهة relationship face to face)) التي تميز المجتمعات التقليدية، ويعرف أفراد الجماعة بعضهم بسبب صغر الحيز الجغرافي الذي يجمعهم وتشابه النشاط الاقتصادي وغلبة علاقة القرابة والمصاهرة. وتتميز العلاقات بالتعاون والتماسك والأخوة مع وجود ضوابط اجتماعية قوية. ويضاف لهذه الخصائص في حالة الطريقة الولاء والخضوع للشيخ صاحب الكاريزمية والكرامات".

تحديات معاصرة

في الفصل الأخير للكتاب يستعرض حيدر إبراهيم المشهد الاجتماعي والسياسي في السودان المعاصر خلال القرنين الماضيين وأبرز الأسئلة والتحديات التي واجهها المجتمع السوداني في مسار الحداثة والتحديث، والدور الذي لعبته الجماعات والأحزاب والتيارات الدينية خلال هذه المرحلة الممتدة أثرها إلى الآن في ظل سيادة مفهوم القبيلة والأفكار الغيبية وهيمنة السلطة والمال والطائفية والجهل والعنف على المشهد السوداني.

"مهدت علاقات المال والعقيدة والسياسة الطائفية للحركة الإسلاموية، فقد رأى مؤسسو الحركة الإسلاموية (الإخوان المسلمون) الأرضية المناسبة لنمو حركتهم فهم يجدون في جماهيرها المتدينة عناصر جاهزة لقبول أيديولوجيتهم خاصة إذا لم يصطدموا مع ولاء الأتباع ومع شعائرهم وطقوسهم وممارستهم الدينية الخاصة".

ويضيف:"الإخوان المسلمون السودانيون خلافا لأنصار السنة لم يعادوا الصوفية والطائفية. وقاموا من البداية على توظيف الطائفية في محاربة الشيوعي ومعركة الدستور الإسلامي، ولم تقف جماعة الإخوان مع تصفية الإدارة الأهلية ولا الإصلاح الزراعي وتغيير علاقات الإنتاج والملكية في الريف السوداني. وكانت ترى في هذه القضايا ميولا اشتراكية يريد الحزب الشيوعي أن يبثها في البلاد".

مشيرًا إلى أن الجماعات  والتنظيمات والأحزاب الدينية في السودان:"اكتفوا بإغلاق الحركة السياسية الوطنية في نفق معركة الدستور الإسلامي وليس معركة التنمية أو الوحدة الوطنية وهذه هي المعارك الحقيقية التي كان يجب أن يخوضها السودانيون بعد الاستقلال".

يختتم حيدر كتابه بدعوة للتساؤل والبحث والتفكير والنقاش والحوار الموضوعي والحرية والعدالة وغيرها من القيم الإنسانية التي تحتاج أن تستعيدها مجتمعاتنا العربية مشيرًا إلى أن رحلة بحثه ركزت على الجانب الاجتماعي والتاريخ الإنساني بالأساس للمسلمين في السودان "هذا الكتاب هو في النهاية معالجة إنسانية بحتة وواقعية للتدين لدى السودانيين بعيداً عن المزايدات والتهم الجزافية والتعصب المقيت".

ويضيف:"كتبت عن المسلمين السودانيين حاضرًا وتاريخيًا ولم أقصد الكتابة عن الإسلام كعقيدة وهذا هو الجانب البشري (الأنثروبولوجي) - العقيدة حين يمتلكها الناس وحين تمشي بينهم في الأسواق. وكان من الطبيعي أن يتحدث البعض عن الإسلام الصحيح وغير الصحيح، وأن تظهر جماعات تظن أنها ملكت الدين المطلق ولذلك تحكم على الآخرين بالكفر والإلحاد والتجديف والردة".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة