كيف تؤثر التغيرات المناخية على "النساء" في الدول النامية

اضطرت ساتي، 19 عامًا إلى الانتقال لمخيم بعد أن غمرت المياه منزلها في قرية صغيرة في بنجلاديش،
"في الليل لا أستطيع النوم، لم يكن هناك باب، لم يكن هناك سوى غطاء بلاستيكي فوق رؤوسنا، والدتي لم تنم قط، لقد كانت قلقة عليّ وعلى أختي"..

يشير تقرير أطلقته هيئة الأمم المتحدة للمرأة في مؤتمر الأمم المتحدة المعنية بتغير المناخ (COP28) إلى أنه بحلول عام 2050 قد يدفع تغير المناخ ما يصل إلى 158 مليون امرأة وفتاة إلى الفقر، كما يتسبب في مواجهة 232 مليونًا لانعدام الأمن الغذائي في الظروف المناخية القاسية مثل العواصف والفيضانات أو الحرارة المستمرة في الارتفاع، لتجبر آلاف الأشخاص على مغادرة منازلهم في جميع أنحاء العالم.

اقرأ أيضًا: النساء الأكثر قلقا والأقل إسهاما في تغير المناخ

وفقًا ل"لأمم المتحدة للبيئة"، فإن 80 % من النازحين بسبب تغير المناخ هم من النساء أو الفتيات، وبالتالي قد يواجهن مخاطر متزايدة من الفقر أو العنف أو الحمل غير المخطط أثناء هجرتهن إلى مواقع أكثر أمانًا، مثل ما حدث في عام 2004 حين جاءت موجة تسونامي الأعنف حتى الآن ضاربة أندونيسيا وسريلانكا والهند وكان معظم الضحايا من النساء، وكان الخطر الثاني بعد المناخ هو الاتجار بالبشر وشبكات الدعارة الذين خططوا لخطف الفتيات المشردات والنازحات إلى قرى ومدن أخرى.

تقول حبق الفتاة 19 عامًا- نازحة صومالية- "أشعر بعدم الأمان لأن لدينا مأوى سيئ، في بعض الأحيان يأتي اللصوص ويحاولون إيذاءنا، إنه أمر مخيف للغاية، اللصوص لا يريدون أخذ أي أشياء مادية، بل يريدون إيذاء النساء، ولهذا السبب لا يبحثون عن أشيائنا، إنهم يريدون فقط مهاجمة النساء".
الظروف المناخية القائمة هي نتاج أعوام من إفساد الطبيعة الذي بدأه الرجل الأبيض، والآن هذه التغيرات تهدد حياة النساء الفقيرات ولا سيما السوداوات في المجتمعات النامية فتهدد حياتهن وحياة أطفالهن.

قد يستهزئ البعض من فكرة ربط التغيرات المناخية بأحوال النساء، ولكن التغيرات المناخية تلاحقهن داخل أجسادهن وداخل الأسرة وحتى مكان العمل، حتى يهربن بحياتهن وحياة اطفالهن إلى قرى ومدن جديدة فتسري الأمراض في أجساد أطفالهن، إنها مشاهد مألوفة بعد أحداث الجفاف والعواصف والأعاصير والفيضانات.

أحداث الجفاف ونقص الطعام

في المجتمعات النامية تكون النساء مسؤولات عن جمع الماء للأسرة وقد يضطرون للسفر إلى أماكن بعيدة من أجل الحصول على الماء، في هذه العملية المتكررة تواجه النساء خطر الإصابة بالعديد من الأمراض خاصة مع أحداث الجفاف المنتشرة هذه الأيام تضطر النساء إلى توسيع نطاق البحث. معظم هؤلاء النساء من السود وينتمين إلى قرى فقيرة وأسر ضئيلة الدخل وهذا ينبئ بسوء الأحوال الصحية وغياب الرعاية الطبية.

طبقًا لمنظمة الصحة العالمية فإن 2 بليون إنسان يستخدمون مياه شرب ملوثة قد تنقل أمراض مثل الكوليرا والتيفويد والتهابات الكبد.
طبقًا لمنظمة الصحة العالمية فإن 2 بليون إنسان يستخدمون مياه شرب ملوثة قد تنقل أمراض مثل الكوليرا والتيفويد والتهابات الكبد.

أحداث الجفاف قد تؤثر أيضًا على سير الحياة الأسرية، فمعظم هذه الأسر تعتمد على رب الأسرة لتوفير الدخل، ومع تزايد حدة التغيرات المناخية قد يصاب هذا العائل بالتوتر والضغط النفسي. الأمر الذي دفع العديد من الرجال إلى هجر منازلهم وترك أسرهم بالكامل وراءهم، مما ألقى المزيد من الأعباء على ربة المنزل التي أصبحت تبحث عن الماء وترعى المنزل والأطفال وتحاول كسب أي رزق لتعول اسرتها.

هذا هو ما تواجهه نفيسة، أم صومالية من عائلة ريفية ترعى الأغنام تبلغ من العمر 25 عامًا، وتمتلك العديد من الحيوانات التي يقومون بتربيتها للحصول على طعامهم ودخلهم، وبعد سنوات من الجفاف المرتبط بتغير المناخ، جفت أراضيها وماتت جميع الماشية، تاركة أسرتها بلا أي طعام أو مال للبقاء على قيد الحياة، وفي الوقت نفسه أخذ زوجها أطفالها وتركها..

"كانت حياتنا جيدة جدًا لأنه كان لدينا ماشية، لقد اعتدنا أن نأكل ونشرب الحليب ونبيع الحيوانات ونصنع الزبدة، إنه أمر مؤلم للغاية عندما يكون لديك طفل صغير وليس لديك أي شيء".

التغير المناخي وصحة النساء

يمكن القول أن التغيرات المناخية أول مسمار يضرب صحة النساء ضربة قاتلة مباشرة، فالنساء أقل تحملًا للحرارة والبرودة وأكثر حساسية لهم، بالإضافة إلى مضاعفات في الدورة الشهرية أو انقطاعها، كذلك خطر تزايد الأمراض التي قد تجعل الجسم يطور أجسامًا مناعية جديدة بسبب الفيروسات والأمراض المنتشرة مع الفيضانات والجفاف.

في نفس الوقت تزداد ندرة الغذاء وماء الشرب مما يؤثر على صحة الأمهات، مثل زيادة نسب سكر الحمل ومضاعفات الحمل والولادة وزيادة المعادن الثقيلة في لبن الأم.

الفيضانات خطر آخر يهدد حيز المرأة، قد لا تجد المرأة مكانًا للولادة، تحكي شيفالي-30 عامًا- عما واجهته في فيضانات بنجلاديش: "كانت أختي حاملًا وولدت وسط الماء، لم تكن هناك مساعدة فقط أنا، الأمهات الحوامل لا يستطعن السباحة لهذه المسافة وغالبًا ما يمِلن إلى البقاء في المنزل وهو أكثر خطورة".

خطر على اقتصاد الأسرة

في الدول النامية تضطر النساء للعمل في العديد من الصناعات في مواقع أقل من الرجال، وقد تكون هذه الصناعات هشة أمام التغيرات المناخية مما يضطرهن إلى اللجوء للعمل الحر أو عمل خاص في وظائف غير رسمية، كالزراعة وجمع المحاصيل والتقاط الحبوب كالمكسرات، وهي بالطبع بلا بدلات أو تأمينات صحية وبدخل أقل من الرجال، الأمر الذي يترت عليه محاولات متكررة للهجرة وخاصةً مع تكرار الكوارث الطبيعية التي تهدد الزراعة، وذلك لمجرد البحث عن عمل وإقامة رخيصة.

تكون النساء أمهات ومسئولات عن رعاية المنزل والأطفال والمصابين داخل كل أسرة وهذا خطر أساسي على صحتهن، ولكن هناك خطر آخر أثناء التغيرات المناخية والهجرة المترتبة عليها.

فنتيجة طبيعية للتغير المناخي وتدمير المدن وتشرد الأسر ونزوح بعضها هو تدمر المدارس وتسرب العديد من الأطفال خاصة الفتيات من التعليم، مما بعض الأسر تتخذ قرارًا بتزويج بناتهن القاصرات توفيراً للنفقات.

عندما ضربت الفيضانات بنغلاديش في 2017، اضطرت "سارمين" فجأة إلى مواجهة احتمال الزواج في سن الرابعة عشرة، كان والداها يكافحان بعد أن فقدا كل شيء في الفيضانات، وكانا يشعران أن الزواج من عائلة أخرى من شأنه أن يبقي سارمين في صحة جيدة ويوفر تغذية آمنة..

"بسبب الفقر، يقوم الآباء بتزويج بناتهن مثلي في سن مبكرة جدًا، لا أستطيع الذهاب إلى المدرسة منذ أن تزوجت، الحياة صعبة على الفتيات الصغيرات في القرية".

مزيد من التغيرات المناخية..مزيد من العنف

في حالات الكوارث الطبيعية تكون النساء معرضات للعنف 14 مرة أكثر من الرجال، ومع ظروف الفقر والجفاف وخروج الفتيات من التعليم يزداد خطر العنف والتحرش، فتلجأ الأسر لممارسة تشويه الأعضاء التناسلية وكي الثدي للفتيات ظنًا بأن ذلك حماية لهن، هذه الحالات ازدادت في أجزاء من كينيا في الآونة الأخيرة وفي مناطق غرب أفريقيا كالتشاد والكونغو.

عندما تلاحظ الأم نمو ثدي بناتها تسارع بالكي بأدوات ساخنة أو بأحجار ملتهبة، وأحيانًا يربطن أقمشة ضيقة حول منطقة الصدر لأعوام حتى لا تنموا الغدد الثديية.

لا أحد يتصدى لمثل هذه الممارسات البشعة نتيجة عدم تمكين المرأة اقتصاديًا وسياسيًا، حيث وجد فريق من الباحثين قلة انتشار ختان الإناث لدى القبائل المقيمة قرب المسطحات المائية وتوافر مياه الشرب بينما تزيد المعدلات لدى القبائل التي تعاني أراضيهم من الجفاف.

هذه الممارسات تعرض الفتيات للعديد من الأمراض والعدوى فهي تترك جروحاً عميقة يصعب الاستشفاء منها مع غياب الرعاية الطبية السليمة وندرة المياه التي تعتبر ضرورة أساسية في الشخصية.

محاربة هذه الجرائم العنيفة لا يتطلب فقط الارتقاء بالمستوى المعيشي ومواجهة التحديات المناخية، ولكن تمكين المرأة الاقتصادي والسياسي والتعليمي يعد حلًا جذريًا في مواجهة الخرافات حول جسد المرأة و توجيه الإدانة له دائماً.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة