أقرّت الأمم المتحدة اليوم 15 أكتوبر من كل عام، ليُصبح "اليوم العالمي للمرأة الريفية"، احتفاءً وتقديرًا لمساهمتها الكبيرة في الإنتاج الغذائي. وعلى الرغم من مسؤوليتها عن إنتاج ما يقرب من 80% من الغذاء في الدول النامية، إلا أن النساء لا يمتلكن سوى حوالي 15% فقط من الأراضي الزراعية.
كما تُعتبر المرأة الريفية حارسةً للتراث الزراعي التقليدي، حيث نقلت طرق الزراعة القديمة عبر الأجيال، ما ساهم في الحفاظ على الثقافات الأصلية من الاندثار.
وإلى جانب دورها في الزراعة، أسهمت المرأة الريفية بشكل كبير في نقل التراث الشعبي والفلكلور والأمثال والأغاني، وكذلك التداوي بالأعشاب على خُطى الأجداد، ما جعلها عنصرًا رئيسيًا في حفظ الثقافة الشعبية.
ورغم بساطتها، فإن المرأة الريفية تمثل نموذجًا حيًا للعمل الحر الذي يتطلع إليه الكثير من الشباب اليوم، كبديل لنظام العمل التقليدي.

التحديات والدور المحوري في الإنتاج الزراعي
النساء، بشكل عام هن المسؤولات عن إنتاج الطعام واستحداث طرق زراعية تتلاءم مع التغيرات المناخية والاقتصادية. ومع ذلك، تبقى الأراضي الزراعية مملوكة للرجال، وهو وضع يعكس الموروثات الاجتماعية التي تعيق التمكين الاقتصادي للمرأة.
في المناطق الريفية، الزراعة هي المصدر الرئيسي للدخل، حيث تواجه النساء نقصًا في التعليم المناسب، ما يجعل مشاركتهن في سوق العمل خارج المجال الزراعي شبه مستحيلة.
وفي تونس، تشير الإحصاءات إلى أن النساء يُعتبرن مساهمات فقط في الأعمال الزراعية، رغم أن 70% من القوى العاملة في الزراعة هن من النساء إلا أن أجورهنّ أقلّ بحوالي 50% من الرجال، وعدد قليل للغاية منهنّ يجد الحماية الاجتماعية، حيث أنّ 33% فقط لديهنّ ضمان اجتماعيّ، وهو عدد أقلّ أيضًا بكثير من مثيله لدى العاملين الرجال -فبحسب الإحصاءات- تستفيد 93,500 سيدة من نظام الحماية الاجتماعية مقابل 377 ألف رجل.
وعلى نفس المنوال، تُسهم المرأة الفلسطينية بنسبة 65% من الأنشطة الزراعية وتنتج 70% من المحاصيل العضوية، إلا أن 84% منهن لا يملكن أراضي. هذا الواقع متكرر عالميًا، حيث يُنظر إلى دور المرأة الريفية على أنه تابع للرجل، رغم أنها تستثمر معظم وقتها في العمل الزراعي والمنزلي.
وفي بيان صدر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عام 2023، أن 40% من النساء الريفيات يُعانين من الأمية، ما يُقلل من مشاركتهن الاقتصادية ويؤثر سلبًا على إدارة شؤونهن الزراعية والمالية.
تفاقم هذا الوضع مع الحرب الروسية الأوكرانية في 2022 التي أدت إلى نقص عالمي في الأسمدة، مما أثر على إنتاج المحاصيل، وزاد من التحديات التي تواجه المرأة الريفية في الزراعة.

التمكين.. والهيمنة الذكورية والتمييز الهيكلي
في مصر، تُفيد دراسات بحوث السكان التي صدرت عن الهيئة العامة للتعبئة والإحصاء في ديسمبر 2023، أن 40% من الريفيات يعانين من الأمية، ما يُقلل من مشاركتهن الاقتصادية ويؤثر سلبًا على إدارة شؤونهن الزراعية والمالية.
وفي عام 2020، صدر عن الجهاز، في مجلة نصف سنوية بعنوان "السكان بحوث ودراسات" جاء فيها أن المرأة الريفية من أكثر الفئات تضررًا من القيود الهيكلية والتمييز مقارنة بالنساء الحضريات. فهي تواجه عقبات كبيرة في الحصول على الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية، وتجد صعوبة في السيطرة على الموارد الإنتاجية، مما يؤثر سلبًا على تحسين حياتها وحياة أسرتها. كما تعاني المرأة الريفية من التمييز مقارنة بالرجال والنساء الذين يعيشون في المناطق الحضرية.
وفي إطار الجهود الوطنية لتمكين المرأة، تضمنت الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030، التي أعدها المجلس القومي للمرأة وأقرها رئيس الجمهورية، محورًا خاصًا بالتمكين الاقتصادي للمرأة. وتهدف الاستراتيجية إلى دعم النساء العاملات في القطاع الزراعي من خلال تحسين مهاراتهن الإنتاجية، وتوفير برامج تدريبية، وفتح فرص جديدة للمرأة الريفية، بما في ذلك دعم عملها في التصنيع الزراعي وتعزيز دورها في مختلف مراحل سلاسل القيمة للإنتاج الزراعي.
ومن خلال توفير مصادر تمويل مناسبة، تسعى الاستراتيجية إلى تعزيز قدرة المرأة الريفية على اتخاذ القرارات الاقتصادية والمشاركة في صنع السياسات، وذلك لضمان إدماج المرأة الريفية في عملية التنمية الاقتصادية والحكم.
تفاقم هذا الوضع مع الحرب الروسية الأوكرانية في 2022 التي أدت إلى نقص عالمي في الأسمدة، مما أثر على إنتاج المحاصيل، وزاد من التحديات التي تواجه المرأة الريفية في الزراعة.
التغيرات المناخية تهدد الأمن الاقتصادي والصحي للريفيات

تُشكل أزمة التغيرات المناخية الحالية تهديدًا كبيرًا لملاك الأراضي الزراعية في العالم، خاصة للنساء الريفيات اللاتي يُعانين من محدودية التعليم وقلة الموارد، وضعف الحصول على الرعاية الصحية.
تتزايد المخاوف في دلتا مصر من تأثير ارتفاع منسوب البحر الأبيض المتوسط، ما يؤدي إلى زيادة ملوحة الأراضي الزراعية وخلل في درجات حرارة التربة، وهو ما يتسبب في تدهور جودة المحاصيل مثل بنجر السكر، وظهور مشكلات صحية وبيئية مثل تعفن التربة وتكون البرك والمستنقعات التي تجذب البعوض والحشرات الضارة.
وفي تقرير عن الجمعية الجيولوجية الأمريكية لعام 2017، كشف عن مخاوف حقيقية من أن مصر قد تواجه نقصًا حادًا في المياه الصالحة للشرب بحلول عام 2025، وأن البلاد قد تصبح غير صالحة للعيش بحلول عام 2100.
ووفقًا للتقرير، فإنه من المتوقع أن يرتفع منسوب البحر بمقدار 100 سم بحلول نهاية القرن الحالي، وهو ما سيؤدي إلى غمر أجزاء كبيرة من دلتا النيل وتراجع الأراضي الصالحة للزراعة. هذا التدهور سيؤثر بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي في مصر، كما أشار تقرير صادر عن وزارة الري المصرية إلى أن القطاع الزراعي يستهلك نحو 85% من إجمالي المياه المستخدمة في البلاد.
هذه التحديات البيئية والزراعية تُشكل تهديدًا مباشرًا للنساء الريفيات اللواتي يُشرفن بشكل كبير على القطاع الزراعي وإنتاج الغذاء في المجتمعات الريفية.
وعلى الرغم من الدور الحيوي الذي تلعبه النساء في الزراعة، إلا أنهن الأكثر تأثرًا بالأزمات المناخية والاقتصادية بسبب عدم حصولهن على الفرص المتكافئة في التعليم أو الموارد المالية، وهو ما يزيد من هشاشة أوضاعهن الاقتصادية والصحية.
وفي تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة -الفاو- يُشير إلى أن الأسر التي تعيلها النساء تواجه نقصًا في الدخل السنوي بنسبة 8% بسبب تأثير الإجهاد الحراري، وبنسبة 3% بسبب الفيضانات، مقارنة بالأسر التي يعيلها الرجال. الفجوة في الدخل بين الأسر التي تعيلها النساء والأسر التي يعيلها الرجال تتسع بنحو 37 مليار دولار سنويًا بسبب الإجهاد الحراري، و16 مليار دولار بسبب الفيضانات. هذه الفوارق تزيد من الضغط على النساء وتعمق التحديات التي يواجهنها في المجتمعات الريفية.
وفي صعيد مصر، ترتفع درجات الحرارة بمعدل 1.5 درجة مئوية عن المتوسط العالمي، وتعاني النساء بشكل خاص من ظروف مناخية قاسية تترافق مع تهميش اجتماعي ونقص في الخدمات الصحية. ترتبط العادات والموروثات الشعبية في هذه المناطق بتحديد أدوار النساء ضمن الإطار المنزلي، ما يزيد من الأعباء الاقتصادية عليهن ويعوق مشاركتهن الفعالة في التنمية الزراعية.
الأزمات المناخية مثل الإجهاد الحراري ونقص المياه تؤثر بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي، الذي يمثل مصدر الدخل الأساسي للعديد من الأسر الريفية، فالزراعة التقليدية تواجه تحديات جديدة بسبب تغير المناخ، والنساء الريفيات يجدن أنفسهن في مواجهة هذه التحديات دون الأدوات أو المعرفة اللازمة للتكيف معها.
ارتفاع متوسط درجات الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة يؤدي إلى زيادة بنسبة 53% في دخل الأسر الفقيرة الوارد من الزراعة، ولكن في المقابل، ينخفض دخل هذه الأسر من الأنشطة غير الزراعية بنسبة 33%، ما يزيد من الفجوة بين النساء والرجال في هذه المجتمعات.
وللتغلب على هذه التحديات، من الضروري أن يتم تضمين النساء في استراتيجيات التكيف مع التغيرات المناخية، وتوفير فرص التعليم والتدريب لهن على الزراعة المستدامة والممارسات الزراعية الملائمة للمناخ. فكل يوم يمر دون أن تتكيف النساء مع هذه التغيرات يزيد من الفجوة الاقتصادية بينهن وبين نظرائهن من الرجال.
ويكمن الحل في توجيه الاهتمام والموارد للنساء الريفيات وتمكينهن من مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية التي تهدد حياتهن ومستقبل مجتمعاتهن، وعلى الدول والحكومات والمجتمع الدولي أن يتخذ خطوات جادة لتشمل النساء في خطط التكيف المناخي وتوفير الآليات التي تتيح لهن التكيف مع الظروف المناخية المتغيرة.
سيول الصعيد تكشف أثر التغيرات المناخية على حياة النساء
في صيف 2024، تعرضت مناطق في صعيد مصر إلى سيول قوية استمرت لأسابيع، وهو ما أشار إلى تغير حاد في المناخ، لم تكن الأمطار الصيفية نادرة على شواطئ البحر الأحمر، لكن هذه السيول المتكررة قد تكون مؤشرًا على تزايد الكوارث الطبيعية التي قد تغير الخريطة السكانية، إذ تضطر الأسر للنزوح إلى مناطق أكثر أمانًا.

حتى الآن، لا توجد إحصاءات دقيقة في مصر حول المتضررين من التغيرات المناخية، ولكن يمكن الاستفادة من تجارب الدول الأخرى، مثل ما حدث في آسيا خلال تسونامي 2004، الذي أدى إلى تهجير العديد من النساء وتسبب في تسربهن من التعليم وتشريد أخريات.
كما زادت المخاطر الاجتماعية مثل الوقوع في شبكات الاتجار بالبشر والدعارة، وتشير التقديرات إلى أن 4 من كل 5 أشخاص نزحوا بسبب تأثيرات تغير المناخ هم من النساء والفتيات.
في المناطق الريفية مثل صعيد مصر، غالبًا ما تكون ملكية المنازل للذكور، أو قد تكون المنازل غير موثقة بأوراق رسمية، مما يزيد من خطورة تشريد النساء والأطفال عند حدوث كوارث طبيعية. العوامل المختلفة مثل العمر، التوزيع الجغرافي، ومستوى التعليم، تساهم في تشكيل التجارب الإنسانية عند وقوع كوارث مناخية.
وفي حين أن امرأة تعيش في مدينة تمتلك هي أو أحد أفراد أسرتها مسكنًا موثقًا، قد تكون تجربتها مختلفة، إذ يمكن للدولة تعويض هذا المسكن بسهولة، وتكون الفرص متاحة للحصول على الرعاية الصحية المناسبة، كما أن النساء في المناطق الحضرية يشاركن بنسبة تتراوح بين 70-80% في اتخاذ القرارات الاقتصادية، بينما قد تواجه النساء الريفيات تحديات في تأمين وجبة واحدة لها ولأطفالها.
وفي الوقت ذاته، تشير إحصائيات اليونسكو إلى أن 28% من النساء في أوروبا وبعض مناطق آسيا على دراية بالتغيرات المناخية، مقابل 19% فقط في مناطق أخرى حول العالم. أما في إفريقيا والشرق الأوسط، فهن 17% ممن لا يعرفن عن التغيرات المناخية. كما أن الكوارث الطبيعية تؤدي إلى تهديد حياة النساء والأطفال بنسبة تصل إلى 14%.
عند اندلاع الكوارث، يكون التركيز الأكبر على إنقاذ كبار السن وذوي الإعاقة والأطفال، في حين تتحمل النساء مسؤولية رعاية هؤلاء الأفراد ضمن الأدوار الاجتماعية الموكلة إليهن. حتى مع تكرار الكوارث المناخية، تظل النساء مسؤولات عن تأمين الغذاء والماء للأسرة، وجمع الحطب، وهو ما يزيد من تعرضهن للعنف القائم على النوع.
ووفقًا لتقرير اليونسكو، تُعتبر الفتيات أول من يترك المدرسة عند وقوع الأزمات البيئية لدعم الأسرة والقيام بالأعمال المنزلية الإضافية. كما أن فرص عودتهن إلى المدارس أقل من فرص عودة الأولاد بعد انتهاء الأزمة.
وعندما تتدهور الظروف المناخية وتصبح المياه نادرة، تُضطر النساء والفتيات إلى السفر لمسافات طويلة للحصول على الماء، مما يعرضهن لمخاطر متزايدة من العنف على أساس النوع. وتشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2025، قد يؤدي تغير المناخ إلى إبعاد أكثر من 12 مليون فتاة عن إكمال تعليمهن سنويًا.
بما أن النساء في الخطوط الأمامية لتأمين إنتاج الغذاء العالمي، فإن ذلك يضعهن في مواجهة مباشرة مع مخاطر التغيرات المناخية.
لكن من أجل تمكين النساء من التصدي لهذه التحديات، ينبغي على المنظمات المعنية التعامل مع المشاكل القديمة أولًا. فإهمال هذه القضايا يعني تحميل النساء عبئًا إضافيًا في مواجهة تغير المناخ، وهو دور اجتماعي جديد يُضاف إلى مسؤولياتهن. ورغم أن هناك عوامل عديدة تهدد المرأة الريفية، يبقى التمييز القائم على الجنس من أخطر التحديات التي تواجه جميع النساء في مختلف المجتمعات.
ومن هنا، يجب على المؤسسات الحكومية وغير الحكومية المعنية بالمجالين الزراعي والمناخي العمل على دراسة أوضاع النساء الريفيات والعمل على تمكينهن من خلال التعليم ومنحهن المزيد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.