بالكاد أشرقت الشمس، لم تبدد بعد برودة أجواء الصباح الباكر. حركة الشوارع لا تزال هادئة، فالساعة لم تتجاوز السادسة بعد. تغادر "شهد" البيت، رفقة أمها الخمسينية، مرتدية جلبابًا فضفاضًا و"طرحة" ونقابًا أسودًا، ستقتضيان يومهما بحثًا عن قوت يوم الأسرة، حاملتين "شوالين" كبيرين معهما.
"شهد" تبلغ من العمر 18 ربيعًا، كان يفترض لها أن تكون الآن رفقة زميلاتها بمدرستها الثانوية التجارية الواقعة في حي العمرانية بالجيزة، لكنها تجد نفسها مضطرة منذ سنوات لمساعدة أمها الخمسينية في العمل على نبش القمامة وفرزها لجمع المخلفات الصلبة القابلة لإعادة التدوير.
"أنا وأمي بقالنا في الشغلانة دي أكتر من 5 سنين، أبويا كان شغال فرّان وبقى بيشرب مخدرات لحد ما صحته تعبت وأمي كانت عايزة تطلق وتسيبنا ليه، بس إحنا خوفنا منه وفضلنا نعيط لها.. ولما لاقينا الدنيا ملغبطة بدأنا أنا وأمي نسرح على رجلينا نلم الأزايز ونبيعها، وبعدين لاقينا كومة زبالة تحت الكوبري، واستأذنا من الجراج يسيبونا نشتغل هنا"؛ تتذكر "شهد" كيف بدأت معاناتها.
"بخلي الأزايز لوحدها والبلاستيكات لوحدها، والكرتون لوحده، ونلمهم في شوال كبير نشيله على دماغنا، ونروح نبيعهم لمخزن في شارع عز الدين عمر، عشان ندفع الإيجار والمياه والنور، وأجيب قوطة وبطاطس أخليها في البيت.. الأزايز البلاستيك بنبيعها بـ11 جنيه، والبلاستيكات التانية بـ 12 جنيه ونص، والكانز بـ35، والكرتون أمي بتجمعه وتروح تبيعه".
أن تُنسى بين أكوام القمامة
قبل عام، كانت "شهد"، التي نزحت قبل سنوات مع أسرتها من الفيوم إلى العاصمة، مخطوبة لأحد الشباب، لم يرد لها أن تستكمل تعليمها، وظنت هي وأسرتها أن الزواج المبكر سيخلصها من بؤسها فوافقت أن تترك مدرستها، وعندما حان موعد عقد القران لم تستطع الأم شراء جهاز ابنتها ففسخ العريس الخطبة. اليوم، تقضي تلك الفتاة يومها بين أكوام القمامة، حالمة باستكمال دراستها التي عادت إليها بنظام المنازل، بعدما ساعدها متبرع على سدد مصروفاتها الدراسية.

تربط استشارية حقوق المرأة وقضايا النوع الاجتماعي، لمياء لطفي، بين الأزمة الاقتصادية وهشاشة أوضاع النساء في مصر، لاسيما من يقعن في الطبقات الأكثر فقرًا، كونهن يحملن العبء الأكبر بسبب وضعهن في المكانة الاقتصادية وسوق العمل وتوزيع الثروة والوصول إلى الموارد في مرتبة أدنى من الرجال، مما يضطر بعضهن للعمل في أعمال غير رسمية تخلو من الحماية الاجتماعية وحقوق العمال والتأمين الصحي، ويتعرضن للتمييز ويواجهن صعوبات اقتصادية أكبر، ويصبحن معرضات لفقدان عملهن ومصدر رزقهن، مؤكدة ضرورة تنظيم المهن غير الرسمية كنبش وفرز القمامة، لتوفير الحماية الاجتماعية للعاملين بها وتحسين وضعهن الاجتماعي.
اقرأ أيضًا: لماذا نحتاج لدعم الفقراء؟
وتُقدر هيئة الأمم المتحدة للمرأة أعداد النساء تحت خط الفقر المدقع بأكثر من 100 مليون امرأة وفتاة، وتشير إلى الحاجة لـ 360 مليار دولار أمريكي إضافية في البلدان النامية سنويًا لتحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة. وهذا يمثل أقل من خُمس مبلغ الـ 2.2 تريليون دولار أمريكي الذي تم إنفاقه عالميًا على الإنفاق العسكري في عام 2022 على سبيل المثال.
"شهد".. لن أترك فرصة
"كان المفروض أكون في تالتة ثانوي تجاري، لكن خطيبي ما رضيش يخليني أدخل الامتحانات السنة اللي فاتت، رجعت المدرسة منازل، وشغالة بساعد أمي عشان الحِمل كله عليها، وأبويا تعبان، وعندي أختين أصغر مني.. احنا واخدين شقة صغيرة دور أرضي بندفع إيجارها بالعافية وصاحب البيت مراعي ظروفنا وبيصبر علينا"؛ تقول "شهد"، التي تعمل أحيانًا في "مسح السلالم" إضافة لفرز المخلفات، وتتركها أمها عند مكب النفايات لبعض الوقت بينما تبيع البخور.
بعد مغيب الشمس ينتهي يوم "شهد" المرهق، والذي لا يخلو من مضايقات المارة وإهانات بعضهم، وتحرشاتهم اللفظية، إضافة لمحاولات إجبارها وأمها على دفع إتاوة يومية.

"في ناس بتقول لي يا زبالة.. وسواقين التكاتك بيعاكسوني، واشتكيت للي ماسكين الجراج اللي جنبي فجابوا لي كرسي أقعد عليه ولما حد يرمي شنطة زبالة أقوم أفرزها.. وعربية الزبالة هددونا يسلمونا للحكومة تحبسنا لو ما دفعناش الإتاوة، أمي قالت لهم أجيب لكم منين 100 ولا 150 جنيه؟ أنا ما بكسبش في اليوم المبلغ ده"؛ تحكي شهد.
يقول الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي والقانوني رئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والاجتماعية، إنه كلما ازدادت الأزمة الاقتصادية تفاقمًا كلما زادت نسب التسرب من التعليم وعمالة الأطفال والنساء المعيلات؛ إذ تنعكس بالسلب على أفراد المجتمع ومعدلات التنمية، موضحًا أن الظروف الاقتصادية وارتفاع معدل الفقر وزيادة معدل الإنجاب لدى بعض الأسر، يدفعها لتشغيل أطفالها في مهن غير آدمية لا تتناسب مع عمرهم وقد تكون مضرة بالصحة أو البيئة، وهو ما لا يتناسب مع الدور المنوط بالدولة لحماية الأمومة والطفولة ومواجهة الفقر لدى الأطفال ومتسربي التعليم وصرف معاش الضمان الاجتماعي لهم، أو تأسيس مشروعات صغيرة مناسبة لهم.
ويوضح أحمد حنفي، مدير برنامج حماية الطفولة بالإدارة المركزية للرعاية بوزارة التضامن الاجتماعي، أن تسرب الأطفال من التعليم سببه ضعف المنظومة التعليمية وارتفاع تكلفة التعليم مع أسرة غير قادرة أو أم معيلة ليست لديها موارد دخل، فتقوم بسحب أبناءها من المدارس للعمل أو أكبرهم سنًا أو أضعفهم في التعليم، وقد تدفع بناتها إلى الزواج المبكر، مبينًا أنه في ظل ارتفاع التكلفة الاقتصادية للمعيشة أصبحت المساعدات المقدمة من التضامن غير قادرة على سد الاحتياجات.
"يوسف".. ثوب بال في حضرة التلاميذ
منحنية -بفعل شيخوختها وحاجتها- تقف "أم محمد" وسط أكوام من القمامة، تنقب عن أي شيء وكل شيء يمكن الاستفادة منه وبيعه. إلى جوارها، يشرد "يوسف" -ابنها الأصغر- تأملًا في ملامح التلاميذ المارين به، ينظر بحسرة إلى ثوبه البالي ويديه المتسختين، يفكر في وفاة والده، ذلك الحادث الذي غير حياته قبل تسعة أشهر، فألقى به إلى الشارع نباش قمامة.

"من ساعة ما اتيتم الولد من 9 شهور، وأخواته الرجالة الكبار ما رضيوش يصرفوا عليه عشان يكمل تعليمه وقالوا له شيل شيلتك أنت وأمك، فاضطرينا نيجي من المنيا هنا عند بنتي شغالة على بوابة عمارة هي اللي قالت لنا على الشغلانة دي، وأجرنا شقة قاعدين فيها هنا"؛ تتذكر "أم محمد" الأرملة العجوز ذات الأعوام الـ57، بينما تغالب دموعها تحسرًا على حال ابنها.
هذا الوضع خاصة بالنسبة للأطفال قاسٍ لأبعد حد، حسب وصف مدير برنامج حماية الطفولة، والذي يقول إن عمالة الأطفال في فرز القمامة أحد أسوأ أشكال العمالة غير الرسمية للأطفال، لكونها تشكل خطرًا على صحتهم وسلامتهم البدنية، وتمثل استغلالًا عنيفًا لهم.
يعتبر فصل الشتاء هو الموسم الأفضل للعمل في نبش القمامة، إذ ترتفع أسعار المخلفات الصلبة بينما تنخفض في فصل الصيف، ولكل نباش قمامة أو مجموعة نباشين أو نباشات مكب قمامة خاص بهم، بحسب ما توضح الأرملة الخمسينية، مضيفةً: "ممكن نلم لنا 2 أو 3 كيلو "طج" اللي هو الأزايز البلاستيك، في اليوم بـ10 جنيه الكيلو، والكرتون بـ5 جنيه الكيلو، والكانز بـ40 جنيه، وبنبيعهم لمخازن".

بحلول الحادية عشر مساءً تحمل الأم وابنها ما جمعاه، ويقصدان ساحة جمع الخردة الواقعة داخل أرض فضاء محاطة بسور من الطوب الأبيض؛ حيث يتم وزن النفايات الصلبة، وفرزها ووضعها في المخزن.. تتلقى "أم محمد" حصيلة البيع، تشتري طعامًا بسيطًا، وتعود أدراجها إلى البيت برفقة ابنها، وهي خائرة القوى.
"بجمع الشوية وأبيعها في اليوم بـ200 أو 300 جنيه بتاخد منهم عربية الزبالة اللي موقفها لي الحي 150 جنيه كل يوم، هي بتيجي تقف على الساعة 2 بتاخد الزبالة، ولما نخلص شغل على الساعة 11 بالليل بديهم الفلوس بعد ما أبيع الحاجات، واللي بيتبقى لي في الآخر بنصرف منه، ناكل ونشرب وندفع الإيجار"؛ تقول "أم محمد".
وتشير لمياء لطفي استشارية حقوق المرأة وقضايا النوع الاجتماعي إلى ارتفاع نسب النساء المعيلات في مصر خلال السنوات الأخيرة مسجلة نسب تتراوح بين 18% و33% وفقًا لإحصائيات صادرة عن هيئة الاستعلامات والمركز القومي للبحوث، مبينة أن تراجع الأعمال الرسمية في ظل الأزمة الاقتصادية وغلق بعض المصانع وعدم قيام الدولة بدورها في التوظيف أدى لزيادة عدد العاملين في المهن غير الرسمية كالخدمة بالبيوت والعمل بالأراضي الزراعية وفرز القمامة، وتكون أغلب هذه العمالة من النساء، مشددة على ضرورة التمكين الاقتصادي للمرأة وتوفير صندوق للمخاطر، وعدم تحميلهن أعباء اقتصادية إضافية بإخراجهن من العوز الاقتصادي إلى دائرة الديون.
أن تكون نباشًا
في كل صباح يبدأ "حسن" عمله في ساحة الخردة، يفكك مع زملائه الأشياء القديمة التي يبيعها لهم جامعو "الروبابيكيا"، ويفرزون النفايات الصلبة القابلة لإعادة التدوير التي أحضرها نباشو القمامة في مساء اليوم الماضي، من بلاستيك ومعادن وورق مقوى، ويزنوها ويجهزونها، لتأتي في الظهيرة سيارات نقل تابعة لتجار تجزئة الخردة تنقل كلًا منها نوعًا واحدًا من تلك المخلفات إلى تجار الجملة، والذين يبيعونها بدورهم إلى المصنع الذي سيعيد تدويرها.

تأتي سيارات نقل لشراء الحديد والكانز لصالح تجار يبيعونه لمصنع "حديد عز"، وأخرى تحمل الورق المقوى لمصانع الكرتون في مدينة 6 أكتوبر، بينما تتجه السيارات التي تحمل زجاجات المياه إلى منشية ناصر ليتم تكسيرها لقطع صغيرة ثم بيعها لمصانع البلاستيك، أما النفايات المصنوعة من البلاستيك الأبيض فيتم نقلها لقرية باسوس في محافظة القليوبية لتكسيرها قبل بيعها لمصانع الأدوات المنزلية والكراسي والمناضد البلاستيكية، كما يشرح "حسن"، موضحًا أن المخزن لا يشتري المخلفات الزجاجية، لكن هناك من يشترون كسر الزجاج ويتم جمعه ونقله إلى منطقة طرح البحر في الكونيسة ليعاد تدويره.
"في الصيف الشغل بيبقى كتير فالسعر بينزل وفي الشتا الشغل بيقل فالسعر بيزيد، السوق ماشي كدة، النحاس أغلى حاجة في الزبالة بـ300 جنيه الكيلو النهارده، يليه الكانز بياخده المصنع بـ60 الكيلو واحنا بناخده بـ40 جنيه لأنه بيعدي على 3 أو 4 تجار قبل ما يوصل للمصنع، والبلاستيك سعره 15 جنيه في المصنع وهنا بيلموه بـ10 جنيه الكيلو"؛ يقول "حسن" بينما يقوم بتفكيك ميزان يدوي حديدي صديء.