ثورة في عالم الحروب

"للمرة الأولى في التاريخ يصبح في إمكان جندي المشاة إطلاق قنبلة يدوية لتصيب جندي أو أكثر من جنود العدو على بعد عدة كيلومترات من العوائق والأراضي مختلفة التضاريس ويصيب هدفه بدقة، هذا التطور لا يقل أهمية عن استخدام البارود في القتال لأول مرة"؛ هكذا علق أحد المحللين العسكريين على تطورات القتال في الساحة الأوكرانية.

والحقيقة، أن ارتباط تطور التقنيات والعلوم البشرية - على مر التاريخ - بتطور الأسلحة ووسائل القتال يعني أننا أمام طفرة تكنولوجية غير مسبوقة ستظهر آثارها خلال الأيام القادمة. فمع تأخر حزمة المساعدات العسكرية الغربية لأوكرانيا ونقص الذخائر المتاحة لوقف الزحف الروسي، لجأت القوات الأوكرانية لحيلة جديدة للمقاومة باستخدام المسيرات صغيرة الحجم مدنية الصنع لاستهداف الجنود الروس بشكل مباشر، مما أعطى لجندي المشاة الأوكراني العادي قدرات للاستهداف كانت مقتصرة حتى منذ شهور قليلة على مستوى قيادات أكثر مركزية من مستوى الجندي العادي.

لقد كانت قيادة المسيرات العسكرية حتى وقت قريب أمر يبلغ من التعقيد والتكلفة درجة أنه يحتاج لقرار من مركز القيادة وتدريب وتجهيز خاص للقائمين عليها. كما أنه كان عادة ما يستخدم ضد الأهداف عالية القيمة، لكن ولأن الحاجة أم الاختراع، أدت ضرورة مواجهة الموجات تلو الموجات من الجنود الروس إلى نقل تلك القدرة على الاستهداف للجنود العاديين في أرض المعركة، بل وإلى إعلان الرئيس الأوكراني عن أن جيش بلاده سوف يمتلك مليون مسيرة عسكرية على الأقل (وهو ما يتجاوز عدد الجنود الأوكرانيين أصلًا). بل وتطور الأمر ليصبح من السهولة إرسال أعداد محدودة من الجنود لاختراق الحدود من أماكن تبعد عن خط المواجهة ثم يقومون بإرسال الطائرات المسيرة الصغيرة إلى أهداف غير محمية بشكل كاف – مثل مصافي النفط – واستهداف نقط محددة فيها لتدميرها أو تعطيلها عن العمل. وهو ما حدث بالفعل أكثر من مرة خلال الأسابيع الماضية، ما يفتح باب التساؤل عما يمكن للجماعات الإرهابية أن تفعله في حالة امتلكت تلك القدرات.

وربما لهذا السبب - من ضمن أسباب أخرى - أعلن إيمانويل ماكرون الرئيس الفرنسي عن استعداد بلاده لإرسال قوات عسكرية إلى أوكرانيا، ليس بالضرورة للمشاركة في قتال القوات الروسية الغازية، ولكن للتعلم من التجربة الأوكرانية الجديدة في استخدام المسيرات بهذا الشكل المكثف، الذي وإن لم يضمن حتى الآن هزيمة القوات الروسية إلا أنه يرفع التكلفة البشرية أمامها بشكل مؤلم للغاية، يسعى الأوكرانيون، والغرب من ورائهم، لأن يكون كافيًا لاستنزاف الروس وإيقاف تقدمهم.

لم يكتف الأوكرانيون باستخدام المسيرات في الهجوم والدفاع على الأرض ولكن أيضًا جاء الاستهداف المستمر للقطع البحرية الروسية في البحر الأسود ليشكل تطورًا هامًا في أسلوب شن الحروب المستقبلية، حيث أعلنت وكالة الاستخبارات الأوكرانية إغراق سفينتين حربيتين روسيتين خلال شهر فبراير وحده باستخدام زوارق مسيرة مصممة في أوكرانيا، وعلى مسافات بعيدة من خط القتال.

ويعد هذا الاستخدام للمسيرات البحرية كابوسًا جديدًا لأي قوات بحرية غير مجهزة لمواجهته، ويؤدي لتحول القطع البحرية الضخمة إلى عبء تصعب حمايته أكثر مما يمكن الاستفادة من وجوده.

هذا التطور لا يختلف كثيرًا عن التطور الذي صاحب اشتعال الحرب العالمية الثانية، حيث تحولت السفن الحربية الكبيرة ذات المدافع الضخمة من مراكز قوة للأساطيل القوية إلى أهداف سهلة أمام الطائرات التي تنطلق من حاملات الطائرات لتقصفها من الجو أو الغواصات التي تغرقها من الأعماق.

ويؤكد العديد من الخبراء العسكريين أننا نشهد لحظة مشابهة تتحول فيها حاملات الطائرات الضخمة لأهداف يمكن استهدافها بأعداد كبيرة من الصواريخ والمسيرات التي لا تكلف صناعتها الكثير بالمقارنة مع تكلفة إنشاء حاملات الطائرات، ولا بالنتيجة الكارثية التي يمكن أن تنتج عن إصابتها بالفعل، وهو ما يستثمر فيه الصينيون بشدة استعدادًا لمواجهة مرتقبة مع الولايات المتحدة حول جزيرة تايوان.

على كل، لم يكن الروس خصم ساذج أو ضعيف في هذه المواجهة الملحمية بين الشرق والغرب، حتى في الابتكار التقني، فالابتكارات الروسية في مواجهة المسيرات لم تتوقف وإن لم تحسم المعركة بعد. ولكن في مواجهة الدفاعات الجوية المتقدمة التي حصلت عليها أوكرانيا من الولايات المتحدة، والتي أدت لإسقاط العديد من الطائرات المقاتلة الروسية وعدم تمكن الروس من السيطرة على الجو فوق أرض المعركة، ظهر ابتكار روسي جديد سبب تغيرًا حقيقيًا في موازين القوى لصالحهم، حيث استطاعوا تحويل القنابل FAB-1500 السوفيتية القديمة التي تزن طن ونصف إلى قنابل موجهة - أقل تكلفة بكثير من تكلفة الصواريخ الحديثة - مما يعني أنه يمكن إطلاقها من الطائرات على بعد يصل إلى 70 كيلومترًا (أبعد من قدرات أغلب الدفاعات الجوية على الوصول) وتؤدي تلك القنابل لتدمير الدفاعات والتحصينات والروح المعنوية الأوكرانية بشكل أدى بالفعل لتراجع قدرة الدفاعات الأوكرانية على الصمود.

وهذه مجرد أمثلة على الابتكارات والاختراعات الجديدة التي تغير بالفعل شكل الصراعات العسكرية وتفتح الأبواب أمام مراجعة المخاطر الاستراتيجية على مستوى العالم. وسرعان ما ستؤدي هذه الابتكارات لتغييرات كبيرة في كلا من موازين القوى والطرق التي تخاض بها الحروب الحديثة ولا تقل في تأثيراتها عن تأثير اختراع الطائرة والمدفع الرشاش قبل الحرب العالمية الأولى والدبابة في آخرها. فهل نحن مستعدون لمواجهة العالم الذي يتشكل الآن بكل تعقيداته وتطوراته؟ أتمنى.. لا أعتقد.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة