الأحد, يناير 18, 2026
spot_img

في ذكرى حليم.. “يا قلبي دايمًا خبي”

سيغمض عينيه بعد يومٍ طويلٍ شاق، مسترخيًا مستلِّذًا الدقائق القليلة الهادئة، ما بين النوم واليقظة.

حينئذٍ يسري خدر شهيٌّ في جهازه العصبي، شيئًا فشيئا كدخان القنَّب الهندي، فيتوارى العقل الواعي، بضجيجه وتفاهاته وسفاسف أموره، ليتولى العقل الباطن دفة قيادة الروح، على متن سحائب بيضاء، تحوم فوق أمواج بحرية فيروزية، من أحلام اليقظة.

سيرى فيما يرى، وجوهًا سمراء وبيضاء وخمرية، وأجسادًا ممشوقة كالخيزران وأخرى ممتلئة كأشجار الخوخ؛ طويلاتٍ وقصيرات وبين بين، وسيسمع أصواتًا ذهبيةً مفعمةً دلالًا وغواية، ونبراتٍ تفيض حنانًا أموميًا، وسترمقه عيونٌ “سبحان المعبود”، شوقًا وصدًّا، وصدقًا وكذبًا، ووصلًا وهجرًا، وعتابًا له على خذلاهن، وغدرًا ناقعًا كشراب مسمم.

أسماء اللواتي مررنَّ في تاريخه، تتناثر في ذاكرته، بدءًا بفلسطينية ذات وجه كامل الاستدارة، وشعرٍ فاحم “يغني: يا ليل يا عين”، وصولًا إلى مصرية كانت إذا انسابت موسيقى ضحكاتها، تحطُّ الفراشات على أحراش صدره.

يبتسم شجنه غائرًا، كأنه ينبع من شرايينه الذبيحة، تتنهَّد سيجارته بين أصابعه المعروقة، إذ يأوي فارًّا كالنازحين إلى سرير الوحدة، وقد تغلبه غفوةٌ، فتسقط سهوًا من فمِّ سيجارته جمرةٌ مشتعلة، فيحرق رمادُها غطاءَه، فإذا به يقفز من نومه ملتاثًا على لسعات النيران، فيهرع ليطفئ الجذوة المبكرة، قبل أن تفتح أشداقها فتأكل المزيد من إسفنج الفِراش، ولمَّا تخبو الألسنة اللاهبة، يغرق في ضحكٍ على فوضوية أطواره، ويستذكر عبارة أمه: “الله يكون في عون اللي تعاشرك”، وقد تفتر من عينيه دمعة، فيكبحها بإصرار الخائف من الاستسلام لها.

ها هو يضع سماعة الرأس في أذنيه، لتترقرق الألحانُ شجيةً في حنايا روحه، ويغمض عينيه إذ يسري الصوت الناعم كحد خنجر، في جدران القلب، من الأذين الأيمن فالأيسر، والبطين الأيمن فالأيسر، وتملكه الكلماتٌ المعبَّرة عن أرقى معاني السمو الإنساني، وأكثرها شفافيةً؛ الحب بدون أمل، ليس هذا فحسب، بل الحب الذي يحدو بصاحبه إلى تمني الخير صادقًا، حتى لمن ذبحنَّ قلبه بسكاكينهن المُشرشرة.

“يا قلبي خبي ليبان عليا ويشوف حبيبي دموع عينيا”.

تبدأ موسيقى العبقري محمد الموجي، بالعود متثاقلًا مُكسرَّةً نغماته، كجفون شيخ حزين، ثم تلحق به الكمنجة بتأوهات واهنة، تعلو رويدًا رويدا، فتغدو كصرخات الثكالى، ويتعمَّق الأثر الوجداني، حين يسيل صوت حليم في أوج عذوبته، بكلمات مرسي جميل عزيز.

تحمله أحلام اليقظة بين ذراعيها إلى “غرفة تيتا”، في البيت العتيق، ذي الأسقف العالية، والحديقة الخلفية الواسعة -على الأقل قياسًا بخطوات الطفولة- إذ هو يجلس منزويًا على سريرها الدافئ دائمًا، ظهره الصغير إلى الجدار، في ركنٍ ركين، وبين يديه ثمرةُ فاكهةٍ ما، يقضمها بنهمٍ كان جارفًا، وشهيةٍ كانت “على البحري” في تلك المرحلة العمرية، وهو الأمر الذي استحال الآن “سدة نفس مزمنة”، إلى درجة أنه يسخر من شأنه قائلًا: “إنني أحيا بالتمثيل الضوئي”.

على ذاك السرير الموغل في الذاكرة، اندفق الدمع من عينيه، حارًا كالفلفل الهندي، إذ شاهد للمرة الأولى فيلم “أيامنا الحلوة”، طفلًا غريرًا لم يذق ظهره المكشوف بعدُ، مذاق الخناجر التي اخترقته مرةً تلو مرة.

إنه يبكي حتى تهرع إليه الجدة، طيَّب الله ثراها، فتضمُّه إلى صدرها في لهف: “مالك يا حبيبي يا ابني.. بسم الله الرحمن الرحيم”.

التفاصيل تتكدَّسُ في مخيلته؛ يذكر أن الوقت كان عصرًا، والسماء كانت رمادية، والطقس لا يخلو من برودة منعشة، وثمة عصافير تحط على سور الحديقة في منزل الطفولة، بمسقط الرأس ومستقر القلب؛ الإسكندرية، ويذكر أن أخاه وأخته كانا منصرفيَّنِ كشأنهما إلى لهوهما معًا، بعيدًا عنه، إذ هو هادئٌ على الأرجح، وأمه كدأبها في المطبخ تعدُّ شيئًا من حلوى، تُعطِّرُ روائحها الأروقة بعبق “الفانيلا”، احتفاءً بزيارة مرتقبة لأخيها الثري، الذي سيحمل الهدايا من مهجره، وهي من جانبها ستُغرقُ بيته، في إجازته السنوية، حمامًا وبطًّا وأسماكًا وفاكهةً ردًا للجميل، رغم ضيق ذات اليدين آنذاك، ويذكر أيضًا أن أباه لم يكن في الدار، لعله كان يستسقي الرزق الحلال في عمل ما.

كان الفتى الذي أتقن القراءة والكتابة، وأظهر في التعلم استجابةً مُبَّكرةً، قد ورث الشغف بحليم لنشأته في بيت يجوز وصفه ببيتٍ “حليمي المزاج”، فالصباح يبدأ بأدعيته الصافية: “اجعلني صادق أقول الحق لو كان مر”، ذات المسحة الموسيقية الصوفية، التي تغلب عليها الدفوف والنايات، وبعد الظهيرة، ينبثق الصوت ذاته من المُسجّل “الهيتاشي” ذي زر التسجيل البرتقالي: “صافيني مرة وجافيني مرة”، فإذا الكمنجة تُعاتب برقةٍ، تلك الحبيبة التي صدت عن سبيله وغلَّقت دونه الأبواب، وفي أمسيات الشتاء، فإنما هي قارئة الفنجان، بما ترسله كلماتها من إشارات أسطورية وإيحاءات ملحمية.

إقرأ أيضاً: أمريكا والإرهاب الارتدادي.. بن لادن نموذجًا

هنالك شبَّ الفتى.. وعلى ضفاف ذاك الصوت، ارتوى روحانيًا وعاطفيًا، لكن ليس هذا سبب حبه لحليم، أو قل ليس وحده السبب، فالسرُّ في أن حليم “صَعُب عليه” إنسانيًا.

تراجيديا المرض، ورحلة عذاباته طفلًا يتيمًا في الملاجئ، حتى يغدو فنانًا كبيرًا ناجحًا، لكنه رغم ذلك لا يجد السعادة، إذ هو في وهنهِ مريضٌ ووحيد، والقصص الصحفية التي كان يقرؤها عن نزيفه، والجراحات التي خضع لها، وحرمانه من أبسط الطعام، فضلًا عن ملامحه الموحية بأوجاعه دائمًا، والتي لم تخلُ منها حتى ابتسامته التي تفيض بالدهشة، كأنها تواري خلف ارتسامها حزنًا مُرًّا مريرًا.

كل هذه الأسباب متفرقةً ومجتمعة، حدت بالفتى إلى أن يحب حليم، متعلقًا به كإنسان أكثر من كونه فنانًا، من باب التعاطف.

ذات مرة حكى له ابن عمته الأكبر سنًا، عن دودة البلهارسيا التي درسها، فسأله أن يسمح له أن يقرأ ما ورد عنها في كتاب “العلوم” خاصته، ولما رأى رسمةَ الطفيلية اللئيمة، بخرطومها المتدلي من مقدمتها، وما يبدو كالحراشف على جلدها، وجسمها الملتف حول نفسه كمؤامرة سرية، أحسَّ هجير الغضب يتمشى في عروقه: “يا لكِ من مقززة وشريرة”.

تمنى لو أن بوسعه أن يخبطها خبطةً بشبشب بلاستيكي، فيجهز عليها عقابًا على من تقترفه من جرائم في أحشاء العندليب الأسمر.

في مشهد “يا قلبي خبي” بالفيلم، إذ دلفت فاتن حمامة البيت الذي يقع على سطح عمارةٍ متواضعة، تتأبَّط ذراع عمر الشريف، بعد أن أخبرت حليم بأنهما متحابان، وطلبت إليه الدعاء لهما بالتوفيق، شرع العاشق الذي أضمر حبه في قلبه يغني، وعلى محياه الشاحب، ارتسمت قسمات الأسى.

لا تزال الدموع تنهمر من مقلتي الفتى، وسرعان ما ارتفع نشيجه، فطفق صدره الصغير يرفرف كحمامة مذعورة، أو كقدر ماء يغلي فوق حطب يتضرم.

ولا تزال الجدة المعطاء تربت على ظهره، في حين ترمقه أمه فتتمتم بشجنٍ أسيف: “قلبه سيتعبه في هذه الدنيا”، تقول ذلك وهي تعلم علم اليقين، أن قلبه مغزولٌ من خيوط قلبها.

شيءٌ من ضميره، أو قل شيءٌ في أعماق وجدانه، ارتأى أن حليم أحق من الشريف بقلب الفاتنة؛ إنه مريض ويتيم، في حاجة ليديها الحانيتين، بدرجة أعمق من الشاب الأكثر وسامة وعنفوانًا.

وشيء منه باغتتهُ وخزاتُ الألم إثر ذلك.

وتمضي الكلمات: “العمر كله أعيش لحبه من غير ما أقول له أنا بأحبه.. منايا كل المنى أشوفه متهني”.

إن الفتى الغرير لا يفقه المعاني حق الفهم، لكنه يعي الحد الأدنى منها، وهو حدٌ كافٍ ليستوعب أن الحب يعني الإيثار، وبغير ذلك لا يكون.

في أحداث الفيلم، رأى العاشقين الثلاثة يصارعون ظرف الزمان، لتوفير المبلغ اللازم لإجراء “حبيبتهم” -رغم اختلاف حظوظهم منها- جراحة عاجلة تنقذ حياتها من داء في الرئة؛ هذا يتزوج ابنة عمه الموسر، طمعًا في أموالها، رغم عدم أخلاقية ذلك على الأقل تجاه الزوجة المسكينة، وذاك يحاول السرقة، والثالث يخوض بطولة ملاكمة، تضعضّعت عظامه في حلباتها.

إنَّ الأجر ليس سؤال المحبين، وليس بغيتهم، إنهم يذوبون في ذات المحبوب، كما يقول المتصوفة، فإذا بالمتعة في العطاء قبل الأخذ، وهذا ما تعلَّمه الفتى من حليم، في تلك “الأيام الحلوة”.

وإن الجائزة في لذة المنح، وليست في النوال، وحتى حين يستعر الحنين، تبقى ثمة قيمة ثرية في احترام المتيم لآلامه الشريفة، إذ يواري أوجاعه، وهو يترنم وحيدًا، ما بين النوم واليقظة: “يا قلبي خبي” مرةً، أو “ما تنسانيش كده بالمرة”، في ثانيةٍ، و”الحب سيبقى يا ولدي أحلى الأقدار” ثالثةً.

رحم الله حليم في ذكراه، ورحمه في كل حين، بقدر ما ساهم في ترقية مشاعرنا، والارتقاء بإنسانيتنا، وبقدر ما استخرج من قلب الوجع الجليل، أرقى معاني السمو في ذواتنا.

التعليقات

موضوعات ذات صلة