عن إدانتنا جميعًا في "أعلى نسبة مشاهدة"

"لما أنتي عارفة إن أهلك ناس طيبين وغلابة ومش فاهمين في الحياة الجديدة اللي أنتي عايشاها، ليه تغرقي نفسك في وحل ومستنقع السوشيال ميديا؟؟ ضيعتي عمرك وخسرتي أهلك بدل شكرهم على تربيتك والشقا والتعب؟ كان نفسي أتعاطف معاكي لكن أنا بحكم بالعدل والقانون"

كان هذا رد القاضي على"شيماء" في مسلسل "أعلى نسبة مشاهدة" الذي تابعنا حلقاته بشغف وترقب شديدين منذ بداية شهر رمضان، حتى جاءت الحلقة الأخيرة بمفاجأة لم نتوقعها.

مستوحى من قصص حقيقية

نجح المسلسل في جذب الجمهور من الحلقة الأولى، أو بمعنى أدق من الكلمة الأولى، "مستوحى من قصص حقيقية" العبارة لم تفشل أبدًا في تحريك أحد أبرز مكونات الطبيعة البشرية.. الفضول

الفضول في إدراك واكتشاف خبايا وأسرار لا نعرفها عن أشخاص حقيقيين يشبهوننا ويعيشون معنا.

والفضول لديه القدرة على تغيير السلوك، ودفعنا إلى التفكير والعمل ومعرفة التفاصيل، ولأن القضية كانت -ولاتزال- قضية شائكة أثارت اهتمام المجتمع المصري في 2021، ولأن ظروفها وملابساتها واردة الحدوث داخل كل منزل في وقتنا الحالي، تابعنا المسلسل على أمل أن نهلل بدور الإعلام في تغيير -أو محاولة إعادة توجيه- فكر المجتمع، والذي كان له من الأساس الدور الأبرز في هذه القضية بالتحديد.. قضية فتيات التيك توك.

اقرأ أيضًا: مودة الأدهم تعود إلى “أعلى نسبة مشاهدة” بحكم جديد

لماذا تغيرت توجهات الحلقة الأخيرة؟

من لم يكن يعلم شيئًا عن "حنين حسام" و "مودة الأدهم" -صاحبتي أشهر قضية متعلقة بمواقع التواصل الاجتماعي والتي عرفت بقضية فتيات التيك توك- قد سمع عنهما بعد أن تحولت القضية إلى قضية رأي عام لم يحسم جدلها بين الناس على مدار ثلاث سنوات حتى الآن، لذلك كان من البديهي بالفعل أن يفوز المسلسل بكامل نصيبه من اسمه في الموسم الرمضاني الحالي.

لقد تفاعلنا مع "شيماء" منذ بداية الرحلة، لمستنا برائتها و سذاجتها، فقرها و ألمها وأحلامها البسيطة، عشنا معها خيباتها ونجاحاتها وصعودها إلى القمة في لحظة وهبوطها إلى القاع في اللحظة التالية، وكيف يكون الإعلام والميديا سلاح ذا حدين.

عشنا جزءً حقيقيًا من حياة "طبقة" من طبقات مجتمع التيك توك الواسع المتباين..الطبقة الشعبية، كيف تنقلب حياة الإنسان رأسًا على عقب لأسباب مختلفة، ومن الفقر المدقع للثراء والشهرة واسعة، وسهولة تحقيق هذه الأحلام عن طريق السوشيال ميديا والتطبيقات المختلفة.

رأينا بوضوح دور المتابعين والمشاهدين في صنع "التريند"، ودور الإعلام اللاهث وراء التريند ليتغذى ويقتات من نجاح صاحب التريند.

ومما لا شك فيه أن الإعلام يلعب دورًا محوريًا في التأثير على الوعي الجمعي داخل المجتمعات ويساهم بشكل ملحوظ وملموس في التغيير الفكري والثقافي لدى الأفراد، وهو الأمر الذي يحدث دائمًا على أرض الواقع وكما طرحه المسلسل، فعندما احتفى الإعلام بشيماء، أحبها الناس والشارع والمجتمع وانهالت عليها العروض والدعاية والأضواء وكانت محط إعجاب الجميع، وعندما شهّر بها الإعلام كرهها الناس و هاجمها الشارع وهبّ المجتمع للتنكيل بها مطالبًا بالقصاص العادل من هذه العشرينية التي تهدم قيمه وتزعزع أمنه!

فلمن الحكم الآن؟ وبأي ميزان نحكم؟

السلطة الأبوية

بعد ما كان للإعلام دور رئيسي متعمد في شيطنة هؤلاء الفتيات ووصمهن بما لم يفعلن، وانتفاضة حماة الوطن من المحامين الخائفين على قانون لم نسمع عنه من قبل وهو" هدم قيم ومباديء الأسرة المصرية"، استغل القانون شرعيته في إلقاء هؤلاء العشرينيات خلف قضبان السجون استجابة لصوت الشارع الصارخ غضبًا، موجهين لهن اتهامات من أبشع ما يكون، مثل الاتجار بالبشر وتسهيل الدعارة والتحريض على الفسق والأعمال المنافية للآداب على مواقع التواصل الاجتماعي.

في تجاهل تام بانتهاكهم حقوق الخصوصية وحرية التعبير وعدم التمييز والاستقلال الجسدي، وأن تلك الفتيات لم يفعلن أكثر مما يفعله أغلب مشاهير هذا التطبيق على مستوى العالم، بين دعاية ورقص وغناء وصناعة محتوى بطرق مختلفة وهدف واحد..الشهرة التي تجلب المال.. المال الذي يحلم به الفقير ويعمل لزيادته الغني.

في الحقيقة، بعد أن عرض لنا المسلسل الأهوال التي تعرضت لها فتيات التيك توك من النبذ والضرب والفصل من الدراسة والعنف المنزلي والطرد من المنزل، وبعد كسب تعاطفنا بصدق سرد الأحداث، وبث الأمل في إلقاء الضوء على معان اختفت من عقولنا وقلوبنا كالنصح والتوعية الصادقة واحتواء الشباب "خاصة من الأهل"، إلا أن الحلقة الأخيرة ضربت بكل آمالنا في مجتمع رحيم مثقف عادل واع عرض الحائط.
فنرى الأب الحزين يلقي مرافعة أبوية حزينة على ابنته ليبرر أفعالها وتصرفاتها بأنها "طيبة وغلبانة وانضحك عليها وعايزة تساعدنا" في استجداء واضح لعطف القاضي والمجتمع، وإن كان يحتسب له اعترافه بخطأه عندما قال" أنا غلطان ماحتويتهاش وطردتها من البيت، لو هاتحاكمها حاكمني أنا كمان وحاكم الظروف وحاكم المجتمع"

ولكن، لم يتوقف المشهد الدرامي هنا، فهناك "الأيدي الخفية" أضافت بعض من السطور التي كانت يجب أن توجه وتزرع في عقول الناس، وهي ما استرسل الأب في مرافعته قائلًا:"الحروب دلوقتي ما بقتش طيارات ودبابات..بقت ضرب المجتمع في أعز مايملك..في "شبابه"، الحرب في ضرب ثوابت دينه وأخلاقه ومبادئه، في التشكيك في الرموز وتخوين الشرفاء في البلد".

وبعد أن أظهرت المحاكمة مشاعر الناس المختلطة، بين مستنكر للحداثة وما يفعله الإنترنت والسوشيال ميديا في عقول المستخدمين، وبين مؤيد لفعل الفتيات ويرى الأمر عاديًا، اختتم القاضي المحاكمة بالامتثال لصوت الشارع والمجتمع.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة