وفق المتحدث الرسمي باسم "الحوثيين"، عبد الملك الحوثي، فإن الجماعة هاجمت تسع سفن، خلال الأسبوع المنصرم، ليبلغ إجمالي السفن التي استهدفتها منذ دخولها، في نوفمبر الماضي، جبهة الصراع الموازية للعدوان الإسرائيلي على غزة 86 سفينة، بمعدل أكثر من سفينة كل يومين.
قبل ذلك بنحو ستة أسابيع، كشف جنرالات أمريكيون لمجلة نيويورك تايمز، عن أن الهجمات التي شنتها تنظيماتٌ مسلَّحة ذات مرجعية إسلامية، ضد قواعد واشنطن العسكرية في العراق والأردن وسورية، زادت عن 170 هجومًا، في الأشهر الأربعة الأولى، لعملية طوفان الأقصى، وحذروا من أن معدل الهجمات "غير المسبوق"، مُؤهلٌ للتطور كمًا ونوعًا، ما لم تُغيِّر إدارة الرئيس بايدن، نهجها السياسي الذي وصفوه بدون مواربة، بأنه أججَّ الكراهية حاميةً إزاء كل ما هو أمريكي.
وها هي الأيام تؤكد مصداقية تحذيرات أولئك الجنرالات، وعلى الرغم من الالتزام الضمني لأطراف الصراع، بعدم اتساعه إلى حد صناعة مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أنه التزام "هش"، وقد تجرفه أمواج "الطوفان"، في أية لحظة.
وإذا كانت المواجهات بين واشنطن والجماعات المدعومة من قبل طهران، لم تتجاوز حتى الآن "عض الأصابع"، فإن آلام "العضَّاتِ" ليست هينة على الولايات المتحدة، التي تتدحرج هيبتها المعنوية إقليميًا ودوليًا، كجلمودِ صخرٍ حطّهُ السيلُ من علٍ.
اقرأ أيضًا:الحشاشين.. الدراما والتاريخ والفلسفة
واللافت أن نزع فتيل الأزمة كان أيسر ما يكون، إذ أبدت جماعة أنصار الله "الحوثي" غير مرةٍ، استعدادها للكف عن استهداف حركة الملاحة التجارية في البحر الأحمر، بشرط وقف الجرائم الصهيونية في غزة، وإدخال المساعدات إلى أهلها الذين يكابدون إلى جوار القذائف التي تنهمر فوق رؤوسهم "حرب تجويع بربرية"، إلا أن الولايات المتحدة، لم تبدِ أدنى استجابة لهذا العرض.
وغني عن البيان أن عدم اكتراث إدارة الرئيس بايدن، بالتحذيرات من تصاعد الهجمات ضد القوات الأمريكية بالمنطقة، أو بالأضرار على حركة الملاحة التجارية، يعود إلى عوامل متشابكة منها ما يتصل بما هو معلوم بالضرورة، من أمر التحالف الأمريكي الصهيوني، وما يتأسس على ذلك من حرص على حماية إسرائيل، التي تؤدي دورًا وظيفيًا يخدم إمبريالية الرجل الأبيض بالشرق، فضلًا عن تعاظم دور اللوبي الإسرائيلي في الداخل الأمريكي، بخاصةٍ مع اقتراب المعركة الانتخابية الرئاسية.
وإلى جوار ذلك، ثمة عامل ذاتي، يتصل بالمرجعية الفكرية للرئيس بايدن، الذي "بدت البغضاء من فيِهِ" إذ قال حرفيًا: "لا يتعين أن تكون يهوديًا حتى تكون صهيونيًا، وأنا صهيوني".. وهي العبارة التي شرحها لاحقًا: "إنني أدين لوالدي بإيماني بحق اليهود في إقامة وطن قومي، بعد الفظائع التي كابدوها إبّان الحرب العالمية الثانية، وصولًا إلى محرقة النازية".
لا تستفتِ إذن عن حقوق الفلسطيني في العيش آمنًا على أرضه، فالنظارة على عيني الرئيس العجوز "كثير التخريف"، مختومة بالنجمة السداسية، ومن ثم لا إمكانية لرؤيته الجانب الآخر من القصة.
خدعة الدولة الفلسطينية
مع تدشين مفاوضات أوسلو، قبل أكثر من ثلاثة عقود، عقدت اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، اجتماعًا برئاسة الراحل ياسر عرفات، وقد استهلّه السياسي المخضرم فاروق القدومي قائلًا: "إن أمريكا تبدو صغيرة للغاية في العالم العربي، ودورها يكاد يقتصر على حماية إسرائيل".
كان القدومي حسب كتاب "سلام الأوهام" لمحمد حسنين هيكل، يرمي إلى تنبيه قادة المنظمة إلى أن الوعود الأمريكية بدولة فلسطينية، محض مراوغات زئبقية، غير أن كلامه لم يرُضِ عرفات، الذي استغرق في أحلام اليقظة بأن الولايات المتحدة ستضغط على إسرائيل، فإذا به يرد مستنكرًا من القدومي، ما اعتبره نبرة تشاؤمية: "ايش بتحكي يا رجل هذه أمريكا".
غير أن تتابع السنين، أكد أن القدومي لم يكن متشائمًا بل كان واقعيًا، في حين كان المُهرولون إلى موائد المفاوضات، في أوسلو وأخواتها هم الواهمون، والدليل أن الفلسطينيين لم يحصلوا بعد الصوم، ولو على حتى "بصلة".
الواضح جليًا أن دوائر صناعة القرار الأمريكية، تنظر القضية الفلسطينية، كأنها محكومة بمعادلة ثلاثية، وليس متاحًا تغييرها، فعناصرها أولًا آلة حرب إجرامية تقتل عشوائيًا، وثانيًا انسحاق عربي رسمي تواطئًا أو عمالةً أو عجزًا، وثالثًا شعب فلسطيني أعزل حتى من دعم الأشقاء، ومن السهل تصفيته بدون سداد الثمن.
على أن هذه "الثلاثية" ليست حتمًا مقضيًا، فالجرائم الإسرائيلية، وتطفيف الميزان الأمريكي، والتخاذل العربي الرسمي -كصورةٍ كلية- تفعل كما يفعل الاحتكاك المستمر في الخشب الجاف حتى يشتعل.

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 أطلق الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج بوش الابن تساؤله الشهير: لماذا يكرهوننا؟
كان بوش يقصد العرب والمسلمين، فلم يتركه زعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن لحيرته، إذ أجابه "لن تنعم أمريكا بالأمان، ما لم يحظ به إخواننا في غزة"، وكذلك "من غير العادل أن تتمتعوا بحياةٍ آمنة، في الوقت الذي يتعذَّب فيه إخواننا في غزة".
في جميع الهجمات التي استهدفت الولايات المتحدة، خلال الخمسين عامًا الماضية، وكان مدبروها ومنفذوها عربًا أو ذوي مرجعية إسلامية، احتلَّ الموقف من القضية الفلسطينية، صدارة الأسباب.. هكذا تؤكد خبرات الماضي القريب، أن سياسات البيت الأبيض، وبمعيار موضوعي مجرد، تضر الأمن القومي الأمريكي ضررًا مباشرًا.
فيما يسمى بالمعركة ضد الإرهاب، دائمًا ما يبتكر المدبرون، وسائل تتجاوز تقديرات أجهزة الاستخبارات، ودائمًا ما تكون الضربة الأولى من حيث لا يتوقع أحد.
اقرأ أيضًا:كيف يصل الديمقراطيون للسلطة؟
ألم يكن منفذو الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول أبعد ما يكونون عن دائرة الشبهات؟
كانوا يقيمون في الولايات المتحدة، درسوا في جامعاتها، واندمجوا في ثقافتها، "يأكلون البرجر ويستمعون لموسيقى الجاز"، فإذا بهم ينفذون بغتةً العملية التي أوقفت العالم "على رِجِلٍ واحدة"، إذ يشاهد الطائرات المدنية تستحيل سلاحًا فتاكًا غير تقليدي، حتى انهار برجا التجارة، ومع حطامهما انهار الكثير من هيبة القطب العالمي الأوحد.
الإرهاب والإرهاب الارتدادي
في كتابه "روح الإرهاب" يجيب المفكر الفرنسي جان بوديار على سؤال بالغ الأهمية: كيف ساهمت الولايات المتحدة في صناعة الإرهاب ضدها يوم الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول؟
يقرر المؤلف أن سقوط البرجين، رغم صيحات الإدانة الأخلاقية من هنا وهناك، قد أحدثَ ابتهاجًا عالميًا، لرؤية الولايات المتحدة في لحظة استثنائية تتآكل ذاتيًا، فالقوة الغاشمة والمتعجرفة التي طالما جسدتها، استولدت لدى الوجدان الإنساني -حتى في الغرب- بطريقة قد تكون لا شعورية الرغبة في هدمها، أو على أقل تقدير استدرت شعورًا بالانتشاء لدى رؤيتها تتألم.
لقد كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، عملًا إرهابيًا مذمومًا ولا مراء في ذلك ولا تشكيك، لكنه إرهابٌ ارتداديٌّ إن صح التعبير؛ إرهاب خرج من رحم الظلم الأمريكي، أو بعبارة شاعرنا الشابي، رغم أن الواقع يخلو من مثقال ذرةٍ من الشاعرية: "من يزرعُ الشوك يجني الجراح".
طغيان الولايات المتحدة، استنادًا إلى القوة المادية، بمنأى عن أي وازع أخلاقي، واعتمادها المعايير "الهوليودية" التي تصم بها خصومها وخصوم إسرائيل بالإرهاب، وتفصيلها الأحكام بشأن مَنْ هو الطيب والشرير، حسب المقاسات الصهيونية، لن يفضي إلا إلى تنمية أحقاد أولئك "الأشرار".
في أحد أيام إبريل/ نيسان من عام 1956 توجه وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديَّان، إلى مستوطنة على حدود غزة، لتشييع جنازة جندي، قتلته المقاومة الفلسطينية، فقال: "لست ألوم القتلة، فعلى مدى السنوات الثماني الماضية، أقاموا في مخيمات لاجئين، وشاهدوا بأم أعينهم تحول أراضيهم، حيث كانوا يعيشون مع آبائهم وأجدادهم إلى وطن لنا".
لم يكن ديّان يروم التبرير للمقاومة الفلسطينية، ولم يكن متعاطفًا معها بالطبع، لكنه كان يضع الأمور في سياقها الموضوعي، وفق قاعدة أن لكل فعل رد فعل.
لم تتعلم الولايات المتحدة من دروس الأمس، ولم تعِ أن حياة المقهور قد تغدو سلاحه الأخير، ومن ثم لا يتردد عن بذلها ثمنًا لإيلام من يقتله مجانًا، دون أن يكبحه وصف جلاده له بالإرهاب.
مشهد البرجين المنهارين، وما أكدَّه في لحظةٍ فارقة، من أن أمريكا ليست بمنأى عن سداد فواتيرها، وفق النموذج الـ"بن لادنيِّ" يبدو أنه سقط من الذاكرة الأمريكية، والأرجح أنه سيظل نسيًا منسيًا، إلى أن يتكرر متى تتهيأ الظروف، والواضح أن الولايات المتحدة فعلت وتفعل، كل ما يلزم لتهيئة تلك الظروف.
