كيف عززت الهجمات الغربية باليمن وجود الحوثيين إقليميًا؟

بينما كانت واشنطن تسعى لتحقيق تقارب بين السعودية وإسرائيل من خلال صفقة كبيرة، يفوق إنجازات إدارة سلفه دونالد ترامب في "اتفاقيات إبراهيم"، كانت الرياض تركز بشكل رئيسي على تأمين اتفاق سلام على حدودها الجنوبية مع الحوثيين في اليمن. فيما أفسدت حرب غزة كل هذا، بإعادة التوترات إلى الشرق الأوسط، خاصة مع الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا على الأراضي اليمنية. وهو أمر منح الحوثيين عدوًا يتمنوه، بينما يهدد واشنطن بانزلاق إلى حرب طويلة ضد ميليشيات ذكية تدير القتال بشكل فعّال.

هكذا يقرأ جون كريس، كاتب عمود في صحيفة "الجارديان"، الوضع الراهن في الشرق الأوسط مع التطورات التي استجدت على ملف الصراع العربي الإسرائيلي. وهو يرى أن الهجمات الأخيرة على قواعد الحوثيين في اليمن، فضلًا عن تصعيد التوتر في منطقة تعاني بالفعل من العنف، أخذت اليمن بعيدًا عن الاستقرار.

تحول قوة الحوثيين

يقول "كريس" إن اليمن قد يكون بلدًا فقيرًا، لكن ثمار العولمة الغربية غير المحمية في كثير من الأحيان تمر بشكل مغر على شواطئه ليل نهار. حيث يتم شحن ما يقرب من 15% من البضائع المستوردة إلى أوروبا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا من آسيا والخليج عن طريق البحر. وما يقرب من 21.5% من النفط المكرر وأكثر من 13% من النفط الخام، بينما تمثل الواردات والصادرات الآسيوية نحو ربع إجمالي التجارة الخارجية الإسرائيلية التي تعبر أمام شواطئ اليمن عبر طرق البحر الأحمر.

وفق كاتب "الجارديان"، فإن إسرائيل كانت تُدرك المخاطر في باب المندب. ولذا كانت تسعى لإقامة تحالفات مع دول مثل إريتريا، لصد جهود إغلاق الممرات المائية أمام حركة المرور الإسرائيلية.

اقرأ أيضًا: اقرأ أيضًا: كيف ومتى تنتهي الحرب على غزة؟

في الواقع، كان أحد دوافع إسرائيل لتوقيع "اتفاقيات إبراهيم" مع الإمارات العربية المتحدة في عام 2020 هو شبكة الأمن البحري الإماراتية الخاصة، التي تشمل جيبوتي وإريتريا وأرض الصومال وجزيرة بريم اليمنية وأرخبيل سقطرى.

الحوثيون من جانبهم يجربون كيف يصبحون قوة بحرية، كما يقول الكاتب جون كريس. ففي أكتوبر 2016، بدأوا في استخدام ميناء الحديدة الاستراتيجي الذي تم الاستيلاء عليه مؤخرًا على الساحل الغربي لليمن كقاعدة. وأطلقوا النار مرتين على حاملة المدمرة "يو إس إس ميسون" كشكل من أشكال الهجوم المضاد للولايات المتحدة التي تقدم الدعم الجوي للسعوديين. وفي يناير 2017، تحول الحوثيون من إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار عبر الحدود البرية نحو الرياض، وبدلًا من ذلك أرسلوا ثلاثة قوارب انتحارية. كما حاولوا تلغيم الممرات المائية.

وقال رئيس المجلس السياسي للحوثيين، صالح الصمد: "إذا استمر المعتدون في التقدم نحو الحديدة، وإذا اصطدم الحل السياسي بجدار، سنتخذ بعض الخيارات الاستراتيجية، بما في ذلك عرقلة الملاحة الدولية في البحر الأحمر. السفن تمر بمياهنا بينما يتضور شعبنا جوعًا".

عقيدة الحوثيين وإسرائيل

يشير الكاتب أيضًا إلى أن إيران، بأسطولها البحري المتطور، أعدت الحوثيين جيدًا لاستخدام القوارب والطائرات بدون طيار والصواريخ لتعطيل حركة المرور المرتبطة بإسرائيل، بما في ذلك من خلال توفير الآلات التي يمكنها اكتشاف أصول السفينة. مضيفًا أنه مع تحقيق الحوثيين المزيد من الانتصارات، نمت رعاية طهران.

وهو يلفت إلى العام 2019، ويعتبره بداية لتزايد خطاب عبد الملك الحوثي، زعيم الحوثيين، ضد إسرائيل، والذي نفى وقتها مزاعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن إيران بدأت في تزويد اليمن بصواريخ دقيقة.

وقال: "شعبنا لن يتردد في إعلان الجهاد ضد العدو الإسرائيلي وتوجيه أقسى الضربات ضد أهداف العدو الحساسة إذا تورط في أعمال غبية ضد شعبنا. موقفنا العدائي ضد إسرائيل مبدئي وإنساني وأخلاقي وديني".

وينقل "كريس" عن ميساء شجاع الدين، من مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، قولها إن "تهديدات الحوثيين للشحن الإسرائيلي ليست ذريعة أو محاولة لصرف الانتباه عن إخفاقاتهم. بل إنه عميق في أيديولوجيتهم. إنه صراع ديني، وليس حول القومية العربية".

أزمة غزة ونشاط الحوثيين

ومع انفجار أزمة غزة، بدأ الصراع يأخذ شكله الحالي، حيث أطلق الحوثيون في البداية صواريخ غير فعالة باتجاه مدينة إيلات الساحلية، وأصروا على أنهم لن يتوقفوا إلا عندما تسمح إسرائيل بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة. لكن الاستفادة من الأراضي التي استولوا عليها منذ عام 2014، طورت تكتيكاتهم بسرعة إلى حملة من الهجمات المفاجئة على سفن الشحن التي نشرت الفوضى عبر سلاسل التوريد في العالم.

ومنذ 12 نوفمبر على الأقل، وفقًا لمركز صنعاء، "تدرب قوات الحوثيين المجندين لفرق الهجوم البرمائية، مع تدريبات تشمل إطلاق صواريخ وهمية تستهدف السفن البحرية الشركية ومحاكاة غارات السفن. كما وسعت أهدافها تدريجيًا من السفن التي ترفع العلم الإسرائيلي إلى السفن التي تتاجر مع إسرائيل".

اقرأ أيضًا: كيف تضررت قناة السويس من هجمات باب المندب؟

يساعد الحوثيين، وفق كاتب "الجارديان"، الاستجابة المحلية الإيجابية من اليمنيين. فهم مؤيدون للفلسطينيين، وقد نما هذا الشعور إلى مستويات غير مسبوقة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، مع تزايد وقسوة العدوان الإسرائيلي على غزة. وهو أمر لا يذكره الكاتب جون كريس، في حين بحادثة الاستيلاء على السفينة "جالاكسي ليدر" الإسرائيلية وتصوير عملية اقتحامها، بأنها تمثل جراءة الحوثيين، الذين تجاوزوا جماعات أخرى في المنطقة، لم تُظهر نفس القوة تجاه إسرائيل وحلفائها.

الحوثيون وجدوا عدوًا مناسبًا

ويشير إلى أن الحوثيين كانوا فخورين بشكل خاص عندما سأل محاور في "بي بي سي" محمد علي الحوثي، عضو المجلس الأعلى للحوثيين، لماذا رأوا أنه من المناسب التدخل في فلسطين "على بعد أميال وأميال". فأجاب: "بالنسبة لبايدن، هل هو جار لنتنياهو؟ هل يعيشون في نفس الشقة، وهل يعيش الرئيس الفرنسي في نفس الطابق ورئيس الوزراء البريطاني في نفس المبنى؟".

ويضيف "كريس" أن بعض قادة الحوثيين تواصلوا بالفعل مع خصومهم السياسيين على المدى الطويل في حزب الإصلاح لمعرفة ما إذا كانوا سيصنعون قضية مشتركة ضد إسرائيل. وهو ينقل أن الهجمات الغربية لن تردع الحوثيين، بل سيعتبرونها هدية.

"لقد أمضوا سنوات في محاربة السعوديين، واستيعاب الخسائر. إنهم ليسوا جيشًا كلاسيكيًا له قواعد عسكرية ثابتة. تغير الميليشيات قواعد الحرب، وبمساعدة إيران لديها الآن القدرة والخبرة لتصنيع الطائرات بدون طيار داخل البلاد. أعطت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تحذيرات مطولة للغاية من أن هذا على وشك الحدوث، لذلك لم يكن هناك عنصر مفاجأة"؛ يقول "كريس" الذي لا يرى أي فائدة للهجمات الأمريكية البريطانية الأخيرة على اليمن.

ووفق كاتب "الجارديان"، فإن الحوثيين بعد الهجمات الأخيرة يعتقدون أنهم لم يعودوا لاعبين محليين بل لاعبين إقليميين شرعيين لمواجهة أمريكا مباشرة. وقد يطلقون في وقت ما صواريخ على البحرين، الدولة العربية الوحيدة التي دعمت الضربات الجوية الغربية.

الحوثيون أكثر ذكاءً والعرب ليسوا مع أمريكا

ويحذر فارع المسلمي، من برنامج "تشاتام هاوس" للشرق الأوسط، من أن "الحوثيين أكثر ذكاءً واستعدادًا وتجهيزًا مما يدركه العديد من المعلقين الغربيين. دائمًا ما يتم التقليل من شأن تهورهم واستعدادهم للتصعيد في مواجهة التحدي ".

وهم يعلمون أيضًا أن التحالف البحري العسكري الذي يدعم أمريكا ضعيف. رفضت مصر، على الرغم من رؤية الدخل من قناة السويس، دعم الضربات الجوية الأمريكية. كما لا توجد دولة عربية، ربما باستثناء الإمارات العربية المتحدة. فيما تشعر السعودية بالقلق من تمزيق تذكرة خروجها من اليمن.

ويختتم "كريس" بأن الغرب قد ينظر إلى الهجوم الصاروخي على أنه الخيار الوحيد، لكنه ليس مجانيًا. الطائرات بدون طيار الحوثية رخيصة. وعلى النقيض من ذلك، ينفق الفرنسيون ما يقرب من مليون يورو على كل صاروخ من طراز أستر 15 يستخدمه الفرنسيون والبريطانيون لصد الطائرات الحوثية بدون طيار. ومن المحتمل أن تكون هذه حربا طويلة ومكلفة، وربما تشن على مستويات مختلفة من الشدة.


جون كريس صحفي وناقد بريطاني. التحق بجامعة إكستر. وكتب سابقًا أيضًا عمود "القراءة الملخصة" في الصحيفة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة