100 عام ونيف هو عمر النضال النسوي في المجتمع المصري منذ بدء ثورة 19 وحتى يومنا هذا، صراع جدلي في مجتمع يغلب عليه الطابع الأبوي الذكوري، لا يعترف بكيان مستقل للمرأة بل وفي بعض الأحيان لا يعترف بكيان للمرأة من الأساس، هذه هي طبيعة مجتمعنا، وعلينا الاعتراف بها كأصل لمشكلة المساواة، سواء كنت مناصرا للاتجاه النسوي من عدمه.
في مجتمع فقير، محتل، وجاهل، لا تكشف فيه المرأة عن وجهها، قادت هدى شعراوي وسيزا نبراوي الحركة النسوية المصرية منذ أن أنشئتا الاتحاد النسائي المصري عام 1923، ليكون أول كيان منظم معني بحقوق المرأة، أجندته تحتوي على مطالب اجتماعية واضحة، فخلقتا الموجة النسوية الأولى، كما يسميها أساتذة علم الاجتماع. لم تكن هذه الحركة منفصلة عن المجتمع الذي نتجت عنه وعملت من أجل إصلاحه، بل كانت مطالبها نابعة من فهم عميق ومستنير لأصل المشكلة التي تتمثل في خلق كفتين متساويتين لمجتمع واحد يحترم فيه أن للمرأة كينونة، ورأى، وأهداف مستقلة عن مفهوم الرعية الأبوية، وسعت هذه الحركة حتى بداية خمسينات القرن الماضي إلى نيل المرأة للحقوق العامة البديهية التي يتمتع بها الرجال في نفس المجتمع، وبشكل خاص، نال حق التعليم نصيب الأسد من الاهتمام.
اقرأ أيضًا:جوزك فين؟.. حق امرأة “وحيدة” في أن تجد سكنًا
ظنت المرأتان أن صب الاهتمام على نيل المرأة - من كافة المستويات والطبقات المجتمعية – حقها في التعليم سوف ينقل المجتمع اللتان تعيشان فيه خطوة إلى الأمام، وسيتولى هؤلاء المتعلمات الجدد دفعه دفعا نحو التغيير المستقر المبني على أسس بنيوية سليمة وبالتالي تتحقق كافة المطالب الاجتماعية البديهية الأخرى كالحق في العمل، والتمثيل السياسي، والتصويت، والصحة، والتملك، والإرث، وهو ما حدث بالفعل وما لم يحدث أيضا!.. ولنعود لهذه النقطة بعد قليل.
في الخمسينات وبعد حركة الضباط الأحرار، تم تأميم الحركة النسوية داخل الاتحاد القومي ومن بعده الاتحاد الاشتراكي، فأصبحت رؤية الدولة لدور المرأة مرتبط بسياستها العامة التي كانت محدودة الرؤية إذا صح التعبير، صحيح أن في هذه السنوات نالت المرأة حق الاقتراع وحق التمثيل السياسي في البرلمان والحكومة إلا أنها كانت حقوق تتعلق بالتمثيل المشرف لا أكثر، ولم يكن هناك تأثير حقيقي لها على أرض الواقع.
ثم يأتي النصف الآخر من الستينات وسبعينات القرن الماضي بالموجة النسوية الثانية، مع زيادة ظهور الحركات التحررية، وحملات الاعتراف بالسيادة الوطنية، ومعارك التعددية الثقافية، والتي كرست جهودها نحو التنظير لمسألة اضطهاد المرأة، فظهرت الدراسات الانثروبولوجية والكتب والمقالات التي تتناول هذه الظاهرة بشكل تأصيلي، في سعي من أجل "الاعتراف بالاختلاف" و الهوية المستقلة كما سمته الفيلسوفة الأمريكية نانسي فريزر.
كل هذه الجهود أدت إلى حق الوصول إلى وسيلة للتعليم الأساسي، ومن ثم التعليم الجامعي فالخروج بعد ذلك إلى العمل، ونالت خلال تلك السنوات المرأة الكثير من الحقوق الأساسية التي تطورت عبر السنوات وألقت بآثارها كذلك على تغير وجهة نظر المجتمع الأبوي تجاه قضايا كثيرة تخص المرأة، لكن هل تغيرت وجهة النظر هذه بالكامل؟
نعود هنا إلى النقطة التي تركناها قبل قليل، كيف حدث التغير بالمجتمع ولم يحدث في نفس ذات الوقت؟ تطورت الحركة النسوية المصرية بعد أحداث الخامس والعشرين من يناير لتواكب الحركات النسوية العالمية التي دخلت في طورها الثالث قبل دخول الألفية الجديدة لتصبح حركة مهتمة أكثر بطرح مسألة الاختلاف بين الجنسين، وتعزيز الهوية الأنثوية، ونشر المفاهيم والحقوق الناشئة عن دراسات الجندر، واتهمت تلك الموجة من النسوية الموجات التي سبقتها بالذكورية!
والمشكلة التي نشأت عن ذلك – من وجهة نظري – أن الحركة النسوية المصرية تطورت بالفعل وواكبت الحركات العالمية دون أن يتطور المجتمع من حولها أو يعني أي اهتمام أو تصديق حتى لما تحاول النسويات المصريات الدفاع عنه من قضايا، فالنسوية المصرية دخلت موجتها الثالثة فيما أن المجتمع الذي تخاطبه لا يزال في موجته الأولى.
إن القضايا التي عملت على كفاحها هدى شعرواي وسيزا نبرواي ودرية شفيق منذ أوائل القرن العشرين، مازالت هي نفس القضايا التي نواجهها في المجتمع المصري في القرن الواحد والعشرين! فنحن نعيش في مجتمع تزداد فيه نسب الفقر، والجهل، والتسرب من التعليم، وختان البنات التي تؤمن الأمهات بضرورته، والعنف الأسري، والاغتصاب، والزواج المبكر، وعدم توريث النساء أو تملكهن، ويتزوج فيه الرجل أربع، ويحق له إنهاء عقد الزواج بالإرادة المنفردة.
هؤلاء النسوة اللائي يعانين من كل تلك المشكلات لا يهمهن في الواقع دراسات الهوية أو الجندر، هن لا يعرفن ماهيتها في الأصل، لا يهمهن الحرية الجنسية بقدر ما يهمهن أصلا عدم تزويجهن مبكرا أو التعرض لصدمة تشويه أعضائهن الأنثوية، ولا يهمهن الاستقلال الشخصي بقدر ما يهمهن عدم الإهانة والضرب والمنع من العمل أو الاستيلاء على ما يكتسبنه من ذلك العمل، ولا يهمهن حرية خلع الحجاب بقدر ما يهمهن ألا ينظر إليهن على أنهن متخلفات ورجعيات لمجرد اختلاف مظهرهن.
النسوة التي تخاطبهم الحركة النسوية المصرية، لم يحصلن على الحقوق الأساسية التي نادت بها الموجة النسوية الأولى، وإذا حصلن عليها فهن يحصلن عليها بشكل مشوه، الرجل الذي تحتاج الحركة النسوية المصرية إلى "إفهامه" أن المرأة التي تمثل نصف المجتمع الآخر معه ذات كيان وشخصية مستقلة عنه يجب عليه احترامه، لا يعترف بها أصلا في النجوع والقرى سواء كانت في دلتا مصر أو في الصعيد.
ما أقصد قوله أن هناك نجاحات حصلت عليها المرأة المصرية في المجتمع، ونجحت الحركة النسوية في إقناع الجانب الذكوري الأبوي السلطوي في أنه أصبح من العادي أن تتعلم المرأة، وأصبح من العادي أن تذهب المرأة إلى العمل، وأصبح من العادي أن يكون للمرأة حق الاقتراع، وأصبح من العادي أن تكون المرأة عضوا في المجالس النيابية، وأصبح من العادي أن تخلع المرأة نفسها من علاقة الزوجية، وأصبح من العادي مؤخرا جدا أن يقف الرجل أمام امرأة لتحاكمه أو تحقق معه، لكن كل هذه العاديات التي تتحقق للمرأة كل يوم فهي تتحقق على مستوى معين من الطبقات الاجتماعية المتوسطة فيما فوقها، أما الطبقات المدقعة الفقر التي تتزايد أعدادها يوما بعد يوم لا تعرف مثل هذه العاديات أبدا، وهناك الكثير من العاديات لا يزال لم يتحقق أيا كان مستواك المادي أو الاجتماعي.
فقبل التخلص من الصراع بين ثنائية المرأة والرجل، وقبل إثبات أن الهوية الجندرية ليست ثابتة بالولادة وأنها تتأثر بالعوامل النفسية والاجتماعية التي تشكل نواتها، وقبل فهم تأثير الممارسات الثقافية والاجتماعية التي تتدخل بشكل أو بآخر في رسم ملامح هويتنا، وقبل فك طلاسم الفروق الجوهرية بين مفاهيم النسوية والجندر والجنسانية والجنس، يجب أن تركز الحركة النسوية المصرية في تحقيق المساواة بين المرأة والرجل سواء في المجتمع أو أمام القانون وإقناع السلطة البطريركية المجتمعية بتلك المساواة، وكذلك يجب التركيز على تحسين النظرة المجتمعية المسبقة المأخوذة عن هذه الحركة كي تستطيع تحقيق هذا الهدف.
ويجب الإقرار أن النهج المتبع حاليا لانتزاع الاعتراف بالهوية النسوية – وكما أصلت نانسي فريزر – ينزع إلى تشيئ تلك الهوية، فالحركة إذ تتبع منهجا متشددا في الحاجة لبلورة هوية مستقلة تمارس تأكيدها الذاتي جهرا، تضغط في نفس الوقت على الأفراد بشكل معنوي كي ينصاعوا إلى ثقافة جمعية معينة، ويؤدي ذلكم في النهاية إلى تقييد فعل النقد والتمرد والتجريب التي تنادي به التجربة أصلا، هذا إذا لم يتم وصمه مسبقا بالخيانة.