السبت, يناير 17, 2026
spot_img

فين جوزك؟.. حق امرأة “وحيدة” في أن تجد سكنًا

ذات صباح بارد من صباحات شهر فبراير الماضي، ودّعت “نسمة محفوظ” طفلتيها وزوجها، امرأة وحيدة غادرت الإسكندرية مسافرة إلى العاصمة، لتؤدي امتحانها بقسم علم النفس في كلية الآداب بجامعة القاهرة، ثم تبيت ليلتها بفندق وتذهب لتأدية عملها في الصباح التالي، قبل أن تعود أدراجها إلى أسرتها. لم تكن تحمل هم البحث عن نزل للإقامة، فقد حجزت مسبقًا غرفة فردية في أحد فنادق “وسط البلد”، عبر موقع للحجز الإلكتروني.

كانت “نسمة” تشعر بالإرهاق والتوعك بعد انتهاء الامتحان، اتجهت من فورها إلى الفندق ذا الخمس نجوم المبني على الطراز المعماري اليوناني، فأبلغها موظفو الاستقبال بأن حجزها تم إلغاؤه. “لماذا إذن؟ لأنكِ امرأة بمفردكِ دون الـ 45، وليس مسموحًا لكِ الإقامة بفندق وفقًا لتعليمات أمنية”. لم يشفع لها لدى الموظفين أنها في الثالثة والثلاثين من عمرها ومتزوجة وتحمل بطاقات هوية تثبت أنها مهندسة ومدربة علاقات أسرية وأيضًا طالبة جامعية.

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

وجدت “نسمة” نفسها في الشارع لعدة ساعات، هبط الظلام وهي تسير على غير هدى، تبحث عن فندق أو نزل أو حتى ستوديو مفروش، تبيت فيه ليلتها، أصابها نزيف بسبب التوتر والإرهاق الشديد، اتصلت بزوجها تستغيث وكان على وشك ترك الطفلتين والسفر إليها، لكن راودتها فكرة اللجوء إلى إحدى مجموعات “فيسبوك” لعل أحدَا يساعدها، وبالفعل تعاطف معها شاب يعمل في أحد فنادق “وسط البلد”، استخدم صلاحياته وعلاقاته ووفر لها غرفة، مساء هذا اليوم، وقد كانت على حافة الانهيار.

“أول لما دخلت الأوضة وحطيت شنطتي وقعت من التعب، واتنقلت على المستشفى اتعلق لي محاليل، لولا الشاب اللي ساعدني كنت فضلت في الشارع أو اضطريت أرجع اسكندرية وأسافر تاني للقاهرة الصبح وده هلاك”؛ تقول “نسمة” بعد أن تعافت.

على مدار سنوات عمله بفنادق الهرم والمريوطية، كموظف استقبال، تلقى “شريف نصَار” تعليمات من إدارات الفنادق التي عمل بها بحظر استقبال نزيلات بمفردهن، أيًا كانت حالتهن الاجتماعية، ما دام الزوج أو الأب غير موجود مع النزيلة، وكان الاستثناء الوحيد يتم بحق السيدات اللواتي يأتين للفندق بصحبة أطفالهن دون الأب، وكثيرًا ما صادف فتاة أو سيدة تأتي للفندق في وقت متأخر ولم يستطع السماح لها بالنزول في غرفة، حتى وهو يشعر بالشفقة تجاهها.

“فاكر كويس بنت جت فندق في المريوطية كنت شغال فيه، الساعة 2 الصبح وما قدرناش نخليها تاخد أوضه، وما كانتش عارفة تروح فين؟، وخليناها تقضي الليل منتظرة على كرسي في اللوبي لحد الصبح ما طلع ومشيت”.

الفنادق ممنوعة على المستقلات

تستخدم الفنادق في مصر، المادة 13 من اللائحة التنفيذية لقانون المنشأت السياحية كذريعة رفض لإقامة النساء والفتيات بمفردهن في الفنادق، سواء بغرض السياحة أو حتى العمل، وهو ما دفع بالنائب محمد فريد باقتراح بتعديلها، في إبريل 2023، وسبق أن تقدمت النائبة البرلمانية أميرة صابر قنديل، بطلب إحاطة بعدم دستورية منع السيدات من الإقامة بالفنادق بدون محرم، وكان القضاء الإداري قضى في يناير 2022، بعدم قبول دعوى منع النساء دون سن الـ40 من الإقامة بالفنادق دون محرم.

 

ويكشف الدكتور هاني سامح، عضو لجنة الحريات بنقابة المحامين، أن هناك عدد من فنادق النجوم الثلاث والنٌزل تمنع بوضوح كامل إقامة النساء، طالما كن بدون محرم، بل وتعلن ذلك على مواقع الحجوزات العالمية، رغم أن الدولة فندت حجج بعض أصحاب الفنادق ممن كانوا يتذرعون بالتوجيهات الأمنية؛ حيث أكدت وزارة الداخلية ومن بعدها محكمة القضاء الإداري في بيانات وأحكام رسمية بعدم وجود أي تعليمات أو توجيهات بمنع النساء من الإقامة المنفردة.

اقرأ أيضًا: المرأة اللعوب أم الزوجة المضحية.. كيف ساهمت السينما في تعميق الاشكال النمطية للمرأة؟

ويشير عضو لجنة الحريات بنقابة المحامين إلى أن المرأة المصرية تعاني بشدة خاصة في المناطق الشعبية والتجمعات السكنية الجديدة، من عوائق تمنعها من تأجير الشقق أو الإقامة إن كانت بمفردها وبدون عائل ذكر، بسبب قرارات شخصية ومنفردة وتوجهات تسلطية ذكورية من عامة الملاك والسماسرة ومسؤولي الفنادق بحجة الحفاظ على الأخلاق ومنع المرأة من الانحراف. 

 

“فين جوزك؟”

معاناة البحث عن سكن واجهتها الكاتبة “غادة قدري” حين انتقلت وهي في عامها الخامس والعشرين، من محافظة الإسكندرية، للعمل والعيش بالقاهرة في العام 2011، بعد انفصالها عن زوجها الأول. حينها، كان أصحاب العقارات يعلنون رفضهم تأجير شققهم إلا للعائلات أو لمجموعة من الفتيات المغتربات.

“على مدار 13 سنة، سكنت في 5 شقق مختلفة بالقاهرة، وفي كل مرة كانوا بيسألوني عن جوزي، ويرفضوا يأجروا لي وألجأ لأصدقائي ومعارفي عشان يتوسطوا لي للسكن. تعرضت لمشاكل ومضايقات من أصحاب الشقق والجيران”؛ تحكي “غادة” وهي مسؤولة علاقات عامة بإحدى دور النشر المعروفة.

في شقة صغيرة بعمارة قديمة في حي عابدين، سكنت “غادة” بعد معاناة، لكن مواعيد عملها المسائي لم تعجب صاحبة البيت؛ فتشاجرت معها واعتبرت أن عودتها للمنزل بعد منتصف الليل أمر يسيء لسمعة العمارة، ثم اختلقت مشكلة جديدة معها في العام 2014، وأرادت الاستيلاء على أثاثها البسيط بمعاونة بلطجية، واضطرت “غادة” للاستعانة بمباحث قسم عابدين لاستعادته قبل أن تنتقل إلى شقة جديدة في وسط البلد، ولكن هذه المرة جاءتها المضايقات من الجيران؛ فكانت تفاجئ بترك بعضهم لرسائل أسفل باب شقتها، وطرق أحدهم بابها في وقت متأخر طالبًا أن يتعرف إليها.

بعد زواج “غادة” للمرة الثانية ظنت أن معاناتها مع المؤجرين ستنتهي، لكن بمجرد انفصالها عن زوجها وعودتها للبحث عن سكن، عاد السؤال المعتاد: “فين جوزك؟” يطاردها، إلا أنها في تلك المرة استغلت كونها لم تُغيّر بطاقتها الشخصية بعد، وأن الحالة الاجتماعية المكتوبة بها “متزوجة”.

“أخدت معايا أختي الصغيرة وادعيت إنها بنتي، وقولت لصاحب الشقة إن جوزي مسافر”؛ تقول غادة.

عوار قانوني

تقول المحامية هبة عادل، مؤسسة مبادرة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، إن الامتناع عن تأجير الشقق السكنية أو غرف بعض الفنادق والنزل للعازبات والمطلقات، لا أساس قانوني له، ولكن مدى قانونيته أثيرت من قبل بسبب امتناع بعض فنادق الإسكندرية عن تسكين العازبات، حيث اتضح عدم وجود قرار من وزارة السياحة يُلزم المستأجرة أو النزيلة بأن تكون متزوجة أو لديها أسرة، وأن تلك الحالات ناتجة عن تصرفات وقرارات فردية من موظفين بتلك الفنادق، تأتي في إطار السلطة الأبوية الذكورية بالمجتمع، التي ترى المرأة سلعة قابلة للتداول وكائن منقوص الأهلية يحتاج لوجود ذكر ضامن.

اقرأ أيضًا: هل يحمل قانون العقوبات تمييزا ضد المرأة؟

وتضيف المحامية أن هناك عوار قانوني لا يحمي النساء من تلك الوقائع التي تحتاج للإثبات ووجود شهود، وتترك أثرًا ممتدًا على المزيد من النساء، تُعرقل مسيرتهن في التقدم بالمجتمع، مشددة على ضرورة وجود إجراء قانوني يحمي المرأة التي تسكن بمفردها، من المضايقات التي قد تتعرض لها، وتهدد السلم المجتمعي، وإن كان إقرار وتطبيق مشروع القانون الموحد لمواجهة العنف ضد المرأة ومفوضية التمييز، سيساهمان في إيجاد آليات على المدى البعيد.

أنتِ وحيدة.. فلا خصوصية ولا حق

كانت “هبة محمد” تحمل طفلتها الرضيعة وتسير في أحد أحياء القاهرة الشعبية، تبحث عن شقة للإيجار، بعد انفصالها عن زوجها، وأيضًا اصطدمت بالسؤال المعتاد “فين جوزك؟”؛ فوجدت نفسها مضطرة للادعاء بأنه مسافر، حتى وجدت شقة قريبة من بيت خالها الذي توسط لها لدى صاحب الشقة، وحين تغير مكان عملها واضطرت للبحث عن سكن آخر، لم تكفي حجة سفر الزوج لإقناع صاحب البيت الذي أخذه فضوله لسؤالها عن سر قلة أثاثها، فاضطرت لاختلاق كذبة جديدة كي لا يقوم بطردها هي وطفلتها.

“اضطريت أقول له إن فيه مشاكل بيني وبين حماتي وهي أخدت عفشي وجوزي مسافر، ورغم إن صاحب البيت وافق، لكن سكان العمارة بقوا متضايقين من وجودي، وقالوا لي إن العمارة كلها عائلات وما ينفعش ست تسكن لوحدها”؛ تضيف هبة التي أتمت عامها التاسع والثلاثين مؤخرًا، وتعمل مسوقة في شركة أغذية.

يعلل “عبدالرحمن حسن” مالك عقار بالجيزة، امتناعه عن تأجير الشقق المملوكة له لسيدات مطلقات أو فتيات عازبات لكونه يخشى وقوع مشكلات ومشاجرات محتملة بعمارته، ولخوفه من عدم قدرتهن على سداد الإيجار والفواتير، إلى جانب نظرة المجتمع السلبية للمرأة التي تعيش وحدها دون رجل، والتي تجعلها مرفوضة وسط العائلات المحافظة بالعمارة.

يقول الرجل السبعيني: “مش عايز مشاكل ووجع دماغ في العمارة.. اللي منفصلة عن جوزها وارد تكون بينهم مشاكل وقضايا ويعملوا خناقة في البيت ولا يبعت لها محضرين أو شرطة، وحتى لو ست محترمة ومعاها عيال أنا مش ضامن هتدفع الإيجار في ميعاده ولا هتقول لي معيش وظروفي وحشة وأبو عيالي ما بيصرفش عليهم”. 

شرف الجماعة

المرأة في ثقافة المجتمعات العربية دائمًا موضع شك، فهي السبب في كل مشكلاته؛ صغيرة كانت أو كبيرة، وللرجل سطوة عليها، وسطوة الدفاع عن الشرف أول السلطات، التي يبرر بها العنف الممارس ضدها، بداية من المنع مرورًا بالعنف وانتهاء بالقتل، كما حدث في جريمة “سيدة حي السلام في القاهرة” في العام 2021.

كانت هذه السيدة تسكن في منطقة لم يدخلها الغاز الطبيعي واضطرت إلى طلب أنبوبة غاز، إلا أن العامل أخبرها بأن طلبها لن يكون متاحًا إلا في الـ11 مساء؛ هكذا قال شقيقها في التحقيقات التي أجريت في مقتلها بعد أن اقتحم أشخاص شقتها قبيل منتصف الليل من يوم 11 مارس من ذلك العام، بذريعة وجود رجل غريب معها، وضربوهما بالعصي وقيدوا الرجل، حتى اندفعت المرأة من شدة خوفها إلى الشرفة، وسقطت من الطابق السادس، لتسقط ميتة على الفور، في قضية كانت مثالًا حيًا على سطوة الدفاع عن الشرف التي تتسع في مصر إلى تسويغ التحرك لحماية شرف الحي والشارع والبناية السكنية، وفرض وصاية على نساء عازبات أو مطلقات مقيمات بمفردهن خارج إطار سكن العائلة ومن دون وجود زوج.

فمجرد الشبهة، أو إطلاق تهمة لا تستند إلى أي إثباتات، ستبقى كافية لتقود إلى عنف جماعي بذريعة الحفاظ على الشرف.

تمييز على أساس النوع

يقول حمدي أحمد رزق، المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، أن القانون المصري يفتقد إلى ما يجبر المالك على التأجير ما دامت لديه وحدة فارغة، ومن حقه أن يمتنع عن التأجير لأي شخص. وهنا يحدث التمييز ضد المرأة؛ بسبب الموروث والنظرة المجتمعية الرجعية للمرأة التي تعتبرها شخصًا قاصرًا أو ناقص الأهلية.

ويطالب “رزق” بوضع قانون يُجرم هذا الفعل؛ لأنه يعتبر تمييزًا قائمًا على الجنس والنوع يتعارض مع المادة 11 من الدستور والتي كلفت المساواة، داعيًا الضحايا لتحرير محاضر بالواقعة ضد أصحاب العقارات الممتنعين عن التأجير، من خلال قسم الشرطة التابعين له، مشددًا على أهمية اتخاذ الدولة لقرارات من شأنها الحد من تلك الممارسات؛ كأن تشدد وزارة السياحة على الفنادق، ودور الاستضافة بعدم الامتناع عن استقبال النزيلات اللواتي يأتين بمفردهن، وفرض عقوبات على المخالفين، وعمل خط نجدة من خلال المجلس القومي للمرأة، وتوفير وزارة التضامن الاجتماعي لمراكز ودور استضافة في جميع المحافظات، وعمل مبادرات تشارك فيها الجمعيات والفنادق والأفراد المؤجرين للتشجيع علي إنهاء تلك الظاهرة.

وبحسب تقرير السكان المنشور في كتاب الإحصاء السنوي الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن إجمالي عدد الإناث في مصر بلغ 50 مليونًا و741 ألفًا و279 نسمة. ووفقًا لآخر إحصائية صدرت في عام 2022؛ ففي مصر نحو 269 ألفًا و834 امرأة مطلقة على الأقل لهذا العام فقط. وتُفيد دراسة لهيئة الاستعلامات المصرية بأن في مصر ما لا يقل عن 12 مليون امرأة معيلة لأسرة بأكملها.

الذكر.. ضمان حسن السير والسلوك

وتقول الباحثة “مي صالح”، استشاري النوع الاجتماعي والدعم المؤسسي، أن هناك سياق ثقافي نشأ في مجتمعنا بضرورة وجود رجل، يُنظر إليه باعتباره الضامن الوحيد لحسن السير والسلوك، ومن هنا يتم الربط بين إقامة المرأة بمفردها وبين الناحية الأخلاقية والعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، وهو ما يجعل بعض أصحاب الشقق السكنية أو المصيفية أو النزل يمتنعون عن تسكين امرأة بمفردها، متعللين بالخوف من شرطة السياحة أو المباحث، كما ترفض بعض الفنادق استضافة سيدة أو فتاة بمفردها اضطرت للبقاء بعيدًا عن مدينتها لوقت متأخر.

وتضيف “صالح” أنه في حال نجحت المرأة في الإقامة بمفردها فإنها لا تكون حرة وتتعرض من المجتمع، لنوع من الوصاية المجتمعية الذكورية، من صاحب العقار أو البواب أو الجيران.

وتشير “صالح” أنه لكون هذا التمييز تختلف حدته من طبقة اجتماعية لأخرى ومستوى اقتصادي لآخر، فإن حل هذه الإشكالية يبدأ من مؤسسات الدولة التي يجب أن تكرس لممارسات المواطنة.

التعليقات

موضوعات ذات صلة