وصل وزير الحرب الإسرائيلي بيني جانتس إلى واشنطن، الأحد، لإجراء محادثات مع كبار المسؤولين الأمريكيين، وهي الرحلة التي أثبتت المزيد من انقسام لم تعد حكومة الحرب التي يقودها بنيامين نتنياهو قادرة على إخفائه، بينما تتصاعد أزمات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع وزرائه، وتلاحقه التظاهرات التي تتواصل ضده في تل أبيب والقدس، في ظل وضع في أسوأ أحواله عسكريًا على الحدود الشمالية مع لبنان، وأشكاله إنسانيًا في غزة، وتصعيدًا وتوترًا في الضفة، حيث اعتقالات بالجملة لكل فلسطيني تشتبه فيه قوات الاحتلال، وفق تقرير حديث لموقع “The Media Line”.

في ولايته السادسة كرئيس للوزراء، يقود نتنياهو حكومة عالقة في الجدل، منذ أدائها اليمين الدستورية، في 29 ديسمبر 2022.
بدأ هذا الجدل مع محاولة هذه الحكومة إقحام إصلاح قضائي شامل يسحب صلاحيات كبيرة من القضاء لصالح نتنياهو، الأمر الذي وضعه وحكومته في مرمى انتقادات حادة ومظاهرات حاشدة توقفت فقط عندما بدأت إسرائيل عدوانها الدموي على قطاع غزة في 7 أكتوبر الماضي، انطلاقًا من مبدأ “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”. قبل أن ينضم بيني جانتس، وهو قائد سابق بالجيش ورئيس ثاني أكبر حزب معارض، إلى الحكومة.
كان الهدف هو إظهار الوحدة في وقت كان فيه الإسرائيليون يتوقون إلى الهدوء على الجبهة الداخلية، يذكر تقرير “The Media Line”. لكن، هذه الوحدة “المزيفة” تتفكك في الوقت الراهن والذي تواجه فيه حكومة الحرب عددًا لا يحصى من التحديات المحلية والدولية.
الحرب والاستياء من نتنياهو
عندما تعافى الإسرائيليون من صدمة هجوم “طوفان الأقصى” للمقاومة في مستوطنات القطاع، وأعاد الجيش تجميع صفوفه بعد فشله الهائل في توقع الهجوم، بدأت إسرائيل حربها، معلنة أن الأهداف كانت إزالة حماس وإطلاق سراح الرهائن الذين تم أسرهم. لكنها في المقابل قتلت أكثر من 30,000 فلسطيني -أغلبهم من الأطفال والنساء- منذ ذلك الحين، وأصابت عشرات الآلاف، وفقًا لوزارة الصحة الفلسطينية في غزة.
في البداية، احتشد الإسرائيليون وراء الجيش والحكومة بدعم كامل، كما يقول “The Media Line” الأمريكي. ولكن مع استمرار الحرب، علت أصوات الاستياء داخل الحكومة وبين الإسرائيليين. وتم تسريب وثيقة كتبها جادي آيزنكوت، وهو عضو في حزب جانتس ووزير في حكومة الحرب، الأسبوع الماضي، ينتقد فيها افتقار نتنياهو إلى صنع القرار الاستراتيجي، ومماطلته في التعامل مع بديل لحكم حماس في قطاع غزة بمجرد انتهاء العملية العسكرية، بما يضر بالجيش الإسرائيلي.
نتنياهو لا يشارك أحدًا نواياه
“نتنياهو لا يشارك نواياه مع أحد”، يقول عيران فيجودا-جادوت، أستاذ الإدارة العامة والعلوم السياسية في جامعة حيفا. والذي يرى أن “التأخير في التصرف يمنع التوصل إلى حل أسرع”. ويقول إنه “ليس هناك شك في أن اعتبارات نتنياهو السياسية تلعب دورًا رئيسيًا في ذلك”.
وتراجعت شعبية نتنياهو منذ بداية الحرب. ويتهمه بعض خصومه بالتلكؤ لتجنب مصير سياسي محكوم عليه بالفشل ينتظره بمجرد انتهاء الحرب.
هل التخلي عن نتنياهو قريب؟
ومن هنا، قد تكون رحلة جانتس إلى الولايات المتحدة إشارة إلى نواياه في مغادرة الحكومة قريبًا. مثل هذا الخروج يمكن أن يؤدي إلى حل حكومة الائتلاف الحالية. وجانتس هو المنافس الرئيسي لنتنياهو في استطلاعات الرأي، كما يشير الموقع الأمريكي.
“هذا حدث هام”، يقول الدكتور شوكي فريدمان، نائب رئيس معهد سياسة الشعب اليهودي وعضو كلية الحقوق في مركز بيرس الأكاديمي. وهو يلفت إلى ضرورة وجود تنسيق داخل مجلس الوزراء الحربي في إسرائيل بشأن الاستراتيجية والرسائل المنقولة إلى الإدارة الأمريكية. وهو ما لم يحدث في زيارة جانتس الأخيرة، مع حديث قادم من إسرائيل عن “الطعنة في الظهر” التي يشعر بها نتنياهو بفعل هذه الزيارة، بينما يؤكد جانتس أنه أطلع رئيس الوزراء على تفاصيلها.
منذ أدائه اليمين الدستورية، التقى نتنياهو بالرئيس الأمريكي جو بايدن على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في الخريف الماضي. ولا يزال رئيس الوزراء الإسرائيلي ينتظر دعوة إلى البيت الأبيض، وهي شهادة على العلاقات المتوترة التي تربطه بالرئيس بايدن. ذلك رغم زيارة الأخير إسرائيل، وهو أول رئيس أمريكي يزور إسرائيل في وقت الحرب منتصف أكتوبر.
“من الواضح أن هذا لا يساهم في استقرار الائتلاف أو الثقة بين أعضائه”، يضيف فريدمان لـ “The Media Line”. ويساعد في تفاقم الوضع أن حكومة نتنياهو تضم أعضاءً متطرفين ينتقدون سماحه بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، وعدم عمله بقسوة كافية ضد غزة، رغم الدمار الواقع بالمدينة، وأعداد الشهداء التي فاقت أي حرب سابقة.
رغم كل شيء.. الإسرائيليون متفقون على “حماس”
“هناك إجماع أكبر داخل الحكومة مما يبدو عليه”؛ يقول فيجودا-غادوت لـ “The Media Line”، وهو يرى أن “هناك اتفاق، أيضًا خارج الحكومة، على أن المهمة في غزة تحتاج إلى إكمال. وإلا فإن إسرائيل ستكون في ورطة كبيرة”.
اقرأ أيضًا: لماذا الكل يخشى التصعيد الإسرائيلي في رفح؟
ماذا عن الرهائن؟
يقول تقرير “The Media Line” إنه بغض النظر عن الاعتبارات السياسية لنتنياهو، فإن حقيقة أن حماس تحتجز عددًا كبيرًا من الرهائن الإسرائيليين تُعقد الوضع.
في 7 أكتوبر، نجحت “حماس” في احتجاز 257 شخصًا، بينهم عسكريون، ومنذ ذلك الحين، أطلق سراح 123 منهم، بينما لا يزال مصير المتبقين غير واضح.
ومع اشتداد القصف برًا وجوًا وبحرًا والاجتياح البري، قالت “حماس” إن عددًا من هؤلاء المحتجزين قُتل بالنيران الإسرائيلية، وأظهرت مشاهد أخرى من أرض المعركة إما فشل إسرائيل في تحرير بعضهم أو قتل بعضهم بنيران إسرائيلية مباشرة ظنًا أنهم فلسطينيين، حدث هذا على الأقل مع ثلاثة أسرى بحي الشجاعية في ديسمبر الماضي.
وتعتقد المخابرات الإسرائيلية أن 30 من هؤلاء المحتجزين على الأقل قُتل أثناء الحرب. وكانت المفاوضات جارية للإفراج عن 40 منهم على الأقل في الأسابيع الأخيرة، بوساطة أمريكية مصرية قطرية. وكان الرئيس بايدن قد أعرب عن أمله في التوصل إلى اتفاق قبل بداية شهر رمضان الذي سيبدأ الأسبوع المقبل.
هذه الآمال تتلاشى حيث يبدو أن المحادثات قد توقفت.
نتنياهو يواجه الخطر داخليًا وخارجيًا
“يجب أن تكون المفاوضات صعبة، لأن جزءًا كبيرًا من مطالب حماس لا يمكن تلبيته من قبل إسرائيل”، يقول فيجودا-جادوت.
وتشير استطلاعات الرأي في إسرائيل إلى أن الدعم للاتفاق آخذ في الانخفاض. وتقول تقارير إعلامية إن إسرائيل وافقت على وقف طويل لإطلاق النار، وزيادة تدفق المساعدات الإنسانية مقابل إطلاق سراح 40 رهينة. وبعيدًا عن تحقيق هدفها المعلن المتمثل في الإطاحة بحماس، تتعرض الحكومة لضغوط متضاربة؛ من اليمين المتوقع أن يحقق نتنياهو النصر على “حماس”، ومن أقارب الرهائن، الذين يطلبون تأمين إطلاق سراحهم قبل أي شيء، وفوق كل هذا، فإن ترجيح أن يتم إطلاق سراح عدد كبير من السجناء الفلسطينيين كجزء من الصفقة، يمثل نقطة حساسة للعديد من الإسرائيليين واليمين المتطرف.
ويقول فريدمان: “لن يكون اليمين سعيدًا إلا إذا كان ثمن الإفراج منخفضًا من حيث عدد السجناء الفلسطينيين المفرج عنهم واستمرار القتال في غزة”. ومن المرجح أن يكون هناك صراع كبير داخل الحكومة، لكن الاتفاق لن يطيح بتنتياهو”.
“هناك إجماع أكبر مما يعتقده الناس”، يقول فيجودا-جادوت. ويضيف: “حماس تطالب بأعلى ثمن ممكن، ولا يمكن لإسرائيل أن تدفع أي ثمن. وبقدر ما تعد إعادة الرهائن قضية رئيسية، لا يمكن لإسرائيل ولا ينبغي لها أن تجرد نفسها من جميع أصولها لهذا الغرض”.
مشاركة الولايات المتحدة
تلقت إسرائيل دعمًا دبلوماسيًا وعسكريًا غير مسبوق من الولايات المتحدة منذ بداية الحرب. في أعقاب ذلك مباشرة، وضعت إدارة بايدن جانبًا أي صراع مع حكومة نتنياهو وركزت على دعم الدولة العبرية. ومع مرور الوقت والنظر إلى نتنياهو على أنه يماطل ويرفض التعامل مع أي تسوية مستقبلية يمكن أن تشمل إقامة دولة فلسطينية، فإن صبر البيت الأبيض ينفد، وفق ما يشير إليه موقع “The Media Line”.
“الأمريكيون يعبرون عن ذلك بكل طريقة ممكنة”، يقول فيجودا-جادوت. “لديهم الكثير من النفوذ ، وهم يستخدمونه بشكل متزايد. ومن المتوقع أن يزداد هذا الضغط”.
ويوم السبت، أسقطت الولايات المتحدة مساعدات إنسانية جوًا على غزة لأول مرة. وكان حجم المساعدات موضع خلاف بين الحليفين منذ بداية الحرب. كما انتقد البيت الأبيض ارتفاع عدد القتلى المدنيين في غزة.
“ليس سرًا أن الولايات المتحدة ترغب في رؤية حكومة مختلفة تمامًا”، يقول فريدمان، ويضيف: “استضافة جانتس تهدف إلى إرسال رسالة، تظهر أنهم يفضلونه. لن يأسفوا إذا كانت الزيارة تقوض التحالف”.
الحريديم.. أزمة جديدة لنتنياهو
الخدمة العسكرية الإلزامية في إسرائيل والإعفاء شبه الروتيني الممنوح لليهود الأرثوذكس المتطرفين أو الحريديم هي واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الداخل الإسرائيلي. لقد أدت هذه الأزمة إلى حل الحكومات من قبل ويمكن أن تؤدي إلى سقوط هذه الحكومة أيضًا، وفق “The Media Line”.
“هذا هو المكان الذي توجد فيه الدراما الحقيقية”، يقول فريدمان. إذ أن “المشاعر العامة، بما في ذلك في الجناح اليميني، هي مع تجنيد اليهود الأرثوذكس المتطرفين”.
الخدمة العسكرية في إسرائيل إلزامية لكلا الجنسين بمجرد بلوغهم سن 18 عامًا. وقد تم إعفاء اليهود الأرثوذكس المتطرفين أو الحريديم بحكم الأمر الواقع من هذا الواجب لسنوات. وللتأهل للإعفاء، يجب على الرجال إثبات أنهم يشاركون في دراسات دينية بدوام كامل، بينما يتم إعفاء النساء تلقائيًا إذا أعلنوا أن التزاماتهم الدينية تمنعهم من الخدمة.
“لقد رافقت هذه القضية إسرائيل منذ إنشائها قبل 75 عامًا. ومع الحرب، كان النقاش يدور حول مساواة هذه الطائفة بباقي اليهود. والآن يتعلق الأمر بالضرورة. وهذا سؤال سياسي حول القيم، حول من سيتحمل وطأة الخدمة العسكرية: هل أولئك الذين يخدمون بالفعل، مطلوب منهم أن يخدموا أكثر، أم سينضم الآخرون؟”؛ يتساءل فريدمان.
عندما بدأت الحرب، تم استدعاء أكثر من 300 ألف إسرائيلي للخدمة الاحتياطية. خدم العديد من جنود الاحتياط لأكثر من ثلاثة أشهر، بعيدًا عن عائلاتهم ووظائفهم. العبء على المجتمع والاقتصاد هائل. وفي مواجهة حرب ممتدة في غزة وجبهة جديدة محتملة في الشمال ضد حزب الله، يقول الجيش الإسرائيلي إنه يفتقر إلى آلاف المقاتلين.
“من الواضح أن ما كان موجودًا قبل 7 أكتوبر لم يعد موجودًا. غالبية السكان الحريديم يفهمون ذلك أيضًا”، يقول فيجودا-جادوت، الذي تعتقد أن الرأي العام سيفرض حلًا قبل أن تطيح الأزمة بالحكومة.
