فكر تاني - صورة تعبيرية

تحتفل الولايات المتحدة الأمريكية بشهر فبراير كشهر متابعة التراث الإفريقي ‏تكريمًا لكل ما مرّ به الأفارقة في القارة الأمريكية عبر التاريخ، بدأ الاحتفال بهذه المناسبة عام 1976 بسبب جهود الكاتب “كارتر ودسون” الذي تغلب على العديد من العقبات ليصبح مؤرخًا لامعًا له العديد من المؤلفات عن تاريخ الأفارقة في أمريكا. ولد لأبوين أميين عانيا من العبودية. رأى كارتر أن على الأفارقة في أمريكا أن يفخروا بتراثهم وتأثيرهم في أمريكا وكذلك على الأمريكيين فهم كل الإنجازات التي قام بها السود.

على النقيض، يذهب ذهن غالبية الناس إلى المركزية الإفريقية (الأفروسنتريزم) عند ذكر الأمريكيين الأفارقة ولكن حقيقة الأمر أن المركزية الأفريقية بدأت كمنهج بحثي يتيح للأفارقة التعبير عن أصولهم لمعرفة المزيد عن الثقافات المهمشة داخل أمريكا. فيما بعد تحولت هذه الفكرة إلى حركة معادية للمركزية الأوروبية كما تسلل إلى داخلها مغالطون سعوا إلى تشويه المزيد من الثقافات.

اقرأ أيضًا:حوار وطني بين السُلطة والسُلطة

ما هي المركزية الإفريقية؟

هي حركة تهدف في الأصل إلى البحث في الخلفية التراثية للأمريكيين السود بهدف لفت الأنظار إلى تاريخهم ودورهم في أمريكا وتوطيد العلاقات بينهم كأفارقة من خلال البحث في التراث وممارسة كل الألوان الثقافية لهم، في حين وجد الأصوليون الأثيوبيون ومؤسسو حركة Nations of Islam طريقًا للتسلل من خلال هذه الأفكار، ليدفعوا في اتجاه اعتبار المركزية الأفريقية هي مجرد نسب الحضارة المصرية القديمة للأفارقة السود والقول بأن مؤسسي حضارة “كيميت” جاءوا من جنوب الصحراء الكبرى.

تميزت الحضارة المصرية القديمة بتنوع الفنون والآداب والأعراق، فمن المغالطة الواضحة القول بأن المصريين ينتمون إلى عرق واحد ويشتركون في لون بشرة موحد ويتميزون بسمات جسدية واحدة. من المآخذ التي لم يغفل عنها النقاد هي إنتاج المركزية الإفريقية للمزيد من الصور النمطية العنصرية فهي في الأساس تهميش واضح لجميع الثقافات الأوروبية والآسيوية والشمال إفريقية وحتى لثقافة الأمريكيين الأصليين وتصوير الأفارقة السود بمظهر صناع العلم والحضارة مما أدى إلى اتهام الإيدولوجية بمعاداة السامية. مما لا شك فيه أن هذا النوع من الصراعات بدأه الرجل الأبيض عند احتلاله لأراضي جديدة فالمحتل الأوروبي هو من قام بخطف الأفارقة وتكديسهم داخل سراديب السفن ونفيهم في أرض جديدة لاستعبادهم في حقول القطن والتبغ.

ينتقد مارك ديتس الأستاذ المساعد بقسم التاريخ تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي لتدمير الروابط الاجتماعية مع إفريقيا فيقر بأن معظم الأمريكيين من أصل إفريقي لم يعرفوا من أين أتوا. وأضاف أن أسلافهم جاءوا إلى الولايات المتحدة مقيدين بالسلاسل وتمت معاملتهم مثل العبيد. هذا الاستعباد قتل الخلفيات الثقافية لهؤلاء القبائل حتى أصبح يجهل العديد منهم أصوله حتى اليوم.

وفي محاولة لصد عنصرية الأوروبيين، أصبح الإفريقيون يتهمون المصريين الحاليين باحتلالهم للأرض وسيطرتهم على الثقافة والعلوم دون النظر إلى التاريخ الحقيقي لمصر. يذكر هاينز أن العلاقة بين الأمريكيين من أصل إفريقي ومصر القديمة عميقة باعتبار أن مصر دولة تقع في القارة الإفريقية ولها تراث غني وأن الشيء الوحيد المتعلق بالمجتمعات الأمريكية الإفريقية هو فقدان الأفارقة تاريخهم مع تجارة الرقيق. في الولايات المتحدة على وجه الخصوص، تم عزل السود عن إفريقيا عمداً، ولم يُسمح لهم بالتحدث بأي لغة إفريقية أو ممارسة أي ديانة إفريقية. قال هاينز: “إنها استعادة لهويتنا وإعادة التواصل مع جذورنا وأصولنا”.

أثر المركزية الإفريقية على الأقليات

لاعجب أن المركزية الإفريقية هي نتاج طبيعي للمركزية الأوروبية التي بدورها ترصف طريقاً للمزيد من التخلف خارج أوروبا فأصبح الأمريكيون السود على أهبة الاستعداد لمغايرة التيار ولكن بشكل أكثر تمييزاً وعنصرية. وبما أن هذا التيار الفكري خرج من الأساس من أقليات في المجتمع الأمريكي فمن الأرجح أن يشكل خطراً على الأقليات الموجودة في مصر. تقول أمينة البنداري أستاذة الحضارة الإسلامية والعربية إن النوبيين في مصر لا يعرِّفون ثقافتهم كالمصريين ولا كالأمريكيين السود، بل يمارسون ثقافتهم بشكل مميز وهذا أحد الأدلة على تنوع الحضارات الإفريقية ومن بينهم الحضارة المصرية. يرى بعض الباحثين ضرورة تعاون المصريين مع الأقليات الموجودة في مصر كالأمازيغ والنوبيين لإظهار تاريخ هؤلاء وتمييز أشكال التراث المختلفة في مصر بدلاً من الاستمرار في طمس وتدليس التراث.

بالفعل ملف ‏ قضايا الأقليات وشعائرهم في مصر ملف مهمش منذ عقود ولكن هذه المرة قد ينتهي إلى طمس هوية كاملة، فالمركزية الإفريقية أصبحت قائمة على المبالغة في دور الأفارقة السود تجاه العالم والتقليل من دور باقي الأجناس.  تقول البنداري: “إن فئات السود والفئات العرقية الأخرى هي هويات وبنيات حديثة تطورت في الفترة الحديثة، ومن الصعب تطبيقها على سياقات تاريخية سابقة أخرى مثل مصر القديمة”. في هذه الإشكالية يقول  ديتس “في نهاية المطاف، عندما نقول كلمة “إفريقيا”، فإن الناس لا يفكرون في شمال إفريقيا أو جنوب إفريقيا التي تضم عددًا كبيرًا من السكان البيض، بل يفكرون في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في المنتصف”. وأضاف  ديتس أنه من الصعب القول إن المصريين القدماء لم يكونوا عربًا، موضحًا صعوبة تحديد تاريخ محدد عندما أصبح الفراعنة بيضًا ثم سودًا ثم عربًا.

ويتفق البنداري وهاينز وديتس على أن مصر كانت دائمًا على مفترق الطرق لإفريقيا وآسيا وأوروبا ومنطقة من الاختلاط العرقي والثقافي، بالنظر إلى تجارة الرقيق العربية والمهن المتعددة التي شهدتها. يمكن استخدام هذا الإجماع كحجة ضد ادعاءات المركزية الأفريقية فيما يتعلق بمصر القديمة.

نهاية احتلال أم فقدان هوية؟

يقول إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق” أن توجهات القوى الكبرى لخلق إشكاليات ما بعد الاستعمار هي من الأساس قائمة على صورة مزيفة صنعها الغرب ضد الشرق، هذه الصورة قام بتزييفها المستشرقون والمستكشفون ومن بينهم الشعراء والمؤرخون منذ بداية الحملة الفرنسية على مصر. وحدد سعيد علاقة الغرب والشرق بمركز وهامش، فترى الدول العظمى -الاحتلال الأوروبي- نفسها كمركز والدول المحتلة كهامش ومن ثم يرى أن الرجل يحدد نفسه كمركز في حياة المرأة وحيزها كهامش في حياته. ويعتقد سعيد أن انتهاء هذه المركزية الغربية لن ينتهي بمجرد خروج الاستعمار بل قد يمتد إلى فساد بين الشعوب التي تم احتلالها ومن ثم المزيد من الحروب الأهلية وإراقة الدماء مما قد يمهد أرضًا صلبة للمحتل لتهميش وتشويه المزيد من الحقائق والهويات لهؤلاء الشعوب.

عند تطبيق نظرية سعيد تتجلى محاولة “أفرقة” التاريخ وكأن هذه الأقليات السوداء في أمريكا تم طمس هويتها بالفعل لتكون ‏عجينة سلسة وأداة لتكفين ودفن خلفيات ثقافية وتراثية لشعوب أخرى كما فعل الاستعمار بالثقافات المصرية والفلسطينية والهندية ‏وحتى بثقافات الأمريكيين الأصليين. لعل هذا بالفعل يحدث بين العرب فهناك اتجاه تعريب كل ما هو مصري وأول ذلك ‏المطبخ المصري ونسبه إلى شعوب السعودية والمغرب فنسمع بالبصارة المغربية والمطبق السعودي. من المدهش أن عند البحث ‏في الثقافات العربية والأفريقية تظهر جوانب ثقافية وفنون شتى تجعل لكل ثقافة قيمتها الإنسانية والحضارية. ‏

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here