جيمي كارتر.. الرئيس الذي أثار الجدل حتى في رحيله

بعض الأصدقاء سألوني بدهشة أو استنكار عن سبب كتابتي بوست على "فيسبوك" للترحم على الرئيس الأسبق چيمي كارتر، بينما ذهب آخرون لوصف ما كتبته بالخيانة لأنه كان رئيسًا أمريكيًا، فمن يتعاطف مع رئيس أمريكي فهو خائن طبقا لوجهة نظرهم، فيما لا يزال البعض يراه رمزًا لمعاهدة كامب ديفيد التي يعتبرونها ورطة تاريخية لمصر. ومن زاوية دينية، هناك من يرى أن الترحم عليه غير جائز -من بابه- لأنه ليس مسلمًا.

هناك فروق

كثيرون يرون أمريكا كتلة واحدة متجانسة، غير مدركين الفروق بين إداراتها ورؤسائها واتجاهاتهم السياسية المختلفة، من المنطقي أن نفرق بين قوى السلطة ونشجع “الحمائم” الذين يحاولون التخفيف من السياسات القمعية أو العدوانية، حتى لو كانوا جزءًا من المنظومة ذاتها، فإذا كان بعضنا يشيدون بالحمائم ودعاة السلام من داخل أنظمة الحكم القمعية، فلماذا يرفضون ذلك إن كان يخص رئيس أمريكي قام بشئ مختلف طبقا لقناعاته الشخصية بالمخالفة للمؤسسات والتوازنات الأمريكية التقليدية؟.

جيمي كارتر - رويترز
جيمي كارتر - رويترز

جاء جيمي كارتر إلى السلطة عام 1977، في وقت عصيب على الولايات المتحدة. فكان بعد حرب فيتنام وهزيمة الولايات المتحدة بها، وجاء كذلك خلفا للرئيس الأمريكي نيكسون الذي استقال بعد تورطه في التجسس على خصومه عام ١٩٧٤، بالإضافة للأزمة الاقتصادية وأزمة النفط.

ولكن الذي يهمنا أكثر هو دوره في الصراع العربي الإسرائيلي، بعض الأصدقاء خصوصا من التيار القومي الناصري يعتبرون أن معاهدة السلام كانت جريمة، كانت معاهدة إذعان واستسلام للعدو وبيع وتفريط، إلا أنه في المقابل هناك من يرى أن كارتر كان الرئيس الأمريكي الوحيد الذي مارس ضغطًا جديًا على إسرائيل لتحقيق اتفاق سلام حقيقي، على عكس غيره من الرؤساء الذين تعاملوا بازدواجية ولم يضغطوا على إسرائيل مطلقًا، ورغم أن معاهدة كامب ديفيد كانت مركزية في سياسته، إلا أنه رأى فيها مقدمة لتسوية أوسع تضمن إقامة دولة فلسطينية.

سلام لا فصل عنصري

كارتر له كتاب شهير بعنوان “فلسطين: سلام لا فصل عنصري”، وصف فيه سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين بأنها تمييزية وقمعية، لم يسلم كارتر من اتهامات اللوبي الصهيوني له بمعاداة السامية بسبب هذا الموقف، ولم يسلم أيضا من اتهام القوميين العرب بأنه من ورط مصر في معاهدة السلام وساهم في ضياع القضية، لكنه رد بأنه أكثر من سعى لجلب السلام لإسرائيل، عبر حلول عادلة تضمن حقوق الفلسطينيين.

جيمي كارتر كان أكثر رئيس أمريكي حاول نصرة الفلسطينيين والدفاع عنهم رغم كل التوازنات المعروفة ورغم قوة اللوبي الصهيوني حول العالم، ولا يجب تقييمه بمعايير الناشط السياسي العربي

بعد اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس في أكتوبر 2023، كان مركز كارتر من أوائل المؤسسات الأمريكية التي دعت إلى وقف إطلاق النار، في وقت التزمت فيه الإدارة الأمريكية الصمت أو دعمت القصف الإسرائيلي، وبشكل عام، كان كارتر مدافعًا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.وكان له دور كبير في الوساطة ومحاولة حل نزاعات عدة حول العالم، مثل الصراعات الأهلية في السودان، وكذلك عمل على تعزيز التحول الديمقراطي في دول مثل تايوان وكوريا الشمالية.

في عام 2005، حذر كارتر في كتابه “قيمنا المهددة: أزمة أمريكا الأخلاقية” من صعود التيار المسيحي المتطرف وتأثيره السلبي على السياسة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بعدائه الثقافي للمسلمين ودعمه الأعمى لإسرائيل.

مقابلة كارتر

أتذكر مقابلتي له عام 2012، وبعض المراسلات بشكل شخصي معه في 2013، كان حريص كل الحرص على الانتقال الديمقراطي السليم في مصر، وأعرب عن حبه الشديد لمصر وشعبها، وكذلك الشعب الفلسطيني.

تحدثنا كثيرا عن الصراع العربي الإسرائيلي، وعما تفعله إسرائيل من انتهاكات في حق الشعب الفلسطيني، وحدثني عن حجم الضغوط التي يتعرض لها بسبب تعاطفه مع الحق الفلسطيني، وعن تقديره الشديد وحبه لمصر وآماله في أن تصبح مصر دولة ديمقراطية يتمتع أهلها بالحكم الرشيد والحرية التي تسمح بالإبداع وإطلاق الطاقات للابتكار.

أحمد ماهر وجيمي كارتر - صورة من الحساب الرسمي لماهر على فيس بوك
أحمد ماهر وجيمي كارتر - صورة من الحساب الرسمي لماهر على فيس بوك

بسبب انتقاده للعديد من السياسات والإجراءات في 2013، 2014، كان هناك من التصريحات المناوئة له في بعض الصحف والمواقع المصرية الموالية وقتها، ولعلنا نتذكر انسحاب مركز كارتر من التواجد في مصر عام 2014، وإصداره بيان يفسر ذلك بسبب استشعار تراجع مساحة الحريات.

حتى في السياسة كان كارتر مختلفًا، فقد خسر كارتر الانتخابات أمام رونالد ريجان بسبب مواقفه التي اعتبرها البعض غريبة على رئيس يحكم الولايات المتحدة، أو مواقف مبدئية وخارج التوازنات المعتادة كمان يصفها بعض المحللين ولكنه استمر في لعب أدوار مهمة لدعم السلام والديمقراطية، وبشكل عام لا يمكن إنكار أن كارتر كان شخصية استثنائية في السياسة الأمريكية، نجح في تحقيق مواقف أخلاقية نادرة في عالم مليء بالتناقضات

ومن رأيي أنه من الخطأ وضع الجميع في سلة واحدة، أو اعتبار أن كل ما هو غربي أو أمريكي فهو شر في حد ذاته، فچيمي كارتر كان أكثر رئيس أمريكي حاول نصرة الفلسطينيين والدفاع عنهم رغم كل التوازنات المعروفة ورغم قوة اللوبي الصهيوني حول العالم، ولا يجب تقييمه بمعايير الناشط السياسي العربي، فـ للسياسة الدولية قواعد أخرى، فكما يشيد بعضنا بالإصلاحيين والحمائم ودعاة التهدئة من داخل النظم السلطوية أو القمعية، يجيب علينا كذلك إعطاء كل ذي حق حقه وتثمين المواقف الشجاعة أو المختلفة في الجانب الآخر، حتى لو كانت لا ترضي تطلعاتنا.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة