"بقالي قرب 50 سنة في الشغلانة دي.. عمري ما شفت الناس بتشتري بالكمية دي والتنوع ده.. كبيرة الحجم وثقيلة تنفع للبيوت.. الحركة قبل كده كانت خفيفة جدًا بس دلوقتي البيع شغال كويس".

حتى أسابيع قليلة، لم يخطر ببال "محمد علي" أن يُغادر كرسي محله بوسط القاهرة ليجيب الزبائن الذين ازداد ترددهم على متجره رغبة في شراء خزانات حديدية ومصفحة لم تكن تجد راغبها إلا في فئات محدودة.
"بص التفسير الوحيد المنطقي في دماغي للحكاية دي إن الناس بتحاول تنقذ نفسها بمدخرات تعينها ع اللي جاي.. محدش عارف ايه هيحصل بعدين.. أدينا شايفين الدولار طالع ما فيش حاجة قادرة توقفه وما احناش عارفين التعويم الجاي امتى.. الأسعار كل ساعة فيها زيادة جديدة.. الناس فقدت الثقة في كل شيء إلا اللي بيقدروا يحوشوه هما".
كذلك، لم يتوقف الطلب على الخزانات على المحال التجارية، ولكنه تنامى بشكل أوسع عبر شبكة الإنترنت، فمجرد منشور دعائي لإحدى الشركات على مواقع التواصل الاجتماعي تلقي ناشروه قرابة 150 استفسارًا عن السعر في 24 ساعة فقط.
هل يشهد مجتمعنا تغيرات عنيفة؟
قبل أسابيع، حذر هاني توفيق الخبير الاقتصادي المعروف، من تغيرات اجتماعية واقتصادية عنيفة قد يعاني منها المجتمع المصري مستقبلًا بسبب الضغط الاقتصادي.

يقول: "قد نتفاجأ بحوادث سرقة وقتل لأسباب تافهة، أو مشاجرات اشتعلت وتطورت بسبب التدهور النفسي والمادي الذي يعانيه المصريون الآن، وستدهشنا هذه الجرائم لكن مؤشرات حدوثها قوية في ظل الوضع الراهن".
اقرأ أيضًا: متى تعوّم مصر الجنيه؟
التخوف والقلق المتصاعد هو ما يفسر به "توفيق" اتجاه المصريين حاليًا إلى التحوط بتأمين مدخراتهم، خوفًا من أي وضع غير مستقر قادم باتوا يشعرون أنه قريب أكثر من أي وقت مضى.
ولعل هذا الشعور هو ما يعزز الحركة التي يشهدها محل "محمد علي" لبيع الخزانات. يقول: "الزبون دلوقتي بيسأل على حاجات محددة، خزنة مقاومة للحريق ومضادة للسرقة.. أكثر طلب على الخزن المِحَملة صُلب تقيل ووزنها يوصل لـ 60 كيلوجرام، وليها قفلين أو أكتر بمفاتيح مختلفة، ولا تفتح إلا لما يكونوا مع بعض وسعر الواحدة منها لا يقل عن 15 ألف جنيه وطبعا الخزن اللي فيها إنذار".
"الأزمة الحالية ممتدة وسيزيد عمقها لأنها مصحوبة بأزمة سياسية واقتصادية في العالم كله، وستطول آثارها جميع فئات الشعب، سواء منتجين أو مستهلكين كل حسب درجته، وهذا يدفع الجميع إلى ضرورة الحرص في تعاملاتهم المالية"؛ يقول "توفيق".
حتى العام 2022، كانت مصر تحتل المركز الثالث عربيًا بمعدلات الجريمة، مع زيادة جرائم القتل العمد بنسبة 130%، والسرقة بالإكراه 350%، إضافة إلى وجود 92 ألف بلطجي وارتفاع المسجلين خطر بنسبة 55% خلال السنوات القليلة الماضية، بحسب دراسة عن المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية.
المصريون يثقون في "البلاطة" أكثر من الحكومة
يقول صلاح الدين فهمي، رئيس وحدة الأبحاث العلمية بالمركز الدولي للاستشارات الاقتصادية، إن المصريين معروف عنهم ميلهم للاحتفاظ بالأصول وتجنب المخاطرة. واليوم هم مدركون أنهم بحاجة أكبر لادخار أي قيمة يتمكنون من ادخارها في ظل ضعف العائد على الجنيه المصري. صحيح أن الفائدة ارتفعت ومن المفترض أن يحمي هذا الجنيه إلى حد ما، لكنها لا تزال سلبية حال مقارنتها بمستويات التضخم.

في أوائل 2024، رفعت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي إلى مستوى 21.25%، 22.25% و21.75% على الترتيب، بينما بلغ التضخم 33.7%، ما يعني أن الفائدة الحقيقية (الفرق بين التضخم والفائدة البنكية) يتجاوز 11%.
وهو ما يراه "فهمي" سببًا منطقيًا في دفع المصريين نحو الاحتفاظ بالمدخرات أكثر من أي وقت مضى.
"محدش فاهم حاجة والأزمة كبيرة والإشاعات كتير عن التعويم وفيه شوية عايزين يحققوا أرباح مضاعفة مستفيدين من الفجوة الكبيرة بين الدولار في السوق السوداء والرسمية والمصريين في النص بلا حماية".
في كتابه "عادات وتقاليد المصريين المحدثين"، الصادر قبل 188 عامًا تقريبًا، يفسر المستشرق الإنجليزي إدوارد وليام لان سلوكيات المصريين في أوقات الأزمات، فيقول: "إن المصري إذا حاز مبلغًا من المال يفوق احتياجاته يشتري به ذهبًا لزوجته لأنه سهل التسييل والتحويل إلى نقود مرة أخرى. وهذا يتم بعيدًا عن أعين مسؤولي الدولة الذين لا يثق فيهم، وهو ما يفسر عادة إخفاء الأموال بالمنازل تحت البلاط".
مع الوقت، لم تغادر هذه العادة المصريين، مع ازدياد شكهم في قدرة حكوماتهم المتعاقبة على حل أزماتهم، وقد تحولت مؤخرًا مع تفاقم أزمة مصر الاقتصادية إلى الخزانات المصفحة؛ وسيلة آمان للاحتفاظ بالدولارات أو الذهب باعتبارهما القيمة الوحيدة الثابتة أمام الجنيه الذي يعاني انهيارات كبيرة، وبات الأمر وكأنما لكل بيت بنك مركزي خاص يؤمنه، ويقيه عثرات البنك الرسمي.
سياسات الحكومة سبب في اختفاء الدولار
نهاية يناير الماضي، سجل صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي لدى البنك المركزي من العملات الأجنبية 35.249 مليار دولار، مقارنة بـ 35.219 مليار دولار في نهاية شهر ديسمبر 2023، بارتفاع قدره 30 مليون دولار فقط.
أمام ذلك، يدعي إعلاميون مقربون من الحكومة، توافر 60 مليار دولار ببيوت المصريين و100 مليار دولار لدى رجال الأعمال المصريين في الخارج، الذين يتهمونهم بـ"مخزني الدولار" والمتعاملين بالسوق السوداء، ويحملونهم مسؤولية الوضع الحالي.

وهو ما لا يقبله أحمد شيحة، عضو لجنة المستوردين بالغرفة التجارية، والذي يؤكد أن قرارات وقوانين الحكومة هي ما أوصلت الوضع إلى المرحلة الحالية، حيث "يُنظر لمن بحوزته الدولار على أنه مُجرم"، ويُسمح للإعلام المحسوب على الحكومة بترويج ذلك وشيطنته، إغفالًا للأزمة الحقيقية وإعفاءً للحكومة عن مسؤوليتها.
ويشير "شيحة" إلى السياسات التي تشمل رفض البنوك استلام الدولار من المستوردين دون معرفة مصادره، ما يُعيق حركة التجارة ويؤدي إلى تراكم الدولار خارج القطاع المصرفي، بينما يبيع المُصدرون الدولار حصيلة تصديرهم للمستوردين بسعر السوق السوداء.
اقرأ أيضًا: الأسعار نزلت؟ آه.. الشارع اللي وراه
وقد طبقت بعض البنوك، في يناير الماضي، قرارًا بوقف قبول الدولار مجهول المصدر، بداعي أنه السبب في رواج السوق الموازية للدولار واتساع الفجوة بين السعرين الرسمي وغير الرسمي، وهي خطوة تم تفسيرها حينها على أنها ستتبع بترشيد لعمليات الاستيراد للسلع غير الأساسية.
الدولار متخزن في انتظار التعويم
"عبدالرحمن. ب"، تاجر سيارات، يقول إن قطاع من تجار السيارات وقطع الغيار الكبار احتفظوا بكميات كبيرة من العملة الصعبة في خزائن بمنازلهم لتمويل عمليات فتح الاعتمادات المستندية مستقبلًا، خاصة بعدما وقعوا في مشكلات مع المصنعين في الخارج بسبب عدم تحويل قيمة الصفقات في المواعيد المُحددة.
سجلت سوق السيارات في مصر خلال العام الماضي مبيعات نحو 90 ألفًا و359 مركبة متنوعة مقابل 184 ألفًا و771 وحدة عام 2022 بنسبة انخفاض قدرت بنحو 51% في ظل الارتفاع الكبير بالأسعار ونقص المعرض، طبقًا لتقرير مجلس معلومات سوق السيارات "أميك".
"الدولار والدهب أكتر حاجة بتحفظ القيمة عند ناس كتير، لا جنيه ولا غيره بقى، وعشان كده راجت سوق الخزن، والموضوع مش عند مواطنين قد ما التجار نفسهم بيعملوا كده دلوقتي.. بيحطوا الخزن دي في شقق مش بتاعتهم بتاعت قرايب ليهم مثلًا أو حتى متأجرة باسم عمال، عشان لو حد بلغ عنهم من عملائهم".
"م. ج" واحد من هؤلاء، اشترى خزانة كبيرة ليضعها في منزل خاص بعيدًا عن محله. يقول: "كل تجار الذهب عندهم دولار ومشغولات في بيوتهم.. كتير منهم أساسًا بتبقى هداياهم لبناتهم وزوجاتهم.. كميات ذهب كبيرة.. والحملات الأمنية بقت كتيرة في الفترة الأخيرة على سوق الدهب.. لازم أعين شوية دهب ودولارات في مكان آمن للي جاي".
وقد شنت الأجهزة الأمنية حملات كثيفة خلال الفترة الأخيرة على محال الذهب في جميع المحافظات، وألقت القبض على كثير من تجار العملة بمضبوطات قدرت بعشرات الملايين، ما أصاب السوق السوداء بحالة من الشلل وتوقف البيع والشراء للدولار بغالبية محال الذهب.
كيف تعكس الخزانات ما هو أكبر من أزمة؟
الأزمة الاقتصادية الراهنة تبدو أكبر مما شهدته مصر في التعويم الأول للجنيه في العام 2016، وإن تشابهتا في رواج مبيعات الخزانات.
يرى عدد من الخبراء أن الاقتصاد المصري يعاني حاليًا من بوادر مرحلة الركود التضخمي في ظل مستويات التضخم المرتفعة وانخفاض القوى الشرائية للمواطنين، التي لم تعد قادرة على مواكبة الزيادة في أسعار السلع، وأحجمت بالفعل عن شراء بعضها.
ومع وجود تراجعات في قيمة الجنيه، أصبح التحول نحو وسائل أخرى لحفظ القيمة دارجًا، وفي ظل صعوبة تسييل العقار "بيعه" وقت الحاجة، اختار عدد كبير من المصريين الذهب الذي سجل مستويات قياسية وكذلك الدولار الأمريكي، فتحولا إلى سلعة زاد عليها الطلب فارتفعت قيمتها بشكل أكبر.
هنا، يقول الاقتصادي هاني توفيق إن فقدان الثقة لم يدفع الناس إلى تحويل مدخراتهم إلى الدولار (الدولرة) أو الذهب فقط، ولكن مع تشديدات وسياسات التعقب الحكومية، سحب الناس هذه الدولارات وخزنوها في أماكن خاصة، وهو أمر يؤثر بشكل بالغ على معدل دوران السيولة في النظام المصرفي، ومن ثم المجتمع ككل، فيضعف النشاط الاقتصادي الراكد في الأساس.