في السعي نحو العدالة

 

على فضاء مواقع التواصل الاجتماعي ينتشر هذا المقطع الساخر من مسلسل كرتوني قديم، يوظفه رواد المواقع كلما واجهوا سؤال وجودي عن الحياة.

يراود هذا السؤال ذهني كلما ذهبت إلى ممارسة عملي في ظل الأوضاع التي تعاني منها مهنة المحاماة بشكل خاص، والظروف الاقتصادية والاجتماعية بل وأيضا السياسية التي تؤثر على منظومة العدالة بشكل عام.

ينص دستور الجمهورية على أن "المحاماة مهنة حرة، تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة وسيادة القانون..."[1]، كما أقرت المحكمة الدستورية العليا في حكم لها أن "المحاماة في أصلها وجوهر قواعدها مهنة حرة، يمارسها المحامون على استقلال، لا سلطان عليهم في ذلك إلا لضمائرهم وحكم القانون، وهم بذلك شركاء للسلطة القضائية يعينونها على توكيد سيادة القانون والدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم، ويعملون معها من أجل تحقيق العدالة كغاية نهائية لكل تنظيم قانوني يقوم على إرساء الحق وإنفاذه..."[2]

وفي المحاكم، تسيطر على رواد قاعاتها الصورة الذهنية لمقولة "العدل أساس الملك" أو الآية القرآنية المكتوبة بحجم عريض "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل...".

العدل، والعدالة هما المفهومان المسيطران على كل النصوص السابقة، وتحقيقهما هما الغاية المثلى لكافة المشتغلين بالقانون، لكن أي عدل هذا، وأية عدالة؟!

لا يوجد مفهوم واضح ومحدد لمعنى العدل بين الناس، صحيح أن المجتمعات قد تتفق على أطر وحدود أساسية لمفهوم العدل، إلا أنه يوجد تباين واضح من منظور كل شخص لماهية تحقق العدل أو العدالة عندما نأتي لتحقيق مصالحه، فالمتهم يتحقق له العدل من منظوره في حكم المحكمة ببراءته، والمجني عليه يتحقق له العدل من منظوره في توقيع أقصى عقوبة ممكنة على نفس المتهم حتى ولو عاقبته المحكمة حتى بالإعدام! وإذا ما قارنا بين مفهومي العدل والصحة مثلا، سنجد أننا نستطيع الاتفاق على أن هذا المواطن أو ذاك يتمتع بصحة جيدة من عدمه، وسنجد أننا على دراية تامة بالأسس العلمية الطبية التي تضفي على مجتمع ما تمتعه بالصحة أو بالمرض، أما أن نوصف نفس المجتمع بأنه مجتمع عادل وأن القوانين التي تسري على مواطنيه بأنها عادلة فهذه غاية من الصعب تحقيقها.

ومن هنا تُفرض على النفس أسئلة أكثر شمولا حول مفهوم العدل، ومتى نستطيع أن نعطى قانونا ما صك بأنه قانون عادل، وإذا ما حققنا عدالة نصوص هذا القانون كيف لنا أن نضمن تطبيقها على نحو عادل؟

يمكن تعريف القوانين بأنها قواعد منظمة تعطي للمواطنين بعض الحقوق وتفرض عليهم في ذات الوقت بموجب هذه القواعد بعض الواجبات، وهناك قوانين موحدة تسري على الجميع دون تمييز فلا يحق لأي شخص كان أن يرتكب فعلا مثل السرقة، وعلى جانب آخر يحق لكل الأطفال مهما كان مستوى أسرهم أن يتمتعوا بتعليم مجاني بقوة القانون، ومن هنا يخلق مفهوم آخر وهو المساواة.

بمعنى أننا يمكننا أن نتفق أن القوانين العادلة هي التي تعامل كافة المواطنين على قدم المساواة، فإذا غابت هذه المساواة في القانون لأي سبب كان، فإنه من الواجب أن تكون غائبة لتحقيق العدالة في توزيع تلك الحقوق أو هذه الواجبات. ولأنه من الصعب إرضاء كافة الفئات إذا ما كانت القوانين تتعامل معهم ومع الظروف المحيطة بكل فئة منهم على نحو صارم وحازم، مع عدم مراعاة الفروق الفردية التي تجمع صفات هذه الفئات، فإنه يكون من الصعب بالتالي خلق الثقة في النظام المعني بتطبيق هذه القوانين.

إن فقد الثقة في نظام العدالة يؤدي إلى مشكلات اجتماعية جمة تهدد وجود الدولة ذاته إذ يلجأ الأشخاص العاديون إلى فرض الحقوق التي يرونها أساسية لوجودهم بأيديهم بالقوة، ولا يأتمرون في ذلك إلى القوانين التي تضعها الدولة أو إلى الطرق القانونية والقضائية الصحيحة لكسب هذه الحقوق فتخلق في المجتمع الفوضى، وعلى الجانب الآخر فلا يوجد استقلال حقيقي للقاضي على منصة القضاء، فهو في النهاية يرتبط بنظام أعم وأشمل يطلب منه الالتزام به في تحقيقه للقضايا التي تؤول إليه في إطار ومظلة النظام القضائي والتشريعي العام، فلا يستطيع إهمال قوانين يراها هو بمنظوره العملي المستقل لا تصلح للتطبيق، ولا يستطيع أيضا خلق مبادئ جديدة يرسي بها عدالة يراها قبله دون الرجوع إلى القواعد العامة والمبادئ الدستورية دون القانون المشرع، فيتم في النهاية تطبيق هذه القوانين تطبيقا جائرا وحازما على الكافة دون مراعاة ظروف كل قضية على حدة مما يعني نشر إحساس الظلم بين الناس.

تحتل مصر في السنوات الثلاث الأخيرة مركزا متأخرا في التقرير السنوي لمؤشر العدالة وسيادة القانون العالمي[3]، يعتبر المؤشر أن تفعيل سيادة القانون يتحقق من خلال عدة عوامل وهي الحد من الفساد ومحاربة الفقر والمرض وحماية المواطنين من الظلم، وهو الأساس الطبيعي لخلق مجتمعات عادلة وإتاحة الفرص لكافة المواطنين وإشاعة السلام بين الناس، وهو ما يعكس الصورة على أرض الواقع بالنسبة لمنظومة العدالة في مصر، فربما يجب علينا العودة إلى المفاهيم الأساسية للعدل والمساواة والإنصاف لعلنا نتدارك الأخطاء قبل وقوع الكارثة.

 

[1]  المادة 198 من دستور جمهورية مصر العربية الصادر عام 2014 وتعديلاته.

[2]  المحكمة الدستورية العليا في حكمها الصادر بتاريخ 18 مايو 1996، في الطعن رقم 38 لسنة 17 قضائية دستورية.

[3]   https://worldjusticeproject.org/rule-of-law-index/country/2023/Egypt%2C%20Arab%20Rep./

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة