تسائل الملياردير نجيب ساويرس على حسابه على تويتر عن رأى متابعيه في اقتراح كانت قد اقترحته الراحلة تهاني الجبالي بقصر حق التصويت على المتعلمين ومنع غير المتعلمين من ممارسته. وأنا لم أطلع على اقتراحها بالتحديد ولكن كثيرا ما أسمع نفس الفكرة تتردد بين بعض النخب والمثقفين وأتجاوزها دون الكثير من التفكير في خلفياتها ومعانيها لتأكدي من استحالة تنفيذها بشكل رسمي، وإن كان الحال في أرض الواقع يقول أن الجميع محرومين من ذلك الحق أساسا وليس غير المتعلمين فقط.
ولكن الحاجة لمناقشة ما تطرحه النخبة من أفكار – وقد أصبحت ملحة قبيل الانفتاح المرتقب – تدفعني للسؤال عن ماذا لو وضعنا هذه الفكرة على مائدة العشاء الفكري، فهل يمكننا “كدعاة للحرية” أن نتناولها ونهضمها؟
اقرأ أيضًا:الشعب يريد إصلاح الاقتصاد
نبدأ بالناحية الأخلاقية، فحق تقرير المصير الذاتي للانسان، هو التجسيد العملي للحرية، فبدون أن يمتلك الإنسان حق اختيار مستقبله والموافقة على ما يتخذ من قرارات عامة تؤثر عليه أو على الأقل مناقشتها والتعبير عن قبوله ورفضه لها أو لبعض جوانبها، يكون قد فقد جزء عظيم من حريته وتحول إلى ما يشبه العبد، فهل يكون الحرمان من التعليم مسوغا للعبودية؟ يرى البعض أن الشخص غير المتعلم غير مؤهل لاتخاذ القرارات المصيرية وهو وإن كان لا يمكن حرمانه من أهليته في التصرف في ممتلكاته ومصيره الشخصي فيمكن حرمانه من التدخل في تحديد مصير غيره من المتعلمين ذوي الأهلية والرشادة في الاختيار.
ولكن الواقع والتاريخ يخبراننا أن السذاجة أو التعصب اللذين يمنعان الإنسان من التفكير بشكل رشيد والانحياز سياسيا بشكل ناضج ليست حكرا على غير المتعلمين، فالشعب الألماني الذي ناصر الحزب النازي وقاتل دفاعا عن حكمه حتى انهيار ألمانيا وتقسيمها كان من أكثر الشعوب ثقافة وتعليما في تلك الحقبة وكانت أسباب انخراط الألمان في صفوف النازية نابعة أساسا من الفخر القومي الذي غذته نظم تعليمية وتثقيفية مصممة من أجل إذكاء النظرة المتعالية للآخرين باعتبارهم أقل شأنا و”ثقافة”. والحكومات السوفيتية المتعاقبة والتي جرت على يدها المذابح تلو الأخرى ضد الأقليات الواقعة تحت سلطتها والشعوب الواقعة تحت نفوذها في أوروبا وآسيا لم تقم بسبب نقص الثقافة أو الجهل المنتشر في الاتحاد السوفييتي، بل العكس، فلقد كان الاتحاد السوفييتي من أشد الامبراطوريات اهتماما بالتعليم والثقافة بل إن المظلة الشيوعية التي أسبغت عليه الشرعية هي مظلة فلسفية بالأساس. ولا يمكن القول بأن الإبادة التي تقوم بها إسرائيل ويدعمها الغرب الآن ضد الشعب الفلسطيني تنبع من اختيار تسبب فيه الجهل أو نقص التعليم، فالمجتمع الاسرائيلي والمجتمعات الغربية المناصرة له هي الأعلى في مستويات التعليم في العالم حاليا. ومن هذه الأمثلة وغيرها يمكن إثبات بسهولة أن المجتمعات المتعلمة بل والمثقفة ليست محصنة ضد سوء الاختيار وليست منيعة من السقوط في فخ الشعبوية والتعصب والاضطهاد.
ولا يعني ما سبق أن العلم والجهل يتساويان، فبالتأكيد أن شخص يمتلك وسائل للمعرفة والاطلاع سوف يكون أكثر قدرة على الإحاطة بجوانب لا يمكن لمن لا يملك وسائل المعرفة من الإحاطة بها وأعتقد أن شخص حصل على مستوى تعليمي جيد سوف يكون أكثر قدرة على تحليل الأمور وفهمها بشكل أفضل من شخص لم يحصل على نفس المستوى التعليمي ولكن ..
إن مسئولية وصول التعليم الجيد لجميع فئات المجتمع وطبقاته الاجتماعية هو مسئولية الدولة أولا وأخيرا، وعدم حصول البعض على حقهم في التعليم لا يعني أن يتم حرمانهم من حقهم في الحرية، بل يجب أن يعني حرمان من حرمهم الحق في التعليم الجيد من الوجود في السلطة، ويعني أن على المجتمع أن يدافع عن حق جميع أفراده في الحصول على مستوى من التعليم يرفع من مستواه المعيشي والفكري وينعكس بالتالي على اختياراته السياسية وانحيازاته الثقافية من أجل الصالح العام.
فببساطة، لو تصورنا مجتمعا يسعى للتحرر بإنشاء نظام جديد فيقرر حرمان غير المتعلمين – الذين هم بالضرورة سوف ينتمون لطبقة الفقراء في ذلك المجتمع – من الحق في المشاركة السياسية ليحمي باقي الفئات المتعلمة من احتمالية اختيار غير المتعلمين الخاطئ فإنه بذلك سوف يؤدي لتجاهل السلطة والأحزاب في ذلك المجتمع لمصالح تلك الفئة أكثر وأكثر في المستقبل – طالما لا يحق لها المشاركة في اختيار من يحكم ومن يشرع – وبالتالي تزداد الهوة في الاتساع وتحجب عنهم الموارد اللازمة لتحسين مستويات معيشتهم.
وبالمناسبة فهذا ما نراه يحدث في الواقع ضد الفقراء والمهمشين في المجتمعات المتوحشة، فكلما زادت الفروق الاجتماعية فيها بين الفقراء والأغنياء كلما ابتعدت مصالح النخب السياسية عن مصالح الفقراء وكلما أدى ذلك للمزيد من حرمان الفقراء من الموارد العامة التي تقرر النخب إلى أين توجه وبالتالي يزداد الفقر ويزداد الحرمان. وهذا هو في اعتقادي سبب طرح هذه الفكرة من الأساس.
والعكس بالعكس أيضًا، فمجتمع يجبره الدستور والقانون على أن يكون للفقراء والمهمشين الحق في المشاركة في تقرير مصيره سوف تدفعه المصلحة المشتركة بين جميع فئاته إلى التضامن فيما بينها لترتفع قدرته الجماعية على التفاهم والتفاوض والتعاون والرقابة على السلطة ويدفع النخب للسعى لزيادة الموارد اللازمة لحصول الجميع على مستوى تعليم محترم ينتج اختيارات أكثر عقلانية وانفتاحا.
فهل مشكلتنا الحقيقية هي مشاركة الفقراء والمهمشين وغير المتعلمين في تحديد مصير المجتمع مثلما تنص الدساتير والقوانين ومواثيق حقوق الانسان أم أن المشكلة في احتكار فئة بعينها لذلك المصير دون رادع من قانون أو دستور أو التزام ديني أو أخلاقي؟



التعليقات