الشعب يريد إصلاح الاقتصاد

 

وفقًا لبيانات البنك الدولي، عن الفترة من نهاية شهر يونيو حتى سبتمبر من العام الماضي، فإن مصر احتلت المركز الأول، على قائمة الدول الأكثر تضررًا، من آثار التضخم على أسعار الغذاء، إذ ارتفعت بنسبة 37%، وجاءت لبنان ثانيًا بنسبة 31%، ورواندا في المركز الثالث بنسبة 15%.

كان ذلك في فترة لم تشهد انفجارًا بركانيًا في مؤشرات الغلاء، كما في الوقت الراهن، حيث تقفز الأسعار ما بين طرفة عين وانتباهتها، كأنثى كانغارو مذعورة في الصحاري الأسترالية.

على أنه إذا كان صحيحًا أن جانبًا من الأزمة، يرجع إلى الاضطرابات السياسية العالمية، وفي الصدارة منها الحرب الروسية الأوكرانية، وما أسفرت عنه من اختلال سلاسل إمداد الغذاء، إلا أن ذلك ليس كل الصورة، فالأزمة في مصر لها جانب داخلي، قد يكون أكثر إيذاءً من العوامل الدولية.

احتلال المركز الأول على قائمة "الأكثر تأثرًا"، حتى قبل لبنان على قلة موارده، ورغم أزمته السياسية المتمثلة في أن الدولة بغير رئيس، أو قل إن شئت "مقطوعة الرأس"، منذ انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون في أكتوبر عام 2022 حتى اللحظة، لا يعني إلا أن هناك خللًا كبيرًا وتخبطًا عميقًا، لا بد من معالجته عاجلًا وليس آجلًا.

اقرأ أيضًا:لمن يبحث عن الحل..

وغنيٌّ عن البيان أن هذه الحقيقة ليست اختراعًا تُسجَّل حقوق ملكيته الفكرية لكاتب هذه السطور، فالخبراء الاقتصاديون "انقطعت أنفاسهم" وهم يدعون إلى إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، وبُحَّت أصواتُهم وهم يصرخون لوقف المشروعات الكبرى؛ تلك الإنجازات الفظيعة، التي جعلت حياة الناس أفظع من فظيعة، لكن دعواتهم كانت "كرفع الآذان في مالطة"، إذ لا أحد يلبي ولا أحد يجيب.

خارطة الطريق لتجنب الهاوية متاحة، غير أن الحكومة لا تسمع، وإذا سمعت تمط بوزها استهزاءً، وهناك حولها طبَّالون يزينون لها أن المشروعات "المظهرية" غير الإنتاجية التي زجت بالبلاد والعباد في جحيم العَوَّز، هي إنجازات غير مسبوقة، وفتوحات لم تحدث منذ آلاف السنين، ولن تحدث حتى يوم يبعثون.

هنا تكمن العلة وبيت الداء.

ادعاء المعرفة ونبذ العلم لدى تنفيذ المشروعات، إلى درجة اعتبار أن دراسات الجدوى "كانت ستؤخر الإنجازات"، والاستغراق في الاقتراض وسد القروض بقروض جديدة، أوصل المحروسة التي نسأل الله أن يحرسها، إلى تصدر قائمة الدول الأكثر معاناةً إثر غلاء الغذاء.

تصريح الدكتور محمد معيط وزير المالية، حين سُئل عن ما ينتوي اتخاذه من إجراءات لتدبير العجز في الموازنة، قبل نحو أربعة أعوام، بأنه سيلجأ إلى مزيد من الاستدانة، يجلي ملامح الصورة، ويميط اللثام عن الخلل.

صحيحٌ أن كل دول العالم تلجأ للقروض، لكن الوضع في مصر يعبر عن حالة نهم لا تنطفئ للاستدانة.

تجارب الدول التي ارتمت في أحضان أو بالأحرى "تحت رحمة" صندوق النقد الدولي، هي مؤشرات وعلامات، على المصير الذي تسير إليه مصر، رغم ضجيج الأكاذيب الإعلامية، وخرافات الرخاء المنتظر، التي لم يعد أحد يصدقها.

اقرأ أيضًا:جنيه فوق الـ60.. سعر الفائدة في “حسبة برما”

لقد صدَّق الناس الوعود مرة تلو مرة.

صدقوها حين قيل لهم إن التفريعة التي جرى تسويقها على أنها قناة جديدة، ستُنزل عليهم من السماء المن والسلوى.

صدقوها حين قيل إن المؤتمر الاقتصادي، سيحقق الرخاء والتنمية، لأن العرب سينقذون مصر كما أنقذت الولايات المتحدة القارة الأوربية بمشروع مارشال بعد الحرب العالمية.

صدقوها حين قيل إن الاقتصاد سيطفو بعد التعويم، فإذا به يغرق في دوامات الغلاء والفقر و"العَوَّز".

وصدَّقوا وصدَّقوا وصدَّقوا، ولم يجدوا شيئًا مما صدّقوه، فإذا بهم يكفرون بكل شيء، أليس "الجوع كافر"؟

الحال صار أشبه بمريض في العناية المركزة، يقول الأطباء إنه يتماثل للشفاء، فإذا به يفقد القدرة على تحريك أطرافه، فيقولون إنه يتماثل للشفاء، فتتدهور وظائف الكبد والكلى، فيقولون مجددًا إنه يتماثل للشفاء، فيدخل في غيبوبة ممتدة.

في حال كهذه، ليس ممكنًا إقناع ذويه أنه يتحسن، كما المواطن الذي يخسر من مدخراته مع كل تعويم، ويجد راتبه يتضاءل أمام الأسعار المتوحشة، ويكابد "كسرة القلب" أمام أطفاله، الذين إذا أصاب الواحد منهم مرض، عجز عن توفير العلاج له.

لن يقتنع المواطن المطحون بترهات بهاليل الإعلام، لو "حلفوا له على الماء فجَمُد" أمام ناظريه.

الوعود التي أثبتت الأيام أنها كلام ليل مدهون بزبدة طلع عليه النهار فذاب، صنعت أزمة ثقة عميقة، واختلقت يأسًا ينشب في صدور الناس، واليأس طاقة مدمرة تخريبية، أشد فتكًا من العبوات الناسفة.

أي محاولة لإقناع جائع بالصبر، ليست ذات تأثير، ومقولة أن الله أرسل لنا عبرةً بمأساة غزة المحاصرة، والتي لا نستطيع إدخال الطعام لها، لن تجد صدى لديه، ذلك أن المقاربة في حد ذاتها مختلة المنطق، فغزة تحت حرب عدوانية إجرامية، وما يَشقُّ على أهلها من مشاق هي جزء من فاتورة النضال التحرري، فأي تشابه يسوغ ضرب المثال؟

منطق "مش أحسن من سورية والعراق" الذي صار الآن "مش أحسن من غزة"، ليس مستساغًا تحت أي مبرر.

لم يعد مقنعًا ولا معقولًا أن تحض السلطة السياسية الناس أن يحمدوا الله كثيرًا، ويبوسوا أياديهم "وجهًا وظهرًا" على نعمة الأمن والأمان، فالأمن بغير سد الأفواه الجائعة، هو أمن هش كسقف بناء تساقط فوقه المطر عامًا بعد عام، فإذا به في لحظة ينهار فوق الرؤوس.

كما أن لقمة العيش لا تدخل في صفقة "إما الأمن إما الطعام"، فالنظام السياسي مسؤول عن توفيرهما معًا.

يقال إذا وُجِد الخبز عمَّ السلام، أي بعبارة أخرى "لا أمان ولا أمن للمجتمع بأسره إذا جاعت الأفواه".. هذه مسلمات بديهية لا تحتاج أن نكرر المكرر لتأكيدها.

مع اندلاع الثورة الفرنسية، كان الجائعون يصرخون في غضب: "استلوا خناجركم فإما الخبز وإما الموت"، ويُنسب للصحابي الجليل أبي ذر الغفاري قوله: "عجبت لمن لا يجد قوت يومه ولا يخرج على الناس شاهرًا سيفه"، وحكمة السبعة آلاف سنة من الحضارة المصرية تختزل الأمر بمثل شعبي جامع مانع: "يا واخد قوتي يا ناوي على موتي".

دائمًا ما يقترن الجوع بالموت، أو بالاستعداد للموت في سبيل سد صرخات البطون.

بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، لم يتسنَ للزعماء الظافرين الزهو بانتصاراتهم، إذ سرعان ما هتفت الحناجر غاضبةً: أين الطعام؟ نحن جوعى، ولمَّا لم يستجب القادة لمطالب الجائعين، ما كان إلا أن أسقطت الانتخابات زعماء لم يجيبوا على السؤال، فجاءت بزعماء آخرين هرعوا إلى تلبية مطالبهم.

تغيير السياسات الاقتصادية ليس عيبًا، بل إن العيب هو التمسك بالسياسات التي لم تؤدِ إلى انعكاس إيجابي على حياة الناس، والمثال واضح كل الوضوح حين ورثت حكومة العمال في بريطانيا البلاد من المحافظين برئاسة الزعيم التاريخي تشرشل بُعيد الحرب، فوجدت نفسها إزاء أزمة البطالة والفقر، فسارعت إلى نقل الاقتصاد من نموذج الرأسمالية المحتكرة الجشعة "الكنود"، إلى الاشتراكية المعتدلة الرحيمة، وفق وصف خالد محمد خالد، في كتابه "من هنا نبدأ".

هذه ليست دعوة لغضبة شعبية، بل تحذير من أن الرماد تحت الصدور، وقد تؤدي رياح الفقر إلى إشعاله، عسى أن يتذكر ويتفكر ويتحرك أولو الألباب.

يروى أن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، كان يتفقد كدأبه الرعية، فألفى نارًا موقدة في الصحراء، فإذا بامرأة تضع فوقها قدرًا فيه ماء وحصى، وحولها عيالها يبكون، فلما استقصى ثاني الخلفاء الراشدين، منها تعليل ما تفعل، قالت ما معناه إنها تُوهمهم بأنها تعد طعامًا حتى يغلبهم النوم، ذلك أنه ليس بحوزتها ما تقيم به أودهم، فأطلق عمر ساقيه للريح إلى مخازن الغلال، فحمل على ظهره منه ما حمل، وكان معه صاحب له قال له: دعني أحمل عنك يا أمير المؤمنين، فأجابه الرجل العظيم: أتحمل عني وزري يوم القيامة؟

الحاجة إلى الطعام ليست تقبل التأجيل، ذلك لارتباطها ببقاء الإنسان.

بعد أيام ستبدأ جولة جديدة من الحوار الوطني، وهذه المرة سيكون الشأن الاقتصادي في صدارة جدول الأعمال، وسيلقي الخبراء برؤاهم وتصوراتهم وسيقدمون خططهم لانتشال البلاد والعباد من الأزمة، فإن لم يستجب النظام السياسي، كما حدث في ملف سجناء الرأي، في الجولة الفائتة، فإن أحدًا ليس بوسعه التكهن بما ستؤول إليه الأحوال، والمؤكد يقينًا أن الإجراءات الأمنية الخشنة لن تنهي الأزمة، ولن تدرأ الخطر، وإن كبتت الغضب في الصدور بعض حين.

الشعب يريد إصلاح الاقتصاد، وكل الأزمات الكبرى في التاريخ، وقعت لأن الشعوب تريد، وأولو الأمر لا يستجيبون.

 

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة