لا شك أن منطقة الشرق الأوسط تشهد تغيرًا جذريًا وتحولًا بدأ في السابع من أكتوبر بهجوم المقاومة الفلسطينية في الداخل المحتل، وما أعقبه من تصعيد إسرائيلي وعملية إبادة جماعية وتجويع منظمة ينفذها جيش الاحتلال داخل القطاع، إلا أن ما يفاقم الوضع سوءًا هو ما يلي ذلك من توترات إقليمية تتصاعد مع محاولة الولايات المتحدة زيادة نفوذها المتلاشي في المنطقة لردع أذرع المقاومة التي تمولها إيران، في سبيل الحد من صعود قوة جديدة تشكيلًا وتكتيكًا، تهدد المصالح الصهيو أمريكية في المنطقة.

وقد بدأت التحركات بالمدمرتين أيزنهاور وجيرالد فورد، ومن ثم تأسيس تحالف "حارس الازدهار" في 19 ديسمبر 2023، ثم توجيه ضربات نوعية لأهداف في مناطق سيطرة الحوثيين باليمن في 12 يناير.
وقد استمر هذا التكتيك الأمريكي في التعاطي الحذر مع زيادة الحوثيين وتيرة التوترات في البحر الأحمر، عقب عمليات استيلاء على سفن يشتبه في ملكيتها الإسرائيلية ردًا على حرب غزة، الأمر الذي أضر بالملاحة التجارية في البحر الأحمر وقناة السويس.
لكن سرعان ما تطور الأمر بعد هجوم نُفذ بطائرة مسيرة على قاعدة عسكرية أمريكية صغيرة تُعرف بـ"برج 22" في الأردن، قرب الحدود العراقية، والذي أسفر عن مقتل 3 جنود أمريكيين وإصابة أكثر من 30 آخرين، في حادثة هي الأولى منذ اندلاع العدوان على غزة.
أمريكا تطور هجومها
عقب هذا الهجوم، أشارت واشنطن بأصابع الاتهام في هذا الهجوم إلى جماعة كتائب "حزب الله" الموالية لإيران ومقرها العراق. كما أعلنت الجماعة أنها ستعلق العمليات العسكرية ضد القوات الأميركية لتجنب إحراج الحكومة العراقية، بينما جاء الرد الأمريكي قويًا ودقيقًا على غير المألوف.

أطلقت واشنطن غارات جوية داخل العراق وسوريا، استهدفت أكثر من 85 موقعًا مرتبطًا بالحرس الثوري الإيراني والفصائل التي تدعمها طهران، وسط أنباء عن مقتل نحو 40 شخصًا. كذلك، استخدمت واشنطن في هذه الضربات قاذفات "بي-1" بعيدة المدى، والتي انطلقت من الولايات المتحدة.
وهو ما تحدث عن مدلوله الخبير العسكري الأميركي، مايك لاينز، فقال في حديث لشبكة "سي إن إن"، إن استخدام هذه القاذفات يدل على أن واشنطن لم تكن تريد توجيه ضربة تحذيرية فقط كما فعلت دائمًا مع تلك الجماعات، بل هدفت إلى ضربها بقوة ودقة وقطع الإمدادات عنها.
"يبدو أنهم فعلوا ذلك لأنهم يريدون حقًا قطع الإمدادات اللوجستية عن تلك الجماعات"؛ أضاف لاينز، الذي أشار إلى أن الهدف وراء هذه الضربات هو تعطيل "تلك الجماعات التي تمتد من إيران عبر العراق إلى سوريا".
أمريكا تهدد وتتوعد
بعد الهجوم الأمريكي، قال الرئيس الأميركي جو بايدن إن الرد الأمريكي بدأ الآن وسيستمر في الأوقات والأماكن التي تحددها الإدارة الأميركية. لكنه أشار مع ذلك إلى أن بلاده لا تسعى لصراع في الشرق الأوسط أو أي مكان آخر في العالم.
إيران تحذر وتستنكر
وقد دانت إيران بشدة الضربات الليلية التي شنتها الولايات المتحدة، مستنكرةً "انتهاك سيادة سوريا والعراق"، حسب المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني، الذي قال في بيان السبت، إن "هجوم (الليلة الماضية) مغامرة وخطأ استراتيجي آخر من جانب الأميركيين سيؤدي فقط إلى تصعيد التوترات وعدم الاستقرار في المنطقة"، من دون أن يوضح ما إذا كان إيرانيون قد قتلوا في هذه الضربات.
وقال دميتري بوليانسكي، ممثل روسيا لدى الأمم المتحدة: "طالبنا بعقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لمناقشة تهديد السلام والأمن الناجم عن الضربات الأميركية على سوريا والعراق".

رغم كل شيء.. لا أحد يريد المواجهة المباشرة
المؤكد في كل هذا التصعيد أن الطرفين الأساسيين في الأحداث الأخيرة (واشنطن وطهران) يتجنبان المواجهة المباشرة. وذلك رغم أن الولايات المتحدة هاجمت الجماعات المدعومة من إيران في اليمن وسوريا والعراق، في حين استهدفت الجماعات المرتبطة بإيران أفرادًا أمريكيين في العراق وسوريا.
اقرأ أيضًا: لماذا يذهب قادة الولايات المتحدة إلى الحرب؟ سؤال عن ضغوط الانتخابات
وهو ما تفسره الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الدولية والاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، فتقول لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن الولايات المتحدة استغرقت وقتًا للنظر في خيارات مختلفة للرد على هجوم قاعدة الأردن، لأن إدارة بايدن تواجه معضلة أنها لا تزال تعتقد أن الرد القوي للغاية على إيران سيؤدي إلى تصعيد إضافي أو حتى مواجهة مباشرة، وهو ما تسعى إلى تجنبه في عام الانتخابات.
وتضيف "تسوكرمان" أن "جزءًا من الحذر الأمريكي في الرد هو قلق الإدارة الأمريكية من رد الفعل المحلي وخاصة بين أنصار بايدن الديمقراطيين، في وقت يفقد فيه الرئيس الأمريكي بالفعل الدعم بين الناخبين الرئيسيين".
هذا التخبط الأمريكي يشير إليه الخبير الأميركي المتخصص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، سكوت مورغان، فيقول: "هناك تفسيران داخل الإدارة بشأن تأخر الضربات؛ فالبعض يرجع الأمر إلى الأحوال الجوية، بينما تؤكد تقارير أخرى أنه تم اختيار التوقيت بحيث لا يؤثر على الأسواق وخاصة سوق النفط".
بايدن يخشى الانتخابات
يؤكد "مورغان" قلق الإدارة الأميركية الفعلي من تصعيد الموقف في المنطقة، وهو ما يدفعها إلى تجميد الجبهات قبل اقتراب الانتخابات. ويضيف: "قد يؤدي الأمر إلى صراع أكبر محتمل، إذ رأينا بالفعل وكلاء إيرانيين يهاجمون المصالح الأميركية في العراق في غضون ساعات من الضربة. وبالتالي، إذا كانت هذه الضربة لردع إيران، فقد ينتهي الأمر بالفشل، حيث يمكن للصراع طويل الأمد أن يطال كلا الطرفين بتداعيات فادحة".

في حرب غزة، وفر الرئيس الأمريكي الغطاء السياسي والعسكري القوي للغزو الإسرائيلي المدمر لغزة، والذي أدى إلى مقتل أكثر من 26 ألف فلسطيني، ووضع أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع على حافة الجوع. إلا أنه وإسرائيل -على حد سواء- خسرا الحرب الإعلامية في غزة التي انتشرت تغطية وضعها الإنساني في الشارع الغربي، ففقد بايدن كثير من دعم الشارع الأمريكي وتعرض لانتقادات حادة حتى بين الشرائح الاجتماعية التي صوتت له في انتخابات 2020.
وعلى الرغم من أن الناخبين الديموقراطيين الذين يحتجون على سياسة بايدن تجاه حرب غزة، قد يقبلون بضربات عقابية ردًا على مقتل جنودهم في الأردن، لكنهم قطعًا لا يريدون أن تتورط بلادهم في حرب إقليمية في الشرق الأوسط.
إيران.. التصعيد الكلامي

على الجانب الآخر، يبدو أن إيران لن تتخطى هذا الحد من التوترات مع واشنطن. وقد أكدت أنها لا تريد الدخول في حرب ضد الولايات المتحدة، وإن تعهدت بالرد بقوة على أي هجمات على أراضيها أو ضد مصالحها في الشرق الأوسط.
كان الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي آخر الرموز الإيرانية الذين أكدوا على رسالة مفادها "لن نشن أي حرب، لكن إذا كان هناك بلد أو معتد أو بلطجي يريد أن يستأسد علينا، فسوف نكون حازمين في ردنا على ذلك".
ونقلًا عن "بي بي سي بالعربية" يبدو أن إيران تحاول التقليل من سخونة الموقف بطرق أخرى، إذ كان قائد "فيلق القدس"، التابع للحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاني في زيارة إلى بغداد في الأيام القليلة الماضية. حيث نصح الميليشيات المدعومة من إيران في العراق بالحد من هجماتها، وهو ما أسفر عن موافقة جماعة "كتائب حزب الله" العراقية، المشتبه في تنفيذها هجوم الأحد الماضي على القاعدة الأمريكية، وقف استهدافها للقوات الأمريكية "بناء على طلب إيران".
ومع ذلك، فقد أعلنت جماعات مسلحة أخرى بوضوح أنها ستواصل هجماتها التي تهدف إلى إخراج القوات الأمريكية من المنطقة.
الوقت المناسب لم يأت بعد
لكن الواضح هنا -وفق المحللين- أن تصريحات القادة الإيرانيين بعدم الرغبة في التورط في حرب مع الولايات المتحدة تعكس بالفعل الموقف الحقيقي للمرشد الأعلى علي خامنئي وغيره من القادة الإيرانيين، لأن الظروف الموضوعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية لإيران غير ملائمة لأي مواجهة عسكرية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي الشهرين الماضيين، لم تستطع إيران حماية رجالها من الاغتيالات، فقد قتل الجنرال السيد راضي موسوي المسؤول عن تنسيق العلاقات بين الحرس الثوري وسوريا، في قلب دمشق بغارة إسرائيلية. وكذلك قتل مشتاق جواد كاظم الجواري قائد حركة النجباء، في أول يناير بهجوم أمريكي في بغداد، واغتالت إسرائيل لصالح العاروري، أحد قادة حماس في بيروت، وفي كل هذه الاعتيالات، أظهرت طهران عدم قدرة على حماية هذه القيادات الهامة.
وفي الداخل، فقد بدأت إيران السنة بإعدامات لسجناء سياسيين وهو ما أثار استياء الكثيرين من الإيرانيين في الوقت الذي تستعد فيه البلاد للانتخابات النيابية وانتخاب أعضاء مجلس الخبراء (الذي سيختار المرشد الأعلى بعد وفاة خامنئي) في مارس المقبل.
كذلك استبعاد حسن روحاني وهو عضو حالي في المجلس ورئيس الجمهورية السابق من الترشح مرة ثانية لعضوية المجلس، كما تم استبعاد وزير استخبارات سابق. هذه ليست أجواء سياسية واجتماعية واقتصادية تشجع على حرب مع قوة عسكرية كبيرة مثل الولايات المتحدة.
