العام الحالي "ضيق".. والرئيس يشعر أن مصر دخلت في مشكلة
الحوار الوطني جاء بعد فترة من "القطيعة السياسية".. وأرفض "مأسسته"
الحلول الاقتصادية لن تنجح إلا بتغيير المناخ السياسي.. وأي مسار دون مشاركة الشعب محكوم بالفشل
يجب الاستعانة بكفاءات "المعارضة" لاستكمال البناء والتصحيح
هناك أطراف "مش مرتاحة" للحوار الوطني.. ويعملون على عرقلة تنفيذ توصياته
الفكر السياسي لا يواجه إلا بالفكر السياسي.. ولا استقرار أو بناء دون حوار
المستثمر الأجنبي لا يثق في بلد لا يمنح المصري فرصًا
الدولة تعاملت مع مرشحي الرئاسة باعتبارهم خصوم سياسيين
أكبر اختبار للتطور السياسي في مصر هو الانتخابات البرلمانية المقبلة
"الإخوان" أكبر عقبة في طريق الانتقال الديمقراطي المصري المأمول
أعارض سجن إنسان لأنه أبدى رأيًا دون عنف.. والتوجه هو فتح المجال العام
عندنا أحزاب "واجهة اجتماعية".. وأخرى تعبر عن شخصيات مالية تسعى للظهور
"تنسيقية الشباب" محاولة لتشكيل جبهة وطنية.. لكنها تحتاج إلى مزيد من الممارسة والتثقيف
تفكيك إسرائيل محتمل.. ويحدث على فترة طويلة دون تهوين ولا تهويل
بين العديد من المناصب قبل 2011 وصولًا إلى اختياره مقررًا للمحور السياسي بالحوار الوطني، جمع الدكتور علي الدين هلال، أستاذ العلوم السياسية، خيوط السياسة في مصر بخبرة رجل مارسها سنوات طوال داخل دولاب الحكومة وخارجها. ومن هنا كان حواره مع منصة "فكر تاني"، متنوعًا وشاملًا، يتطرق إلى ملفات عدة، تشغل الشارع المصري، الذي يعاني حاليًا أزمة اقتصادية عاصفة ومناخًا سياسيًا مقلقًا. فإلى نص الحوار:
لا استقرار بدون حوار
في 22 أكتوبر 2003، كانت الأضواء مسلطة عليك بعد مشاركتك في حوار مع رموز المعارضة والمجتمع المدني في مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وفي أبريل 2022، تم اختيارك على رأس المحور السياسي في الحوار الوطني. ماذا يمثل الحوار في مدرستك؟

أعتقد أن تقدم واستقرار الدول لا يكون إلا من خلال الحوار.
الحوار جوهره أن يجمعنا نقاش وتبادل لوجهات نظر مختلفة من منطلقات مختلفة تستعرض الشأن العام وتبحث القضايا العامة مثل التعليم والصحة والسياسية الخارجية والأمن والسياسية الاقتصادية.
نحن أبناء وطن واحد، وكل منا يدلي بدلوه، حتى نصل إلى الصالح العام وأفضل الأراء، بعد مقارعة الحجة بالحجة. ولذلك الحوار بالنسبة لي هو منهج حياة وأسلوب استراتيجي لحل الأزمات والمشاكل.
ولذلك يجب أن يكون الحوار والنقاش أساس التعليم في مصر، حتي نخرج أجيال تربت على ذلك النهج، بما يساعد على انتقاله إلى كافة مسارات الحياة.
كيف تُقيم تجربة الحوار الوطني إلى الآن؟
السياسة جوهرها اختلاف الآراء. ومن المهم، التعبير التنظيمي والمؤسسي عن هذه الاختلافات، عبر منهج واضح معني بشؤون الوطن والشعب.
الدلالة الكبرى للحوار هي الدعوة إليه وانعقاده، وحضور أكبر قدر من الأحزاب السياسية المصرية لفعالياته.
قبل هذا الحوار بعام أو عامين كانت هذه الأحزاب "متخندقة" في موقع واحد. ومن هذا التخندق تلقي بالاتهامات إلى الآخرين. ووصل الأمر إلى تبادل الاتهامات بالخيانة والعمالة.
بعض الناس عاشت أو اضطرت للعيش في الخارج، وبعض الناس مُنعت من الظهور الإعلامي ولم يتسن لها الظهور في أي من القنوات التلفزيونية أو الصحف، وكانت هناك حالة "قطيعة سياسية"، إلى جانب ذلك التخندق السياسي الحزبي.
لم شمل الجميع تحت مظلة الحوار وفي غرفة واحدة مع تقديم ضمانات. ومن هذه الزاوية، كان الحوار الوطني تجربة فريدة. ولك أن تتأمل تشكيلة مجلس أمناء الحوار الذي لم تصدر بتعليمات من أحد بشأنه، وجاء بمفاوضات ومناقشات، ثم صدر القرار وكأن مجلس أمناء الحوار كوّن نفسه بنفسه، في حضور قوى المجتمع المدني وإدارته.
لقد تحققت القيمة السياسية والأخلاقية للحوار بحدوثه. لكن هذا لا يكفي، إذا لم تُنفذ التوصيات ويؤخذ بها.
ما الذي يعرقل تنفيذ البنود المتفق عليها في المرحلة الأولى من الحوار؟
توجد معوقات، وأي تغيير في الدنيا له خصوم كما له أصدقاء ومدافعون، هذه "سنة الحياة والدنيا ماشية كده".
مجرد فكرة الحوار كانت في البداية غير مرحب بها من البعض الذين اعتبروا الحوار منافسة للسلطة التنفيذية أو التشريعية، وهذا خطأ كبير.
المجتمعون في الحوار الوطني مجموعة من المصريين ليست لهم صفة تنفيذية، وهم غير منتخبين من الشعب، ومختارين من أحزابهم، وكثير منهم مستقل، دعاهم رئيس الجمهورية للحوار، كي يرفعوا إليه ما يتوصلون إليه تعبيرًا عن آرائهم.
لا يوجد مؤسسة أو كيان تنظيمي للحوار حتى يخاف الناس. لكن، هناك من اعتادوا العمل دون نقاش مُعلن للسياسات. هؤلاء لن يرتاحوا للحوار. وللأسف من بين هؤلاء عناصر من المعارضة نفسها يريدون إفشال هذه التجربة.
رفضًا لعدم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في المرحلة الأولى، هددت قيادات من المعارضة والمجتمع المدني بتعليق المشاركة في الحوار. كيف ترى الأمر؟

بعض من أعلنوا هذا، لي معهم مناقشات وتوافقات واختلافات أعتز بها. وهذا حقهم، لكنهم على قدر من الفهم أن التغيير في السياسة صعب، وله خصوم ومعوقات.
أرى من الأفضل الإصرار على المطالب، ومعاودة الكرة والضغط من أجل تنفيذ التوصيات، وكذلك أدعو البرلمان والحكومة لمناقشة هذه التوصيات، وأن نسمع آراءً مباشرة منهم حول الأمر. ثم نعقد لجنة استماع بين المعنيين في الحوار الوطني والمختصين في السلطتين.
وبوضوح، لا أعتقد أن من صالح الدولة المصرية، ولا المجتمع المصري، بعد كل هذا الجهد في جلسات الحوار الوطني، ألا نأخذ هذه التوصيات مأخذ الجد، وأنا لا أقصد بمأخذ الجد، فرضها على البرلمان والحكومة، ولكن الحل يكون بالتمسك بالحوار.
هذا الكلام يحيلنا إلى المقترح الرائج الداعي إلى مأسسة الحوار. ما رأيك في هذا الطرح؟
لم يحدثني أحد في هذا الأمر. وردي القاطع: لأ.
المأسسة ستحول الحوار إلى مناصب وغرف وموازنة ومراتب، وهذا يغرر بالحوار.
الحوار الوطني بحكم الضرورة عمل استثنائي، كان من المفترض له أن يُعقد داخل قاعات البرلمان، ويشمل عشرات البرامج الحوارية، التي كان مفترض لها أن تستضيف مختلف التوجهات السياسية.
في دول الغرب، الحوار هو جزء من حركة المجتمع والمؤسسات السياسية. وفي مصر، جاء بعد فترة من القطيعة السياسية، وتحويله لمؤسسة يفقده معناه. ماذا سيكون دور البرلمان حينها لو تحول الحوار إلى مؤسسة؟ وما دور الصحافة والمجتع المدني ووسائل الإعلام؟
لا بأس عند وجود قضية معينة أن نستدعي الحوار بحسب وجهة نظر الدولة، ندعو للحوار. لكن قطعًا لا يجب أن يتحول إلى مؤسسة.
الرئيس يريد آراءً في الاقتصاد
مع بداية المرحلة الثانية من الحوار المعنية بالاقتصاد، تحدثتم عن أن المعارضة تستهدف بأحاديثها في البعد الاقتصادي الضغط السياسي على الحكومة لا تقديم الحلول.. لماذا تأمل من المعارضة خطابًا اقتصاديًا مغايرًا في واقع يراه كثيرون صعبًا؟
المعارضة لها برامج سياسية واضحة، ولكن أنا لا أعلم فيما يخص الاقتصاد هل نحن إزاء شعارات عامة أم خطط موضوعة.
على المعارضة تجاوز مرحلة الشعارات العامة والأماني الطيبة، والانتقال إلى خطط العمل. كلنا مع العدالة الاجتماعية ولكن تبقى الأسئلة حاضرة: كيف ومتى وأين ومن أين وكم تتكلف؟
لا يهمني في هذا الإطار الحديث عن الحكومة ودفاعها عن أفكارها الاقتصادية، ولكن يهمني كلام رئيس الدولة الذي دعا إلى حوار اقتصادي، ومعنى ذلك أن ما أمامه من أفكار يستدعي الاتجاه إلى حوار وسماع أفكار أخرى وتقديرات الناس للمستقبل، ولرئيس الجمهورية بعد ذلك التقدير السياسي.
الرئيس يشعر أن مصر دخلت في مشكلة. نمر بعام "ضيق"، والذي يبدو الآن -حتى إن لم يقل الرئيس هذا صراحةً- أنه لا يتلقى أفضل النصائح، وأي كان الأمر، فإنه يريد فتح المجال من خلال الحوار لسماع كل الآراء، وعلى المعارضة أن تقول ما لديها من أفكار اقتصادية.
الرئيس، فيما أعلم، ذكر أنه لا يكتفي بالتوصيات التي تأتي له، بل أحيانًا يشاهد جلسات الحوار الوطني كي يتدبر كل الآراء التي تقال، وهو حريص على ذلك.
من المهم جدًا أن تدرس الحكومة على التوازي لماذا لم تحقق سياساتها في الاستثمار هدفها. لابد من تعامل واضح وينفذ حول دور الدولة في الاقتصاد، وما مدى مشاركة الدولة في القطاعات الاقتصادية.
قرأت وثيقة ملكية الدولة، وهي رائعة، لكن السؤال: ما الذي نُفذ منها وما الذي لم ينفذ ولماذا؟
الاقتصاد يقوم على الثقة، سواء الثقة في السياسات الاقتصادية أو الثقة في استقرار السياسات المالية، وبالتالي لابد من استعادة الثقة، ثقة المستثمر المصري والأجنبي على السواء، وبالأساس المصري، لأن المستثمر الأجنبي لن يدخل إلا في يد المستثمر المصري.
هذا ما نحتاجه للتحول الديمقراطي
بالحديث عن التغيير، لكم كتاب بعنوان "الانتقال الي الديمقراطية.. ماذا يستفيد العرب من تجارب الآخرين؟".. ما الذي تحتاجه مصر من تجارب الآخرين لحدوث الانتقال الديمقراطي المأمول؟

مصر تواجه تحديات عديدة أكثرها إلحاحًا التحدي الاقتصادي. لكن، هذا لا يعني أن نوقف الحديث في القضية السياسية؛ فالأمران متدخلان، وأحيانا لا تنجح الحلول الاقتصادية إلا في سياق سياسي مناسب.
بغض النظر عن القصور والعوار اللذان يلحقان بالتجارب كلها، مصر تمتلك تاريخًا من تجارب كثيرة لإحداث الانتقال الديمقراطي، فمنذ العام 1977 تحولنا إلى التعددية الحزبية، والإعلان عن عودة الحياة الحزبية في مصر، ولكن ماذا حصل؟
نعم، بدأت مصر وقتها تجربة حزبية لكنها كانت مقيدة بلجنة من السلطة التنفيذية والحزب الحاكم، الذي يضع شروطًا معينة.
بعد ذلك، ذهبنا إلى يناير 2011، ثم ظهر ما يمكن أن نسميه الانفلات الحزبي. فجأة لدينا أكثر من 100 حزب سياسي، نصفهم لم يحاول تقديم مرشح واحد في أي انتخابات برلمانية، وإلى الآن الوضع ليس على ما يرام ويحتاج إلى الكثير.
وبالتالي، لكي تنتقل مصر ديمقراطيًا تحتاج إلى الإقرار بحرية الرأي والتعبير، سواء للشعب أو أصحاب الفكر والرأي، وأن يشعر الجميع أنه يمكنه التعبير عن رأيه وما يؤمن به في حدود الأدب والقانون وعدم التجاوز في أي قضية وموضوع، بما يعرض سمعة الآخرين للنيل منها.
لابد من الإيمان بقيمة الأحزاب السياسية، والسماح لها بمناخ مناسب لتعبئة الناس وتنظيمها، ومن ثم تقديم حلول مختلفة للمشاكل التي يواجهها المجتمع، والاهتمام بحقوق المجتمع المدني، وتفعيل أداة المنافسة السياسية في الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية أو المحلية، ولدينا مثلًا في آخر انتخابات رئاسية، المنافسون للرئيس السيسي، ينتمون إلى ثلاثة أحزاب سياسية معارضة؛ الوفد والشعب الجمهوري والمصري الديمقراطي.
الإخوان أكبر عقبة في طريق الانتقال الديمقراطي
ما أبرز هذه العقبات التي تواجه الانتقال الديمقراطي المأمول في مصر؟
أكبر عقبة في طريق الانتقال الديمقراطي المصري المأمول هي "الإخوان المسلمين".
وقد تندهش عندما أقول إنه في أحيان كثيرة كانت هناك توجهات لانفتاح سياسي معين، ثم يأتي أحد المعنيين بالأمر، ليرد: هل أنت تفهم أنك بذلك تسلم الأمر للإخوان المسلمين؟ هل تعرف أننا بفتح المجال بهذا الشكل مع أي انتخابات قادمة سنسلم الأمر للإخوان؟
كان هناك تسليم تاريخي، بأن الإخوان المسلمين قوة منظمة على الأرض، تستطيع فعل شيء رغم أنها غير مشرعنة، وهذه القوة تقلق من بيده الأمر فيحذر من تهيئة الأجواء للانتقال الديمقراطي.
ولذلك رأيي كان وما يزال هو المواجهة الشاملة، لأي قوة لا تعترف بالدستور وتستخدم الدين لإعاقة التطور الديمقراطي. لكن لا تكون هذه المواجهة بالأمن فقط، المفترض أن يتدخل في حالة مخالفة هذه الحركة للقانون، ولكن المواجهة الأقوى والحقيقة تكون بتنفيذ الأفكار، وإيجاد قوة اخرى على الارض وتكسب تأييد ومحبة المواطنين.

أنا مؤمن بأن القوة السياسية لا تواجه إلا قوة بسياسية. الأمن يمكن أن يصنع جهدًا مشكورًا جدًا ولكن في حدود، ولكنه لا يقدر على المواجهة الجذرية.
في السبعينات، حدثني ضابط في وزارة الداخلية، وقال نفس الفكرة: أنا كرجل أمن عندما دوري أن أزيل الميكروب بالسكين، ولكن لعلاجه في الداخل، الأمر يحتاج طبيبًا؛ أستاذ جامعة كحضرتك أو شغل الصحافة والإعلام.
بالإضافة إلى الإخوان، فإن من عقبات الانتقال الديمقراطي بمصر، مثل أي دولة، وجود أعداء للديمقراطية، يريدون التصرف بشكل لا يخضع للرقابة أو المسؤولية.
كذلك، هناك أزمات في المعارضة الآن، تعرقل الانتقال الديمقراطي، فهناك أحزاب جادة وأحزاب وجاهة اجتماعية، وأحزاب تعبر عن شخصيات ذات ثقل مالي تسعى للظهور.
الشباب لم يخوضوا التجربة لكي نحكم عليهم
هل وجد الشباب المساحة الكافية لخوض التجربة السياسية؟ وكيف تقيم تجربة "تنسيقية شباب الأحزاب والسياسين" وشباب المعارضة بشكل عام في تسهيل الانتقال الديمقراطي؟
تجربة الشباب في التنسيقية أو أحزاب المعارضة عامة، تحتاج إلى مزيد من التثقيف السياسي والممارسة السياسية لدعم تجربة الانتقال الديمقراطي. سور الأزبكية أول أستاذ لي في السياسة، فما الذي منعهم؟
بالنسبة إلى تنسيقية الشباب هي تجربة دعت لها الدولة، ضمت شباب من أحزاب المعارضة، كالناصري والتجمع والوفد، مع أحزاب مثل مستقبل وطن، ومستقلون، عندما دخلوا البرلمان لم تُعرف التنسيقية بوجهة نظر واحدة، فمن حق عضو البرلمان الذي ينتمي لحزب معين أن يعبر عن حزبه وكتلته البرلمانية.
وتقييمي لتجربتها وأنا تابعتها في البداية، أنها من حيث البداية تجربة جديدة وفريدة وجديرة بالدراسة، والهدف منها هو عمل جبهة وطنية، تجمع شباب مختلفين فكريًا وحزبيًا، يناقشون في سياق وطني أي قضية، ولكن أنا الآن لا أعلم عدد المنتمين لها، ونسبة الذين دخلوا من غير الحزبيين، عندما غيروا اسمها "لتنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين"، وبالتالي لن أبدى تقييمًا علميًا الآن.
وبالنسبة لشباب المعارضة، هناك أحزاب لديها تثقيف سياسي قوي منذ بداية تاريخها، مثل حزب التجمع؛ تنظيم الشباب فيه تدريب وتثقيف، ولكن حتى أبدى تقييمًا بشأنهم أريد أن أراهم في الانتخابات البرلمانية المقبلة، أريد أن ينزلوا لدعم مرشحيهم في البرلمان.
قدرتنا على فرز القيادات الجديدة سواء من جانب الحكومة أو من الأحزاب المعارضة هو النزول إلى "الملعب". لكن إذا استمر الحكم على شباب يتبارون في الخطابة في غرف مغلقة فإن الأمر لن يجدي نفعًا.
لا ينبغي أن يسجن إنسان لرأي أبداه
البعض يتحدث عن وجود قطاع من الشباب في السجون، وهم الذين تطالب المعارضة بإطلاق سراحهم مع باقي سجناء الرأي.. أليس هذا منطقيًا؟
لا ينبغي أن يسجن إنسان لرأي أبداه، ولكن إذا كان بجانب الرأي هذا صنع أشياء أخرى، فهو شأنه شأن أي مواطن آخر.
الملف المطروح حول سجناء الرأي لم أدرسه بعد، وبشكل مبدئي أنا معارض لاستمرار سجن أي إنسان لأنه أبدى رأيًا معينًا. ولكن الخلاف حول من هو سجين الرأي، هل لأنه قال رأيًا فقط أم لأنه صنع شيئًا آخر. من هنا، أنا لست في موقف الحكم على أحد.
كم سنة تحتاج مصر لإحداث الانتقال المأمول نحو المسار الديمقراطي؟
الأمر يتوقف على ما هو المناخ السياسي الذي سيسود مصر، والمحك الرئيسي هو درجة تنشيط الأحزاب السياسية.
كانت لدينا انتخابات رئاسية، ظهرت فيها مساحة للمرشحين الثلاثة من أحزاب المعارضة في التحرك وتغطية أخبارهم وأنشطتهم الحزبية والانتخابية، ولم يتم معاملتهم كأعداء، ولكن كخصوم سياسيين، ثم بعد إعلان النتيجة، التقى بهم رئيس الجمهورية، لترسيخ قاعدة أن الفائز يلتقي بمن نافسوه وانتقدوه، بمن فيهم من قال عن نفسه إنه المرشح البديل الآمن، وشكرهم الرئيس.
ولكن، أكبر اختبار للتطور السياسي في مصر هو الانتخابات البرلمانية المقبلة. إذا سادت هذه الروح الطيبة فالمأمول جيد.
وأنا إن كان لي رأي، فعلى الأحزاب الثلاثة التي خاضت انتخابات الرئاسة أن تركز في انتخابات البرلمان، فقد قدمت تجربة فيها ممارسات على الأرض واتصال ونشاط، يمكن البناء عليها، وعليها أن تبدأ الآن، والآن يعني أمس بالنسبة لي، بالاستعداد بإعداد الكوادر وتدريبهم ودراسة الدوائر الانتخابية التي يمكن ترشيحها والتحالفات المتوقعة.

السياسة "مفيش حاجة فيها بدري، كلما كان استعدادك مبكرًا كلما نجحت بشكل أكبر".
لابد في هذا الإطار أن نلاحظ أن مجال التعبير عن الرأي في الفضاء الإعلامي الرسمي توسع، ونسمع حاليًا آراء وانتقادات، وأرجو أن يظل هذا المجال على اتساعه وأن يظهر فيه أشخاص من مختلف التوجهات السياسية، وأن يتم التعبير فيه عن كل وجهات النظر، خاصة في المسألة الاقتصادية محل الاهتمام الحالي من الجميع، وأن نسمع لفريق "لا بديل عن التعويم"، كما نسمع لفريق "التعويم سيكون المسمار الأخير في نعش الاقتصاد المصري". هذا ليس بلبلة للفكر ولا غيره، ولكنه شيئًا إيجابيًا أن نسمع لكل الآراء، ثم نقرر الرأي المناسب.
وهذا ما يحدث عندما يطرح رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أمرًا، فهما يسمعان كذلك هذا التباين في الآراء.
ومن المهم التعامل برفق في الفترة المقبلة، وأنا أقول كلامي هذا برفق لأشخاص في الانتخابات الأخيرة تعاملوا بغلظة وشخصنة في الأمور.
هذا ليس وقت ادعاء البطولات؛ البطولة الحقيقية أن تنتقل مصر إلى الديمقراطية، وأن يتحقق الرخاء الاقتصادي في مصر.
علينا الاستعانة بالكفاءات حتى ولو من المعارضة
علينا الاستعانة بكفاءات المعارضة في أي تشكيل حكومي مرتقب خاصة مع حلف الرئيس لليمين؟
أنا لا أحب تقسيم الكفاءات إلى حكومي ومعارض. من المفيد لمصر في كل وقت الاستعانة بالكفاءات حتى إذا كانت موجودة في المعارضة، على أن يكون الأساس في الاختيار هو الجدارة والاستحقاق، وأن يكون المسؤول قادرًا على تحقيق نتائج فعلية في مجال تخصصه.
تاريخيًا، الرئيس السادات استعان بالدكتور فؤاد مرسي السكرتير العام للحزب الشيوعي في الحكومة، والدكتور إسماعيل صبري عبد الله، دخل الحكومة وهو ماركسي شيوعي، وفي عهد الرئيس مبارك، استعنا بالدكتور وحيد رأفت، أستاذ القانون، ليكون عضوًا في هيئة التحكيم بين مصر وإسرائيل حول نزاعهما على حدودهما فيما عُرف باسم "قضية طابا"، ولا أعتقد أن الدولة ورئيس الدولة يضعون مثل هذه التقسيمات في عقولهم.
أتوقع تغييرًا حكوميًا واستكمال بناء وتصحيح
بناءً عليه، ألا تعتقد أن الحكومة في حاجة إلى تجديد دماء؟
قولًا واحدًا، نعم.
تجديد الدماء من سنة الحياة، لنرى تفكيرًا جديدًا وطريقة جديدة وأشخاصًا يثق فيهم المجتمع أكثر، وتحترم المؤسسات الدولية والمالية وجهات نظرهم أكثر، أو أشخاصًا أكثر قدرة على تقديم الحلول وإقناع المجتمع بها.
هل تتوقع هذا التغيير قريبًا؟
أرجو هذا. الرئيس حاليًا يستكمل ما تبقى من مدة ولايته، ويستعد لولاية جديدة. أعتقد أن الشعب يتوقع التغيير في الحكومة، فكما كانت الانتخابات الرئاسية بداية جديدة متطورة، نحتاج إلى البناء على ما سبق، ونؤسس لما هو آت.
أتوقع من الرئيس تشكيلًا حكوميًا جديدًا، بسياسات تبني على ما سبق، نصحح ما قد يكون وقع من أخطاء، وننطلق في مسار يطور ويحدث ويصحح.
لا أستطيع شطب جهود الماضي باستيكية ونبدأ بداية جديدة، سواء في مصر أو غير مصر، لأن من حاول فعل هذا اتجه إلى فوضى عارمة، قضت على الأخضر واليابس.
إلى أين تذهب مصر؟
لا توجد حتميات في التاريخ، ولكن أمنيات. وأقول: سوف تذهب مصر إلى الاتجاه الذي تجتمع قياداتها وشعبها عليه.
إذا توافر التوافق الوطني والإجماع القومي حول مسارات معينة سنسير كباقي الدنيا. وإذا قررت الدولة مسارات، دون أن تشرك الشعب، فهذه المسارات محكوم عليها بالتوقف، ويمكن الفشل. وإذا أرادت قوى من الشعب فرض مسارات معينة، رغم أنف الدولة، سيؤدي ذلك إلى الفوضى وعدم الاستقرار.
ومن ثم يجب على الدولة بمؤسساتها والمجتمع بأحزابه وقواه المدنية الانتباه للمشهد جيدًا، فكل مجتمع مدني قوي هو قوة للدولة، وكل إضعاف للمجتمع هو خصم من قوة الدولة.
بالحديث عن الماضي، لماذا خسر الحزب الوطني وسقط رأس النظام في 2011؟
الماضي يحتاج إلى حديث طويل وحوار بمفرده حتى أرضى عن إجابتي ويقتنع القارئ والمشاهد بها، والتقييم يحتاج إلى وقت آخر، وسأقدم شهادتي كاملة على ذلك.
علينا دراسة إسرائيل
نذهب إلى القضية الفلسطينية والعدوان الصهيوني على قطاع غزة.. كان أول كتبكم في عام 1969، هو كتاب " تكوين إسرائيل"، هل تتفق الآن مع الأحاديث الدائرة عن أن دولة الاحتلال تتجه إلى التفكك والتفكيك ومنها حديث ايهود باراك عن لعنة العقد الثامن؟
سأنظر إلى الأمر بنظرة متشككة جدًا، لأن في وجهة النظر هذه عاطفة وتمنى سياسي.
"تكوين إسرائيل" أول كتاب لي باللغة العربية. تربيت في الخمسينيات والستينيات على عبارات مثل "إسرائيل المزعومة" و"العصابات الصهيونية" و"شرذمة من شذاذ الأفاق"، ورصدت عمق التناقضات بين اليهود الشرقيين "السفارديم" واليهود الغربيين "الأشكناز"، لكن رصدت أيضًا أن ذلك المجتمع لديه آليات لإدارة هذه الخلافات داخله، ولك أن تتابع الآن أن إسرائيل رغم حالة الحرب والعدوان على غزة تخرج فيها يوميًا مظاهرات بعشرات الآلاف ضد الحرب وتذهب إلى بيت نتنياهو وتحاصره.
دفعني ذلك وغيره إلى البحث عن كيفية نشأة وتكوين إسرائيل، الأصول التاريخية والاقتصادية والسوسيولوجية، وكيف بنيت أجهزة ومؤسسات الدولة بين عامي 1917 حتى 1948، عند حدوث النكبة وإعلان إسرائيل.
تفكيك إسرائيل ممكن الحدوث على فترة طويلة من الزمان. ولكن أرجو عدم التهوين من قدرة الخصم والعدو، وعدم التهويل من مظاهر التناقضات السياسية أو التناحرات السياسية للوصول إلى نتيجة يجوز أن ترضي مشاعرنا وعواطفنا فقط.
لسنا في حاجة إلى مخدر، فنحن أمام دولة قوية وجيش قوي ودولة عدوانية، وامتدادات دولية قوية، وخذ مثلًا موقفها من الأونروا، انظر إلى مواقف الدول الأوروبية التي قطعت الدعم عن المنظمة الأممية بعد انتقاد إسرائيل لها.
لا يجب التهوين من الخصم والعدو حتى أعد له العدة الكافية، وأن أتعامل معه بنفس القوة والقدرة والتخطيط، مثل ما حدث في انتصارنا العظيم في معركة أكتوبر 1973.