لمن يبحث عن الحل..

في ظل تلك اللحظة المؤلمة من عمر الوطن لا أظن أنه هناك من لا يسأل نفسه "وما الحل؟"

فمن الناحية الجغرافية\القومية تحاصرنا الحروب الأهلية من جميع الاتجاهات تقريبا بشكل يبدو أنه يزحف إلينا بخطوات واثقة، إن لم يكن في شكل اقتتال أهلي بين سكان المحروسة، ففي شكل لاجئين فارين من القتل والاغتصاب وانهيار الأنظمة المستبدة الحاكمة في بلدانهم التي كان معظمها في يوم ما جزء من بلادنا. لاجئون يصلون مستنجدين بنا لنتذكر أن الاستبداد والفساد لا يصون دولة ولا يقيم أركان وطن، فما يتذكر بعض مدمني الانتشاء الوطني منا إلا أن هؤلاء "أجانب" يجب تحميلهم مسئولية مشاكلنا وطردهم من أرضنا أو حلبهم فيها حتى آخر ساندوتش شاورمة!

اقرأ أيضًا:ذكرى يناير وواجباتها المستحقة

ومن الناحية الطبقية\الإنسانية، فلم تعد هناك طبقات آمنة من خوف حتى لو طعموا من جوع! فمن هم على قمة الهرم الطبقي يخشون – وهم على حق في خشيتهم – من مستقبل أصبح لا يضمنه استحواذهم على السلطة واستخدامها في الاستحواذ على الثروة، وبات العقلاء منهم يتوقعون أن سرعان ماسترتفع الأصوات المنادية بنزع تلك الثروات منهم أو على الأقل إعادة توزيعها لصالح باقي الطبقات المحرومة ويخشون مما قد يصاحب ذلك من عنف ودماء.

ومن يعتبرون أنفسهم في المساحة الوسطى من الهرم الطبقي أصبحوا يدركون أن ذلك الهرم لم يعد يعترف بتوسطهم إياه وبات ينظر إليهم ككائنات مسكينة منسية لا تحميها شهادات أو مهارات أو وظائف من تقلبات الدهر وتآكل المدخرات حد الفقر المدقع. ولا داعي للحديث عن المطحونين فهؤلاء منذ زمان طويل لم يعد لهم إلا الله.

ومن الناحية الإدارية\السياسية فلا يمكن لعاقل أن ينكر تفوق هذه الحقبة الزمنية على كامل تاريخنا في عبقريتها في التعامل الجاد مع المشاكل حتى تتحول إلى أزمات ثم في جرأتها في قطع طريق العودة أمام الأزمات لتغدو كوارث لا يمكن الرجوع فيها، وبالقطع فمن الظلم القول بأن هذا يعود فقط لسوء اختيارات السلطة، ولكن بالأحرى لأن ذلك المسار هو التطور الطبيعي لحالة "السلطة المطلقة" التي أدمنها الشعب ودافع عنها بدمائه وأبنائه منذ قديم الأزل حتى استفحلت وعصفت بكل ما في السلطة المركزية من مميزات سببت نشأتها على أرض مصر منذ آلاف السنين.

فما هو الحل؟ الحل يا عزيزي، ويا عزيزتي، ببساطة هو الحرية.

لكن قبل أن أشرح ما أقصده بذلك لابد وأن نتفق على أنه لا يمكن لشخص أو جهة أو جماعة أو نظام حكم أن يدعي أنه يمتلك كل خيوط الحل وتشابكاته، فأى حل يُطرح كحل كامل متكامل ماهو إلا خدعة ذاتية قد تنفع صاحبها في تخدير وعيه وإيهامه بأنه أبوالتاريخ أو أم الوطنية لكنها لن تفيد تلك الجماعة البشرية التي تتكون من عشرات الملايين من الأنفس والعقول والسواعد في مواجهة تعقيدات الواقع وآنية تفاعلاته.

فالحل الحقيقي لكل تلك الأزمات لن يحتويه عقل مفرد أو حتى مجموعة عقول متشابهة مهما بلغت عبقريتها أو علمها، ولن يرحم التاريخ، أو بالأحرى، الاقتصاد، من يتهرب من مسئولية المشاركة في وضع الحل الجمعي وتنفيذه بتحميل المسئولية لغيره والاكتفاء بالمشاهدة والتشجيع أو الاستهجان. فلابد من حل جماعي يبذل في الاتفاق عليه جهد جماعي يبنى على فكر جماعي ويحافظ عليه تفاني جماعي في سبيل البقاء، ولا بقاء إلا للأصلح.

فماذا يعني أن الحل هو الحرية؟

الحرية يا عزيزي هي الاتجاه الذي يجب أن نسير فيه إذا أردنا يومًا أن نصل لوضع أفضل من وضعنا الحالي ليبنى على ذلك خطوات تلو الخطوات في سبيل الإنقاذ الوطني، الحرية يا عزيزتي ليست موقف من قضية أو أسلوب في التعامل، حسنا، بالطبع يحق لك أن تعتبرها كل ذلك أو غيره ولكن .. إذا لم تكن حرية الناس – كل الناس – هي القضية فلن نكسب هذه القضية أبدًا.

فلا أبالغ على الاطلاق إن قلت إن حرية المسجون الذي سجن ظلمًا وعدوانًا دون جريمة ارتكبها هي أول خطوة يمكن لهذه الجماعة البشرية التي تُدعى المجتمع المصري أن تحققها على أرض الواقع لتبدأ رحلة الإنقاذ والنجاة، وإن لم تتحقق تلك الخطوة فلن نخرج أبدًا من ذلك المسار الرهيب الذي ننطلق فيه دون ضابط أو رابط.

لا أدري تحديدًا متى فقد المصريون إيمانهم بالله لدرجة أن صار الطبيعي عندهم هو الاستهانة بدعوة أم مكلومة أو أب منفطر قلبه على فلذة كبده وكأن هذا هو ناموس الكون! إن الاستهانة بدعاء المظلومين هي استهانة بالله العدل نفسه، واستهانة بقدرته على إنزال العقاب بمن يعتدي على حق الأبرياء المقدس في الحرية، وحتى ندرك ونؤمن بأن القادر على رفع البلاء هو الله وحده، فلن يرفع البلاء إلا أن يحصل المظلوم على حقه وأن يخرج من سُجن دون وجه حق، من سجنه. هذا أو نصبح جميعًا مفسدين ونتشارك المصير نفسه مهما اختلفنا في تفسيراتنا لما يحدث وأسبابه.

لا أحد منا حر طالما ظل أحدنا سجين .. كان هذا شعار رفعناه قبل الثورة ولا مفر من رفعه الآن وحتى إحلال العدل وإعادة الحق لأصحابه.

أرجوك ، أعد قراءة ذلك المقال بهدوء ومرره - إن أمكن - لغيرك، فهى دعوة للإنقاذ وليس لإشعال الحرائق، دعوة للتصالح والاجتماع على الحق لا دعوة للشقاق والصدام من أجل باطل، دعوة للتفاني في سبيل قضية عادلة تتنزل بها رحمة من الله عاجلة غير آجلة.

أطلقوا سراح المظلومين في السجون لتتحرر مصر وتخطو أولى خطواتها نحو الاستقرار الضروري واللازم للتآلف والتعاون والتقدم. فلا سبيل للنجاة طالما لم يسمع من أرضنا الله إلا أنين المظلومين ودعاء المكلومين الذي يغطي على كل دعاء آخر. الحرية هي الحل.

أحمد بدوي

28 يناير 2024

1 تعليق

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة