
مع ازدياد الوضع سوءًا على مستوى الحرب في غزة، والتوتر المتصاعد على عدة جبهات في الشرق الأوسط، بفعل الحرب الإسرائيلية -غير المسبوقة- على المدينة المتاخمة للحدود مع مصر، والتصعيد الذي لا يزال يشهده البحر الأحمر بهجمات الحوثيين على السفن المرتبطة بإسرائيل، وهجمات الأمريكيين والبريطانيين المضادة على اليمن، فإن الضرر الاقتصادي شديد على مصر والأردن ولبنان، التي تعاني بالفعل جراء أزمات اقتصادية داخلية عنيفة؛ كما تقول باتريشيا كوهين صحفية الاقتصاد العالمي في تقرير حديث بـ"نيويورك تايمز" الأمريكية.
في آخر تقييم أصدره في ديسمبر الماضي، قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أنه في غضون ثلاثة أشهر فقط، كلفت الحرب بين إسرائيل وغزة الدول الثلاث 10.3 مليار دولار، أو 2.3% من ناتجها المحلي الإجمالي مجتمعة. بينما توقع أن يقع 230 ألف شخص إضافي في هذه البلدان تحت خط الفقر.

وحذر التحليل من أن "التنمية البشرية يمكن أن تتراجع لمدة سنتين إلى ثلاث سنوات على الأقل في مصر والأردن ولبنان". وأشار إلى تدفقات اللاجئين وارتفاع الدين العام وانخفاض التجارة. ووتحدث عن ضرر كبير بالسياحة، التي هي مصدر حيوي للإيرادات والعملات الأجنبية والتوظيف.
وقد عكس هذا الاستنتاج تحديثًا صدر الشهر الماضي عن صندوق النقد الدولي، قال إنه من المؤكد أنه سيخفض توقعاته للبلدان الأكثر تعرضًا عندما ينشر تقرير آفاق الاقتصاد العالمي في نهاية هذا الشهر.
مصر ولبنان والأردن.. اللكمات الاقتصادية
"لا يمكن أن تأتي اللكمات الاقتصادية الأخيرة في وقت أسوأ من هذا الوقت بالنسبة لهذه البلدان"؛ تنقل "كوهين"، في تقريرها بـ"نيويورك تايمز"، عن جوشوا لانديس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما.
اقرأ أيضًا: الحرب في غزة.. تهديد جديد يواجه الاقتصاد المصري المأزوم

ويقول "لانديس" إن النشاط الاقتصادي في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حاليًا في حالة تراجع بالفعل. حيث انخفض إلى 2% في النمو في عام 2023 من 5.6% في العام 2022. بينما لبنان الآن متورط فيما يصفه البنك الدولي بواحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية في العالم منذ أكثر من قرن ونصف، ومصر على حافة الإفلاس.
كذلك، فإن عدم اليقين بشأن مسار الحرب الحالية في غزة، يؤدي إلى تآكل ثقة المستهلكين والشركات في السوق بمصر والأردن ولبنان، وبالتالي انخفاض الإنفاق والاستثمار، كما كتب محللو صندوق النقد الدولي.
مصر والسقوط غير المسموح
وتشير "كوهين" إلى الحالة المصرية، فترجع أزمة ارتفاع الديون إلى "الإنفاق الحكومي السخي" على "المشاريع العملاقة المبهرجة" والأسلحة في ارتفاع ديون مصر. ذلك بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة الواردات الأساسية مثل القمح والوقود، وانخفاض عائدات السياحة، وانخفاض الاستثمار الأجنبي الناجم عن جائحة فيروس كورونا والحرب في أوكرانيا.
وقد تضخمت مدفوعات هذه الديون التي تكبدتها مصر، عندما رفعت البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم أسعار الفائدة للحد من التضخم. في وقت لا يزال ارتفاع الأسعار داخل مصر مستمر، لتتآكل القوة الشرائية للأسر، وكذلك خطط الأعمال للتوسع.
ويضيف "لانديس": "لا أحد يريد الاستثمار بها الآن، لكن مصر أكبر من أن تفشل. لذا، فإنه من غير المرجح أن تسمح الولايات المتحدة وصندوق النقد لبلد مثل هذا بالتخلف عن سداد قروضه الأجنبية البالغة 165 مليار دولار. ذلك لأهميته الاستراتيجية والسياسية".
اقرأ أيضًا: هل تحصل مصر على تمويلات جديدة لتعزيز نفوذها بسبب حرب غزة؟
الضرر مباشر على قناة السويس
ويعد انخفاض حركة الشحن التي تعبر قناة السويس إلى البحر الأحمر أحدث ضربة للاقتصاد المصري. وما بين يناير وأغسطس، جلبت مصر ما معدله 862 مليون دولار شهريًا من عائدات القناة، التي تحمل 11% من التجارة البحرية العالمية.
وقال جيمس سوانستون، خبير اقتصادي في الأسواق الناشئة في "كابيتال إيكونوميكس"، إنه وفقًا لرئيس هيئة قناة السويس، انخفضت حركة المرور بنسبة 30% هذا الشهر مقارنة بشهر ديسمبر، والإيرادات أضعف بنسبة 40% مقارنة بمستويات عام 2023.

الانخفاض بالسياحة قد يصل لـ 50%
وبالنسبة لهذه الاقتصادات الثلاثة المتعثرة، فإن الانخفاض في السياحة ينذر بالخطر أكيد.
في عام 2019، شكلت السياحة في مصر ولبنان والأردن 35% إلى ما يقرب من 50% من صادراتها من السلع والخدمات مجتمعة، وفقًا لصندوق النقد الدولي.
وفي أوائل يناير، كانت التذاكر المؤكدة للوافدين الدوليين إلى منطقة الشرق الأوسط للنصف الأول من هذا العام، أعلى بنسبة 20% مما كانت عليه في العام الماضي، وفقًا لشركة ForwardKeys، وهي شركة لتحليل البيانات تتعقب حجوزات السفر الجوي العالمية.
ولكن كلما اقترب القتال، زاد انخفاض عدد المسافرين. ففي الأردن، انخفضت حجوزات شركات الطيران بنسبة 18%. وفي لبنان، حيث تقاتل القوات الإسرائيلية مقاتلي حزب الله على طول الحدود، انخفضت الحجوزات بنسبة 25%.
كما انخفض السفر إلى مصر في أكتوبر ونوفمبر وديسمبر. ويقول جوشوا لانديس في مركز الشرق الأوسط في أوكلاهوما، إن حتى شقيقه ألغى رحلة مخطط لها في نهر النيل، واختار قضاء عطلة في الهند بدلًا من ذلك.
وقال خالد إبراهيم، مستشار أميسول للسفر في مصر وعضو في تحالف السفر في الشرق الأوسط، إن الإلغاءات بدأت تتزايد مع تفاقم الوضع في غزة. ومثل غيره من منظمي الرحلات السياحية، قدم خصومات على وجهات شهيرة مثل شرم الشيخ في الطرف الجنوبي من شبه جزيرة سيناء.
لكنه أقل تفاؤلًا بشأن إنقاذ بقية ما يعتبر الموسم السياحي الرئيسي. ويضيف: "أستطيع أن أقول إن هذا الشتاء، من يناير إلى أبريل، سيكون صعبًا للغاية، ربما تنخفض الأعمال إلى 50 في المائة".