بعد سنوات من الحرب مع الحوثيين، تسعى الرياض إلى ضمان أمنها قبل كل شيء. وقد بات الطريق الوحيد لهذا محادثات السلام مع اليمنيين، الذين توترت الأوضاع معهم بعد ممارساتهم العسكرية في البحر الأحمر، الأمر الذي تصاعد معه رد الفعل الغربي إلى عمليات عسكرية، قادتها الولايات المتحدة وبريطانيا. بينما تجنبتها الرياض خشية تطورها إلى هجوم مباشر ضدها من المجموعة المتمردة في الجنوب، والتي ازداد نفوذها ووجودها الإقليمي مع الحرب الراهنة على قطاع غزة، كما يشير تقرير حديث في صحيفة "فورين بوليسي".
فمع اشتعال الوضع في البحر الأحمر، اختارت المملكة العربية السعودية البقاء خارج الصراع. بل وأبقت خطوط الاتصال بينها وبين الحوثيين مفتوحة، وتجنبت الانحياز صراحة لواشنطن. وإلى الآن يبدو أن هذه الاستراتيجية تعمل، وإن كان السؤال الأكبر لا يزال حول ما إذا كان هذا سيضمن حماية المملكة العربية السعودية في المدى الطويل؟، وفق ما تذكره الصحيفة الأمريكية.
كيف اشتعل الوضع بالبحر الأحمر؟
في 12 يناير، استهدفت طائرات حربية أمريكية وبريطانية العديد من المواقع العسكرية للحوثيين في اليمن. وبعد ذلك بيوم، أطلقت واشنطن غارات جديدة على مواقع الحوثيين، استهدفت مراكز القيادة ومخازن الذخيرة وأنظمة إطلاق الصواريخ والطائرات بدون طيار.

وفي 15 من يناير، أطلق الحوثيون صواريخ باليستية على سفينة حاويات تملكها الولايات المتحدة، وهددوا بالانتقام. وردت واشنطن مرة أخرى في 16 يناير.
هذه الضربات جاءت كرد فعل غربي على الهجمات الحوثية على سفن الشحن التجاري في البحر الأحمر، ردًا على العدوان في قطاع غزة.
اقرأ أيضًا: لماذا على واشنطن التردد في مواجهة الحوثيين؟
يقول الحوثيون إن هذه الضربات محدودة على السفن المرتبطة بإسرائيل؛ إلا أن ما لا يقل عن 50 دولة تأثرت بالهجمات الحوثية حتى الآن، وفق ما تذكره "فورين بوليسي". الأمر الذي تبعه قرار من معظم شركات الشحن الرائدة في العالم بتجنب العبور بالبحر الأحمر، وهو الممر المائي الحيوي الذي يؤدي إلى قناة السويس، التي تتعامل مع حوالي 15% من حركة الشحن العالمية، وما يصل إلى ثلث كل التجارة العالمية للحاويات.
كانت جولة أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي، الأخيرة في الشرق الأوسط تهدف إلى الضغط على الجهات الفاعلة الإقليمية للحفاظ على الصراع في غزة محصورًا.
وقد حثت الولايات المتحدة السعوديين على أخذ أزمة البحر الأحمر بعين الاعتبار في محادثاتهم السلمية مع الحوثيين وتعطيل المفاوضات معهم لإجبار اليمنيين على الرضوخ لتهدئة في البحر الأحمر. إلا أن الرياض واصلت مناقشاتها، وفضلت عدم السماح لأزمة البحر الأحمر بالتدخل في تقدم المباحثات. وبعد الضربات الأمريكية البريطانية، أعربت وزارة الخارجية السعودية عن "قلقها الشديد" ودعت إلى "ضبط النفس" لتجنب التصعيد.
السعودية لن تعادي الحوثيين مجددًا
تقول "فورين بوليسي"، إن الرياض ليس لديها أي الرغبة في الانخراط في صراع آخر عنيد مع الحوثيين. لقد تعلمت المملكة من الدروس السابقة في التعامل مع الحوثيين عسكريًا، وهي على دراية حادة بأنها تخاطر بالوقوع مباشرة في خط النار. وهي تتذكر هجمات أرامكو في عام 2019 - أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنها- والتي أجبرت المملكة على إغلاق نصف إنتاجها النفطي مؤقتًا حينها.

رد فعل الولايات المتحدة وقتها أيضًا هو سبب تخلي السعودية عن الموقف الأمريكي في المواجهة الحالية، كما تقول الصحيفة الأمريكية، والتي تضيف أن الرياض -وقت الهجمات على أرامكو- شعرت بالخيانة من قبل الأمريكيين، وعادت بسرعة لضبط سياسة الخارجية في السنوات التي تلت ذلك.
وتسعى الرياض حاليًا إلى الحلول الدبلوماسية لصداعها الإقليمي (الحوثيين) بدلًا من الاعتماد على واشنطن لإنقاذها. كذلك، تحافظ الرياض على فتح حوار مع إيران. وقد أجرى وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان اتصالًا هاتفيًا مع نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان قبل يوم من الضربات على اليمن.
لا شيء يعطل "رؤية 2030"
وتقول "فورين بوليسي" إن آخر شيء يحتاجه محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة العربية السعودية، الآن هو تصعيد يعكر السنوات الحاسمة التي تؤدي إلى رؤية 2030 المتوقعة بشدة، وهي خطة إصلاح شاملة تهدف إلى تنويع الاقتصاد الوطني. ونتيجة لذلك، اختارت المملكة البقاء صامتة في أزمة البحر الأحمر، على أمل أن تحمي قنواتها الاتصالية مع إيران - عبر صفقة توسطت فيها الصين وأعلنت في ربيع 2023.
اقرأ أيضًا: كيف عززت الهجمات الغربية باليمن وجود الحوثيين إقليميًا؟
وهذه الخطوط الجديدة للاتصال ليست تهدف إلى وقف أعمال الحوثيين في البحر الأحمر؛ بل هي جزء عملي من جهد أوسع لعزل المملكة عن أي تصعيد إقليمي، بغض النظر عن الظروف.
وإلى الآن، يبدو أن الاستراتيجية السعودية تعمل، ولم يتم استهداف الرياض.
حذرناكم سابقًا فلماذا نساعدكم الآن؟
تقول "فورين بوليسي" لطالما حذرت المملكة واشنطن من خطر اكتساب الحوثيين قدرات عسكرية تتضمن طائرات بدون طيار أكثر تقدمًا والسيطرة على المناطق القريبة من البحر الأحمر، ولكنها تلقت من واشنطن ردود فعل ضعيفة. وبالتالي، تتساءل السعودية الآن: لماذا يجب أن تساعد الشركاء الغربيين الذين قضوا سنوات في انتقادها على حربها الوحشية ضد الحوثيين. الآن، واشنطن في خط النار للحوثيين، بينما لا ترى الرياض أي سبب للانضمام إليها.

وتعلق الصحيفة بأنه ربما يكون حساب السعودية خاطئًا. إذ لم يتم بعد تأمين اتفاق سلام نهائي، وما يوجد هو مجرد فهم هش قد ينهار في أي لحظة، ولا شيء يمنع الحوثيين من استهداف المملكة - في البحر الأحمر أو حدودها - في المستقبل، في غياب اتفاق سلام رسمي.
وتتوقع الصحيفة الأمريكية أن يعاود الحوثيون استهداف السعودية، عندما تقرر الرياض استئناف محادثات التطبيع مع إسرائيل، وهي تدلل على ذلك بانتقاد الحوثيون لاتفاقات إبراهيم - الصفقة التي وسطت فيها الولايات المتحدة والتي طبعت العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول العربية في عام 2020 - وكانت هذه المسألة محور انتقادهم للإمارات.
ولكنها تعود لتعترف بأن الهجمات الحوثية حاليًا تهدد محادثات السلام تمامًا، وتقول إنه بشكل عام، لم يعد هناك خيارات مواتية للسعودية في اليمن. بينما نجحت استراتيجية عزل القضيتين في حماية الرياض حتى الآن، الأمر الذي تصفه بـ"ضمادة مؤقتة" في غياب اتفاق سلام رسمي. بينما تشير إلى أن مستقبل الصراع في اليمن الآن بات مرتبطًا بشكل لا يتجزأ بالاضطراب في البحر الأحمر، وأنه يجب أن تأخذ عملية السلام في البلاد هذا الواقع المزعج بعين الاعتبار الآن.