الدولة الحبيسة والزحف نحو منفذ البحر الأحمر

منذ استقلال إريتريا عام 1991، أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة، معزولة عن البحر الأحمر، بفقدان مينائي عصب جنوبًا ومصوع شمالًا، الأمر الذي تبعه تفكيك قوتها البحرية، وبالتالي، افتقاد جزء كبير من قوتها الإقليمية. هذا الوضع لم يرض أديس أبابا حينها، وبالتأكيد هو مرفوض لديها الآن، لذا تكثف جهودها في البحث عن منافذ بحرية دائمة تقلل من حدة معضلتها الجغرافية، حتى لا تكون مضطرة لدفع المزيد من تكلفة مرور تجارتها عبر الموانئ البحرية في المنطقة، خاصة وأن الحكومة الإثيوبية الحالية ترفض الخضوع للضغوط الإقليمية أو الدولية من بوابة كونها دولة حبيسة، تسعى لتقليل الاعتماد على ميناء جيبوتي الذي يستحوذ على 95% من تجارتها مع العالم الخارجي.

اقرأ أيضًا: ”لا تعطي ابنتك لرجل يريد زوجتك”

جددت أديس أبابا دعوتها نحو التحرك للخروج من مأزق الدولة الحبيسة في منتصف أكتوبر لعام 2023، وخرج رئيس الوزراء آبي أحمد بدعاية "الضرورة الوجودية لإثيوبيا" في الوصول إلى منفذ في البحر الأحمر.

منفذ الدولة الحبيسة للبحر الأحمر

في بداية العام الجاري 2024، أبرمت إثيوبيا اتفاقية مبدئية مع إقليم أرض الصومال، بموجبها تصل إلى البحر الأحمر تمهيدًا لإقامة قاعدة بحرية تجارية إثيوبية بالقرب من ميناء بربرة، على مساحة 20 كيلومتر مربع، ولمدة 50 عامًا بحسب الاتفاقية، ذلك مقابل اعتراف الحكومة الإثيوبية بـ"أرض الصومال" كدولة مستقلة، وحصول الأخيرة على حصة قدرها 20% من الخطوط الجوية الإثيوبية، التي بلغت إيراداتها نحو 6.9 مليار دولار، وفقًا لإحصاءات عام 2022.

رد الصومال وتفاعل مصر وقلق أمريكا

ردا على ذلك الاتفاق، دعا رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، أبناء بلاده إلى "الاستعداد للدفاع عن وطنهم"، في حين نُظمت مسيرات في العاصمة مقديشو، ضد الاتفاق.

ونقلت صحيفة "الجارديان" البريطانية عن مستشار كبير للرئيس الصومالي، دون أن تذكر اسمه، قوله: "نحن نتبع كل الخيارات الدبلوماسية، وأعتقد أن إثيوبيا ستعود إلى رشدها، لكننا مستعدون للحرب إذا أراد آبي أحمد ذلك".

وقد دخلت مصر على خط الصراع، فقال وزير الخارجية المصري، سامح شكري، في بيان، إن إثيوبيا "باتت مصدرًا لبث الاضطراب في محيطها الإقليمي".

وخلال اجتماع وزاري لجامعة الدول العربية في القاهرة، حذر شكري من تداعيات "السياسات الأحادية" لإثيوبيا، ودعا إلى احترام سيادة الصومال ووحدة أراضيه، وذلك بعد موافقة إقليم أرض الصومال على منح إثيوبيا حق استخدام ميناء مطل على البحر الأحمر، مقابل الاعتراف بالإقليم كدولة مستقلة.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر للصحافيين إن "الولايات المتحدة تعترف بسيادة جمهورية الصومال الفدرالية ووحدة أراضيها".

وأضاف ميلر "نحن ننضم إلى الشركاء الآخرين في التعبير عن قلقنا العميق إزاء تفاقم التوترات في القرن الإفريقي". وشدّد على "أننا نحضّ كل الأطراف المعنية على الانخراط في حوار دبلوماسي"

معضلة أرض الصومال

كانت أرض الصومال محمية بريطانية وحصلت على استقلالها عام 1960، واندمجت مع الصومال، التي كانت تحتلها إيطاليا لتكونا معا جمهورية الصومال.

وأعلنت أرض الصومال، المطلة على خليج عدن، الانفصال عن الصومال عقب الإطاحة بالديكتاتور محمد سياد بري عام 1991.

وجاءت هذه الخطوة بعد صراع مرير بين قوات بري والانفصاليين الذين خاضوا حرب عصابات في الإقليم. وهو الصراع الذي أسفر عن مقتل عشرات الآلاف وتدمير العديد من المدن.

ورغم اعتراف أي دولة به، إلا أن الإقليم تمتع بنظام سياسي فعّال ومؤسسات حكومية وقوة شرطية وعملة خاصة، وعاصمة هي هيرجيسا، بينما حظيت أهم مدنه بربرة بقوة معقولة تُعبر عن الإقليم.

ورئيس أرض الصومال هو موسى عبدي -طيار سابق- تولى منصب وزير الداخلية منذ تسعينيات القرن الماضي يتولى منصبه منذ نوفمبر عام 2017 خلفًا لأحمد سيلانيو.

وقد استغلت أرض الصومال حاجة إثيوبيا للمنفذ البحري في مقايضة استراتيجية تشمل إقامة قاعدة عسكرية على أراضيها، في مقابل نيل الاعتراف الدولي بها، لتحفز المجتمع الدولي تجاه قضيتها الممتدة منذ استقلالها من جانب واحد. وهي تعتبر هذا الاتفاق بمثابة نجاح دبلوماسي لها على الصعيد الإقليمي، وربما يشكل دافعًا للمضي قدمًا نحو إقناع أطراف إقليمية ودولية أخرى بتبني الموقف الإثيوبي نفسه تجاهها خلال الفترة المقبلة.

وتعتبر أرض الصومال الاتفاق ضمانة حماية للإقليم من أي تهديدات إقليمية قد يتعرض لها، لا سيما من جانب الحكومة الصومالية المركزية.

اتفاقية البحر الأحمر تثير الشكوك

يمثل اتفاق إثيوبيا وأرض الصومال جزءًا من لعبة جيوسياسية إقليمية تديرها بعض الأطراف الإقليمية عبر وكيلها آبي أحمد في القرن الإفريقي، ذلك باستهداف وضع قواعد جديدة للعبة الإقليمية، وإعادة هندسة المنطقة، بما يجعلنا أمام مناورة متعددة الأهداف.

ففي ظل المخاوف من تصاعد التوترات السياسية بين دول المنطقة لا سيما الصومال وإثيوبيا، وانقسام دول المنطقة حول الموقف من الاتفاق الأخير الذي ربما يدفع نحو سيناريو "بلقنة" القرن الإفريقي، وما يعنيه ذلك هو تقسيم دول المنطقة إلى دويلات متنازعة تعصف باستقرار المنطقة، وبالتالي تهدد المصالح الدولية والإقليمية هناك.

وتزداد الشكوك، خاصة وأن إثيوبيا تعاني من أزمات اقتصادية هيكلية ومالية انتهت بإعلانها عدم قدرتها على سداد جزء من الديون المستحقة عليها، ما يعني أنها لا تمتلك القدرة المالية على تكلفة استئجار قاعدة عسكرية وتأسيس البنية التحتية الخاصة بها.

يد الإمارات في المنطقة

قاعدة إماراتية تحولت لمطار مدني
قاعدة إماراتية تحولت لمطار مدني

وبالنظر إلى الدور الإماراتي، نجد أن لها دور ملموس في هذه المنطقة؛ ففي عام 2017 بدأت الإمارات في إنشاء قاعدة على موقع بمطار مدينة بربرة في الإقليم، وسُمح لها بالبقاء فيها لمدة ثلاثين عامًا. ولهذه المدينة أهمية كبرى للدولة الخليجية، إذ تقع بربرة على بعد أقل من 300 كيلومتر إلى الجنوب من اليمن.

وفي مارس عام 2018، أعلن موسى عبدي أن الإمارات ستدرب قوات أمن في المنطقة في إطار اتفاق لإنشاء قاعدة عسكرية إماراتية هناك. وأضاف أن القاعدة ستضمن تحقيق تنمية اقتصادية وأمنية في البلاد، وستكون وسيلة ردع للجماعات المتشددة في المنطقة.

وفي أكتوبر 2019، دشنت شركة موانئ دبي العالمية مشروعًا بقيمة 101 مليون دولار لتوسيع ميناء بربرة. ويتم عبر الميناء تصدير الإبل إلى الشرق الأوسط واستيراد الغذاء وغيره.

وذكرت هيئة موانئ دبي العالمية أن المرحلة الأولى من التوسعة تشمل بناء رصيف بطول 400 متر، وأيضًا تطوير منطقة حرة، وأن شركة شفا النهضة الإماراتية هي مقاول المشروع.

وينظر موسى عبدي إلى هذا الاستثمار في بربرة والتوسعة باعتبارهما "فائدة ضخمة للبلاد ولتطوير اقتصادها". ويشير خبراء إلى أن هذا الأمر قد يعمق بشدة من الخلاف بين المصريين والإماراتيين، كما قد يؤثر سلبًا على الدور المصري القيادي في البحر الأحمر، فيما يخشى آخرون من تأثير الميناء الجديد تحت الإدارة الإثيوبية على قناة السويس والاستثمارات الهائلة التي تضعها مصر فيها، خاصة وأن أديس أبابا ستدخل بهذا الشكل ضمن الدول المستفيدة من حركة التجارة الدولية في البحر الأحمر وقد تقتطع حصة لا بأس بها.

الموقف المصري تجاه الاتفاقية

مصر هي إحدى الدول المحورية المطلة على البحر الأحمر، وهي تمتلك أكبر عدد موانئ؛ 8 تجارية و6 نفطية ومنجمية وسياحية.

اقرأ أيضًا: إثيوبيا الحبيسة.. مستقبل “أطماع أديس أبابا” في البحر الأحمر

لم تنتظر مصر طويلًا للرد علي الاتفاقية الإثيوبية مع أرض الصومال، بإعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي دعم مصر لوحدة وسيادة الصومال وسلامة أراضيه. كما أعلنت الخارجية المصرية معارضتها لأية إجراءات من شأنها التعدي على السيادة الصومالية.

وأرسلت القاهرة وفدًا رفيع المستوى إلى الصومال، استقبله الرئيس حسن شيخ محمود، الذي يزور مصر اليوم لبحث التعدي الإثيوبي في أرض الصومال.

وحذّر الرئيس الصومالي من أن الاتفاقية الإثيوبية يمكن أن تفسح المجال أمام عودة "حركة الشباب" المتطرفة، التي تشن تمردًا ضد الحكومة المركزية منذ 15 عامًا.

وقد ندّد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط يوم الأربعاء بالاتفاق، ووصفه بأنه "انقلاب صارخ على الثوابت العربية والأفريقية والدولية المستقرة، ومخالفة واضحة للقانون الدولي والاتفاقيات الدولية النافذة".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة