دوّت قهقهاتُ الخديوي توفيق، متقطعةً انفجاريةً في أروقة قصر عابدين، يسيلُ من نبراتها سمُّ الكراهيةِ ناقعًا، ويتطاير الشرُّ، كالشررِّ من حديدةٍ مُحمَّاة، فاكتست ملامحه الحادة بهيئةٍ إبليسية، عززّها لونُ بشرته الأحمر الناري.
ها قد حانت لحظةُ التشفي، وها هو "الفلاح ابن الفلاحين"، في الأسر.. وقع المتعجرفُ الذي تطاول على عظمتنا.
كان الخديوي في مجلسه، إذ أتاه الخبر: "عرابي في قبضة الاحتلال الإنجليزي"، فانتشى طربًا، وثملت نفسه بالسعادة، حتى نسي في غمرة ذلك، أن البلاد سقطت كذلك لتوها، تحت نير الاستعمار، وأنه شخصيًا صار محضَ دميةٍ، تلهو به القوى الكبرى، وتحركه كما تريد، متى تريد.
إن الكراهيةَ قوةٌ عمياء، لا تعمي الأبصار، وإنما القلوبَ التي في الصدور، وقد كانت الكراهيةُ قد تغلغلت في قلبِ توفيق، فأشعلت مضجعه، وسلبتهُ هدأةَ الكرى، ولم تُبقِ له من هدفٍ في الحياة، إلا التشفي من الضابط الوقح.
كان عرابي قد قاد ضُبّاطًا من الجيش، في حركةٍ احتجاجية سُميت آنذاك "هوجة عرابي"، فقدَّم إلى الخديوي عريضةً بأربعةِ مطالب أساسية: تعديل القوانين العسكرية، بحيث تتساوى أجور الضباط المصريين مع نظرائهم الشراكسة والألبان، وتعيين ناظر جهادية مصري، ورفع عدد القوّاتِ إلى 18 ألفًا، وتشكيل مجلس نواب من نبهاء الأمة، أي "التكنوقراط" بلغة اليوم.
رأى توفيق في المطالبِ انتقاصًا من هيبته، رغم أنه واقعيًا كان مهيضَ الجناح، فالديون التي أغرق سلفه الخديوي إسماعيل مصر فيها، قد حوّلته "خيال مآته" أمام القوى الكبرى، خاصةً بعدما اشترت بريطانيا أسهم مصر في قناة السويس، لكنه على هوانه أمام الأجنبي، كان يستأسد على المصريين، كما هو الحال في كثير من مراحل مصر التاريخية.
إثر ذلك دبّر توفيق لاعتقال عرابي ورفاقه، تمهيدًا لمثولهم أمام محكمة عسكرية، باعتبارهم "مفسدين في الأرض"، فدعاهم لحضور زفاف شقيقته جميلة هانم يوم 27 أغسطس 1881، ولمَّا وصلوا التفَّ حولهم الجندُ المدججون بالسلاح، فأمروهم بانتزاع سيوفهم من أغمادها، فاقتادوهم إلى السجن، غير أن الأَسرَ لم يَطُلْ إذ تحرّكت قواتٌ من الجيش، بقيادةِ البكباشي محمد عبيد فحررتهم بالقوة، وهكذا أُسقط بين يدي الخديوي، فرضخ لمطالب عريضة الضباط، وعيّن ربَّ السيفِ والقلم، محمود سامي البارودي ناظرًا للجهادية، وعرابي وكيلًا لها.
أخذ الخديوي يبرمُ طرف شاربه المدبب، وهو يتذكر الأحداثَ تتنازعه مشاعرُ الغضبِ، ونفسه تحدثه: أولئك الفلاحون الذين لا يليق بهم إلا حملَ المقاطفِ، تطاولوا على مقامِ مولاهم، حسنًا سأجعلهم عبرةً لمن تسوّل له نفسه الإساءةَ لمقامنا.

وسرعان ما أصدر "أفندينا" أوامره، إلى حاشيته وخلصائه أن شنوا حملةَ تشويه لعرابي، اقتلوه معنويًا، ولا تتركوا نقيصةً من النقائص، ومذمةً من المذمات، إلا نسبتموها إليه.
كان الخديوي قد أضمر إعدام الضابط الوطني، لكن قبيل الإعدام أراد أن يطفئ أحقاده، بأن يذوق غريمه الذل، بل يمزمّزُه مزمزةً، فأوَّعز إلى الضابط إبراهيم أغا، وهو ألبانيٌّ فظٌّ ٌغليظُ القلب، مولعٌ بالسلطةِ والمال، أن ينكلّ بالأسير، فكان يُمرّر الصحفَ إلى زنزانته، فيقرأ بعينين ملتهبتين حزنًا، هجاءه على صدر صفحاتها، ومن ثم يكيل له الشتائم، ويبصق في وجهه، وهو بلا حول ولا وقوة، إذ يرسف في قيوده.
وقد بلغ الهجوم على عرابي حدًا هستيريًا، إلى درجة أن صحيفة الأهرام زفَّت إلى قرائها "بُشرى الاحتلال البريطاني، والقبضَ على العاصي عرابي بواسطة جنود إنجلترا البواسل".. إن صحافة "السامسونج" ذات تاريخ طويل.
أيمّا يكن، لم يبق لأفندينا حتى يشفي غليله، إلا أن يرى جثمان "الفلاح"، متدليًا من مشنقة، وإنه ليعدُّ الساعاتِ لانعقاد المحكمة التي كان قضاتها يُؤتمرون بأوامره.
وتمهيدًا للإعدام، ادعت الصحافة أن عرابي تآمر مع الغرب، ورتّبَ لجرائم اغتيال الأجانب بالإسكندرية، بغيةَ منح الذريعة للأسطول الإنجليزي لقصفها، كما اقترف بالتعاون مع آخرين، قيل إن منهم الزعيم السكندري محمد كُريّم جريمة إحراق المدينة، التي يروي الرافعي في كتابه "الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي" أنها تحوَّلت إلى كتلة من اللهيب.
كما تضمنت الاتهامات تخاذلَ قواتِ عرابي عمدًا، عن الدفاعِ عن المدينةِ ضد الغزاة الإنجليز، ورغم أن عميد الجالية السويسرية "جون نينه"، شهد أن الجنود المصريين قاتلوا كأنهم "أرواح أبطال من الأساطير، يخرجون من جحيم النيران، فيتصدون للمدفعية البريطانية الكثيفة حتى أرماقهم الأخيرة"، إلا أن أحدًا لم يُصغِ، فقد تبددت الحقيقة، في ضجيج البهتان، وضوضاء الإفك.
والمؤسف حقًا أن رموزًا باذخة، منهم الزعيم مصطفى كامل، والمؤرخ عبدالرحمن الرافعي، وكذلك أحمد شوقي، الذي كان ربيب الأسرة العلوية، دقُّوا الدفوفَ وأطلقوا البخورَ في زفةِ اغتيال الرجل معنويًا، حتى إن أمير الشعراء نظم في هجائه: "عرابي كيف أوفيكَ الملاما/ جمعت على مذمتِكَ الأناما/ قتلتَ المسلمينَ بغيرِ حقٍ/ وضيّعتَ الأمانةَ والذماما".
لقد صار الثائرُ شيطانًا رجيمًا، فالأكاذيبُ حين تتردد على نطاقٍ واسع، تغدو "شعبوية" إلى حد أن يصعُبَ هدمها، ويُستعصي تفنيدُها، وفق مقولة الكاتبُ الأمريكي الساخر مارك توين: "إن خداعَ الناس أسهل كثيرًا من إقناعهم أنهم مخدوعون".
ولك أن تتخيل إحساس الضابط الوطني، الذي رفض رتبة الباشوية، اتقاءَ أن يقال إنه تحرك لغرض شخصي.
كيف كانت مرارته إزاء الإفك الذي يلوَّثُ عرضه والزور الذي يدنّس شرفه؟
أغلب الظن أن الألم الذي اعتراه آنذاك، كان أشد على نفسه من وقع الحسام المهند، كما يقول شاعرنا طرفة بن العبد، ولعله كان يتمنى التعجيل بإعدامه، فتلك حياةٌ لا تليقُ بضابطٍ يعرف شرف الجندية، وثائرٍ ينشدُ لوطنه خلاصًا.
لكن في مفاجئة مدوية، رفض الاحتلال إعدام عرابي.
الأجنبي المستعمر يرفض إعدام الرجل الذي قاتله، في حين يروم الحاكم "الوطني" تعليقه على مشنقة.. صحيحٌ كم ذا بمصرَ من المضحكات المبكيات.
كانت الثورة العرابية كحركة تحررية، قد انتزعت إعجاب الغرب، وحازت على تقدير الشرفاء من أبنائه، ومنهم الشاعر والمستشرق البريطاني وليفريد بلنت، الذي كان يؤلبُ الرأي العام، في المملكةِ التي لم تكن تغيبُ عنها الشمسُ، ضد جرائمِ بني جلدته في المستعمرات، فإذا بحكومته ترتأي أن إعدامَ عرابي، سيؤدي إلى شروخٍ بغير داعِ، في الجبهةِ الداخلية، ومن ثم قررت نفيه إلى جزيرة سيلان.
والمؤكد أن موقفَ بلنت ذاك يستدعي وقفة، إذ لم يُتهم بأنه طابورٌ خامس، أو ينتمي لجماعة محظورة مثلًا، ولم ينقض عليه "المواطنون البريطانيون الشرفاء"، أو "بهاليل الإعلام".. إن الديمقراطية كفلت له التعبير عن رأيه، وحقنت بالتوازي دماء ثائر مصري، يأبى الضعة لبلاده.
على كلٍّ، لقد مكث عرابي ومعه ستةُ ضباط آخرون منهم البارودي، في منفاهم عشرين عامًا، يذكرها الأول في سيرته الذاتية، بأنها كانت سنوات عجافًا، في حين عبّر عنها الثاني شعرًا: "عناءٌ ويأسٌ واشتياقٌ وغربةٌ/ ألا شدَّ ما ألقاهُ في الدهرِ من غُبنِ"، حتى أصدر الخديوي عباس عفوًا عنه في يونيو 1901، فعاد إلى مصر، وقد وهن العظم منه واشتعل رأسه شيبًا.
ومجددًا استقبل شوقي عرابي بقصيدة هجاءٍ مُقْذعة: "صِغارٌ في الذهابِ وفي الإيابِ/ أهذا كلُّ شأنِكَ يا عرابي"، وشنت الصحفُ حملةً للإجهازِ على ما تبقى له من رصيدٍ في قلوب الناس.
والظاهر أن الشيخ كان قد استنزف نفسيًا، ولم تعد به طاقة للمنافحة، فإذا به يُصرِّحُ في سقطةٍ تاريخية بتأييد الاحتلال، فزاد طينَ مأساته بِلة، وانتهزت الصحافة ذلك للنيل منه، حتى غدا بين العوام مذمومًا، إلى درجة أن الشباب ما إن كانوا يعلمون أنه يتخذ مقعدًا له بأحد مقاهي وسط البلد، حتى كانوا يهرعون إليه، فيرجمونه بالحجارة، وينهالون عليه بأفحشِ الشتائم، وهو يحاول اتقاءهم باكيًا.
وعلى هذا النحو البائس، عاش عرابي عشرَ سنواتٍ منزويًا، لقد صار نسيًا منسيًا، يجللهُ العار، عارٌ جلبه على نفسه بتأييده الاحتلال، وعارٌ الإفكِ والأكاذيبِ التي ألصقها خصومه به.
وفي 21 سبتمبر سنة 1911 فاضت روحه إلى بارئها، فكتبت الأهرام على صفحتها الأولى: "مات عرابي وانتهى العرابيون تاركين لأمتهم الغصةَ والحسرة"، وكان منطقيًا عندئذٍ أن ينتهي تاريخ الرجل، وتغدو تضحياته قبضَ رياحٍ، لكن ما هي إلا ثمانية أعوام، حتى اندلعت ثورةُ 1919 لتنادي بما نادى به، ثم بعدئذٍ بثلاثة وثلاثين عامًا، ردت ثورةُ يوليو اعتباره، وذلك بطبيعة الحال، لكونه ضابطًا ينتمي إلى الذين قاموا بها.
إن التاريخ قد يراوغ الطغاة في أحايين كثيرة، فليس صحيحًا أن المنتصرين وحدهم يكتبونه، بل إن المنتصر اليوم، قد يبيت مهزومًا في الغد، فإذا بما سجّله يُمَّحى إلى الأبد.
نذكر على ذلك مثلًا، يومَ تنحي مبارك، إذ شيّع الآلافُ جنازة الفريق سعد الدين الشاذلي، صاحب خطة العبور في حرب أكتوبر، من ميدان التحرير، بالتزامن مع سقوط الرئيس المخلوع الذي اختلس بوقاحةٍ النصر ثلاثين عامًا.. لقد أنصفت الأقدار الرجل، في مشهده الأخير.. والعبرة دائمًا بالخواتيم.
في ذكرى ثورة الخامس والعشرين من يناير، نستذكر ونفكر ونتدبر، وربما نبتسم، إذ نهمسُ: مستمرة.. "متنيلة" ولكن مستمرة.