يصادف ملف المقيمين الأجانب في مصر إشكاليات عدة ومستمرة على مستوى الحصر وتحديد العدد الكلي لهم، وطبيعة دورهم في النشاط الاقتصادي، ومقدار الدعم الذي يحصلون عليه من الجهات الدولية.
يوم الإثنين الماضي، عاد هذا الملف إلى الواجهة، مع إعلان الحكومة عزمها التدقيق في أعداد الأجانب الذين وفدوا لمصر بعد تعرض بلدانهم الأصلية لأزمات أمنية أو حروب أهلية، الأمر الذي أثار الجدل جدلًا حول التوقيت والأهداف والصعوبات.
تعتمد الدولة في تقديراتها لأعداد اللاجئين على منظمة الهجرة الدولية، بينما تتحدث الأخيرة تلك عن وجود 9 ملايين مهاجر ولاجئ يعيشون في مصر قادمين من نحو 133 دولة، بنسبة 50.4% ذكور، و49.6% إناث، وبمتوسط عمري يصل إلى 35 سنة، يمثلون 8.7% من حجم سكان مصر.
اقرأ أيضًا: 5 آلاف دولار للفرد.. الجارديان: “السماسرة” يتلاعبون بالهاربين من غزة
تشير التقديرات إلى أن 56% من الوافدين يقيمون في 5 محافظات، هي: القاهرة، والجيزة، والإسكندرية، والدقهلية، ودمياط. كما أن هناك 60% من المهاجرين يعيشون بمصر منذ حوالي 10 سنوات. فيما يعيش 6% باندماج داخل المجتمع المصري منذ نحو 15 عامًا أو أكثر، و37% يعملون بوظائف ثابتة وشركات مستقرة، أي ما يعادل 3.3 مليون عامل.
لوران دى بوك، مدير مكتب منظمة الهجرة، يوزع العدد المذكور ما بين 4 ملايين سوداني و1.5 مليون سوري، ومليون يمنى، ومليون ليبى، وتشكل هذه الجنسيات الأربع 80% من المهاجرين المقيمين حاليًا بالبلاد.
في المقابل، يحدد تقرير المفوضية الدولية لشئون المهاجرين العدد المسجل لديها 460 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجلين في مكاتبها بمصر، ينتمون إلى 59 جنسية.
السودانيون.. الفئة الأكبر من اللاجئين
اعتبارًا من أكتوبر 2023، أصبحت الجنسية السودانية هي الجنسية الأولى، يليها السوريون. وتشمل بلدان المنشأ الأخرى ذات الصلة جنوب السودان وإريتريا وإثيوبيا واليمن والصومال والعراق، بحسب المفوضية.
بيانات المفوضية، التي تعمل بمصر منذ عام 1954، تشير إلى تغير خريطة اللاجئين خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فحتى عام 2020 كانت أكبر 5 دول لديها لاجئين بمصر هي فلسطين (135932)، وسوريا (125673)، والسودان (60066)، والصومال (20501)، والعراق (20042)، لكن الأمر تغير بعد الحرب الأخيرة بين الجيش السوداني والدعم السريع.

لماذا تتضارب أرقام اللاجئين؟
ينبع تضارب أرقام الأجانب بمصر من الخلط بين المسميات القانونية، فهناك اختلاف بين اللاجئ والمهاجر ولفظة الضيوف التي تفضل الحكومة المصرية استخدامها في التعامل مع الأجانب، فضلًا عن المعاهدات الثنائية التي تسبب جدلًا في احتساب أعداد منهم كلاجئين أو مهاجرين من الأساس.
المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين تفرق بين المصطلحين؛ فـ “لاجئ” تعني الأشخاص الفارين من الحروب أو الاضطهاد عبر حدود دولية ووضعهم يكون خطرًا جدًا ويعيشون في ظروف لا تُحتمل، تدفعهم إلى عبور الحدود الوطنية بحثًا عن الأمان في الدول المجاورة، وبالتالي يتم الاعتراف بهم دوليًا كـ”لاجئين” يحصلون على المساعدة من الدول والمفوضية ومنظمات أخرى.
أما المهاجرون فهم أشخاص يختارون الانتقال ليس بسبب تهديد مباشر بالاضطهاد أو الموت، بل لتحسين حياتهم بشكل أساسي من خلال إيجاد العمل أو في بعض الحالات من أجل التعليم أو لمّ شمل العائلة أو أسباب أخرى.
وعلى عكس اللاجئين الذين لا يستطيعون العودة إلى وطنهم بأمان، لا يواجه المهاجرون مثل هذه العوائق للعودة. فإذا اختاروا العودة إلى الوطن سيستمرون في الحصول على الحماية من حكومتهم.
وتتعامل الدول مع المهاجرين بموجب قوانينها وإجراءاتها الخاصة بالهجرة، ومع اللاجئين بموجب قواعد حماية اللاجئين واللجوء المحدّدة في التشريعات الوطنية والقانون الدولي على حد سواء. وتتحمل الدول مسؤوليات محددة تجاه أي شخص يطلب اللجوء على أراضيها أو على حدودها.
المشكلة التي تواجه تعداد الأجانب المقيمين في مصر تتعلق بوجود كم كبير يقيمون بالمخالفة لشروط الإقامة بسبب عدم توافر الإمكانات المالية أوفقدان الوثائق وغيرها من الأسباب المتعلقة بوضع الفارين من الحروب والأزمات، وكذلك عدد آخر بديه إقامات الدراسة أو العمل أو الزواج أو إقامات سياحية.
بينما هناك جدلية أخرى تتعلق باحتساب السودانين، ضمن اللاجئين أو المهاجرين، الذين يعيشون داخل مصر ضمن اتفاقية الحريات الأربع التي وقعتها مصر مع السودان عام 2004، وتنص على حرية التنقل والإقامة والعمل، وتمنح المواطنين المصريين والسودانيين حق أن يقيموا في البلد الاخر وأن يعملوا ويتملكوا العقارات ويقوموا بكل النشاطات المشروعة في البلد الآخر.
ما دلالات التوقيت؟
الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، قال إن الهدف هو حصر وتجميع ما تتحمله الدولة مقابل ما يتم تقديمه من خدمات في مختلف القطاعات لضيوف مصر، الذين يحصلون عليها على أفضل وجه مثلهم مثل المصريين، مشدداً على ضرورة توثيق مختلف جهود الدولة لرعاية هذه الملايين.
وأتاحت الحكومة العديد من المبادرات التي تستهدف المصريين بالخارج ومولتها آخرها مبادرة 100 يوم صحة، التي أطلقتها وزارة الصحة المصرية للاجئين والمهاجرين وطالبي اللجوء.
لكن مسؤول حكومي يؤكد أن الحديث عن تدقيق اللاجئين تم فهمه بالخطأ وربطه بشائعات عن إمكانية زيادة الرسوم عليهم، موضحًا أن الأمر مرتبط بمسح الهجرة الدولية الذي اتفق الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء على إجرائه بالتنسيق مع منظمة الهجرة الدولية ومفوضية شئون اللاجئين والوزارات والجهات المعنية في أغسطس الماضي.
ويضيف المسؤول -الذي طالب “فكر تاني” بعد ذكر اسمه- أن البحث كان يستهدف حصر إعداد اللاجئين بمصر بنهاية العام الماضي، لكن تأخر بعض الشيء في ظل وجود استحقاقات دستورية في نهاية العام، وكان يفترض أن تبدأ الأعمال التحضيرية لمدة 5 أشهر لينطلق بعدها العمل الميداني على الأرض بصورة شبيهة بمسح السكان.
المتحدث باسم مجلس الوزراء المصري، المستشار محمد الحمصاني، يشير إل أن الدولة في اتجاهها لإصدار بطاقات مميكنة يستخدمها كل الضيوف، في إطار خطة الدولة رقمنة كل المجالات وأن الهدف من تلك الخطوة تسهيل التواصل معهم ومعرفة احتياجاتهم، نافيًا أن يكون الهدف من تلك الجهود زيادة الأعباء عليهم أو فرض أي تكاليف إضافية عليهم.
اقرأ أيضًا: بين مصر وإسرائيل.. حرب أخرى تحت رماد غزة عنوانها “التهجير”
وأصدرت الحكومة المصرية في أغسطس الماضي قرارًا ينص على أنه يتعين على الأجانب المتقدمين للإدارة العامة للجوازات والهجرة والجنسية، للحصول على حق الإقامة للسياحة أو لغير السياحة، تقديم إيصال يفيد بتحويل ما يعادل رسوم (الإقامة – غرامات التخلف – تكاليف إصدار بطاقة الإقامة) من الدولار أو ما يعادله من العملات الحرة إلى الجنيه المصري من أحد البنوك أو شركات الصرافة المعتمدة، وطالب القرار الأجانب المقيمين بالبلاد بصورة غير شرعية توفيق أوضاعهم وتقنينها.
هل تحصل مصر على دعم كافٍ؟
بحسب المنظمة الدولية للهجرة فى مصر، فإن الخطاب الإيجابى للحكومة المصرية تجاه المهاجرين واللاجئين التي تصفهم بـ”الضيوف”، كان عامل جذب للمهاجرين واللاجئين، مشيرًا إلى أن مصر طالما كانت سخية في إدراج المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء في النظم الوطنية للتعليم والصحة، ووضعهم على قدم المساواة مع المصريين بكثير من الحالات.

وسعت مفوضية اللاجئين نطاق عملها مع الحكومة المصرية والشركاء لتسجيل ومساعدة النازحين قسرًا الذين وصلوا للبلاد منذ اندلاع حرب السودان، مؤكدةً أن مصر تستضيف، حاليًا، أكبر عدد من اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين بتاريخ المفوضية بسبب تجدد الصراعات، وانعدام الاستقرار السياسي بشرق إفريقيا والقرن الإفريقي واليمن، وآلاف الأشخاص من جنوب السودان وإثيوبيا والعراق واليمن إلى اللجوء لمصر.
تلقت مصر أقل بكثير من 1% من إجمالي المنح التي صرفها المجتمع الدولي في أعقاب مؤتمري بروكسل الأول والثاني، وهو مؤتمر سنوي حول “دعم مستقبل سوريا والمنطقة”، رغم أن طلبات اللجوء إليها ارتفعت بنسبة 24% خلال عامين اثنين فقط.
وحذرت المفوضية من الارتفاع في أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر إلى جانب نقص التمويل اللازم لعملها في مصر، ما يترك العديد من اللاجئين دون دعم، لكنها في الوقت ذاتها أشارت إلى الدعم الذي تقدمه الحكومة لهم.
ما تحصل عليه الدول المحتضنة للاجئين
وحتى أكتوبر الماضي، بلغ إجمالي ما حصلت عليه مصر من المفوضية 151 مليون لدعم مؤسسات الدولة التي تستجيب لاحتياجات الحماية والتعليم والصحة للاجئين وتوفير خدمات واسعة النطاق وعالية الجودة لكل من اللاجئين والمجتمع المضيف.
الأردن الذي يضم 4 ملايين لاجئ حصل على 10 مليارات دولار من الدول الداعمة حتى 2022، أما تركيا فحصلت على 5 مليارات يورو مع تعهد بـ 3 مليارات إضافية من الاتحاد الأوروبي، ورغم ذلك خفضت عدد اللاجئين لديها بالترحيل، لينخفض العدد إلى نحو 4 ملايين و614 ألفًا فقط، بينهم نحو 3 ملايين و240 ألف لاجئ سوري يعيشون تحت بند الحماية المؤقتة، ونحو مليون و113 ألف شخص لديهم إقامات، وحوالي 262 ألفًا يقيمون تحت بند الحماية الدولية، بحسب إحصاءات رسمية.
وارتفع عدد اللاجئين المسجلين لدى المفوضية حتى 19 ديسمبر 2023 ليبلغ إلى 198,377 لاجئًا من السودان و153,646 من سوريا و37,426 من جنوب السودان و31,975 من إريتريا و17,479 من إثيوبيا و8,345 من اليمن و7,340 من الصومال و5,560 من العراق وأكثر من 50 جنسية أخرى.
الأزمة الاقتصادية.. ما موقع اللاجئين منها؟
خلال الفترة الأخيرة، تنامت تصريحات لبعض المسؤولين تتهم اللاجئين بالتسبب في مشكلات آخرها أزمة السكر، حينما قال رئيس شركة الدلتا للسكر في مصر أحمد أبو اليزيد إن “استضافة مصر لعدد من اللاجئين بعد أزمة السودان الأخيرة، أدى لزيادة الضغط على السكر وارتفاع أسعاره”.
بحسب دراسة اقتصادية، فإن الأجانب الموجودين في مصر، حتى الذين لا يملكون وضعية شرعية، أي المهاجرين غير الشرعيين يعملون في القطاع غير الرسمي، يعملون دون مشكلة أو تحيز ضدهم، ويكسبون من ذلك، وبالتالي يعيشون استقرارًا في مصر، لكن تواجدهم يسبب الضغط على المرافق العامة مثل المستشفيات والمدارس العامة ووسائل النقل والمنتزهات ولا يدفعون ضرائب.
كما تمثل تلك العمالة مزاحمة للعمالة المحلية لأن المهاجرين غير الشرعيين يحتاجون لأي مصدرٍ للدخل، ولا يمانعون العمل في مقابل أجر أقل وبدون تأمينات أو دفع ضرائب، كما ينشط بعضهم في الاقتصاد الموازي وتوفير منتجات وخدمات أرخص بدون تحمل أعباء ما يقلل من الإيرادات الحكومية، وفي بعض الأحيان يتم اتهامهم بالجريمة المنظمة.
ما الأنشطة التي يعمل فيها اللاجؤون؟
تتركز العمالة الأجنبية في مصر بالقطاع الخاص، فعدد الأجانب في القطاع العام/ الأعمال العام 582 أجنبيًا فقط، بينما بلغ عدد المتعاقدين 315 أجنبيًا، أما الهيئات العامة فتتضمن 323 عاملًا أجنبيًا، بينما بلغ عدد المتعاقدين لها لأول مرة نحو 149 متعاقدًا.
وتختلف الأنشطة التي يعمل فيها اللاجئين في مصر وفقا للجنسية، وكان الأنجح اقتصاديًا هم السوريون الذين ضخوا استثمارات كبيرة في قطاع الملابس والعقارات المطاعم والمقاهي.
قدرت إحصاءات غير رسمية حجم استثمارات رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال السوريين، بـ23 مليار دولار، معظمها مستثمر في عقارات وأراض ومصانع ومطاعم ومحلات تجارية وغيرها، وبات السوريون يملكون أهم مصانع الملابس والنسيج، كما سيطر بعضهم على مناطق تطوير عقاري في أهم وأرقى المناطق المصري.
الأمر ذاته ينطبق على اليمنيين الذين نشطوا في أنشطة المطاعم ومحلات التوابل والبن، بينما فضل السودانيون افتتاح أعمال في مجال المأكولات لكن يستهدفون أبناء جلدتهم وكذلك محال اللحوم والحزارة وشركات الشحن من وإلى السودان.
أما الافارقة فيتركز عدد كبير منهم في مهن تحتاج لمجهود بدني شاق ولا يقبل عليها المصريون في مناطق بيع الأدوات الثقيلة والمولدات الكهربائية والعمالة في قطاع التشييد والبناء والعمالة المنزلية. وقد بدأ عدد كبير من السودانيين ممارسة أنشطة هامشية مثل بيع الملابس والأحزية بعواصم المدن، أو الكتب بالأزبكية، أو الرسم الحناء في المناطق السياحية.



التعليقات