قانون لجوء الأجانب.. انتقادات حقوقية لـ"تشريع متسرع"

وافق مجلس النواب خلال الجلسة العامة اليوم الثلاثاء، نهائيًا على مشروع قانون لجوء الأجانب المقدم من الحكومة، الذي وصفه محامون وباحثون حقوقيون تحدثوا لـ فكّر تاني بأنه "متسرع، ولم يمنح أصحاب المصلحة حق النقاش حوله"، فيما تُدافع الحكومة عن مشروعها بأنه مناسب وواقعي.

وكانت لجنة الدفاع والأمن القومي وافقت للبرلمان بشكل مفاجئ على مشروع قانون لجوء الأجانب في 22 أكتوبر 2024، بينما أعلنت الحكومة عن نيتها إصداره لأول مرة في يونيو 2023 بعد صدور قرار رئيس الوزراء 243 لسنة 2023، ولم تفصح الحكومة وقتذاك عن أية تفاصيل حول القانون المقترح، لكن بسرعة شديدة نُوقشت أغلب مواده في الأيام الماضية.

بنية مطلوبة قبل التشريع

من جانبه، يقول المحامي الحقوقي محمد الباقر في حديثه لـ فكّر تاني: "يطرح هذا القانون العديد من الأسئلة حول لماذا تُقدم مصر نفسها -دولة لجوء- في هذه المرحلة، ولماذا لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس النواب هى المعنية بهذا القانون وهذا الملف؟ ولماذا بهذه السرعة؟"

الحقوقي محمد الباقر
الحقوقي محمد الباقر

ويضيف الباقر، أن هذا الملف حقوقي بحت، يتطلب في البداية وجود بنية ديمقراطية واحترام لمباديء حقوق الإنسان ومنظومة اقتصادية متكاملة ومتماسكة، بما يسهل مسار العدالة وسيادة القانون واحترام الإنسانية على آخرين من جنسيات أخرى يواجهون خطر على حياتهم.

يشير الباقر إلى أنه "لا توجد معطيات جديدة تُمكن السلطات المصرية من تحقيق الهدف من هذا القانون، خصوصًا وأن هناك مطالبات مستمرة بإصلاح منظومة العدالة الجنائية، ومازلنا في حاجة لتخطي الأزمة الاقتصادية التي تواجة الدولة المصرية، ومع ذلك نتخذ خطوة من المفترض أن يسبقها خطوات كثيرة، من بينها التعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين".

ويؤكد الباقر أنه لابد من وجود هيكلة لمنظومة الإجراءات والإقامات تكون واضحة وشاملة وسريعة، وأيضًا منظومة ضمان اجتماعي تتخطى المواطن المصري لطالب اللجوء واللاجيء.

ويشدد المحامي الحقوقي على أهمية الإجابة عما سبق من التساؤلات حتى"نتأكد أننا باتجاه مسار سليم، لأن القانون يمس حيوات لأشخاص فارين من وضع قاسٍ وصعب كي يعيشوا حياة سليمة داخل المجتمع المصري، لكي لا نتورط في فتح ملف جديد، ونكتشف أننا نواجه مخالفات وانتهاكات للمعايير الدولية، بل نأمل أن يكون الملف في أفضل ما يمكن حتى تظل مصر دولة صالحة للجوء".

مجلس النواب
مجلس النواب

ويعتبر الباقر غياب تلك القواعد هو بمثابة غياب لفلسفة القانون، فكما يعد قانون الإجراءات الجنائية هو دستور الحريات بالنسبة للمواطنين والمؤسس لقواعد التعامل في أي صورة من صور العدالة الجنائية، فإن قانون اللاجئين هو المؤسس والحامي والضامن للشخص الذي يشعر بالخطر في دولة أخرى وقرر اللجوء لمصر للحفاظ على حياته.

كما ينتقد عدم مشاركة أصحاب المصلحة في صياغة ووضع نصوص القانون، مثل منظمات المجتمع المدني المحلية، ومنظمات المجتمع المدني التي تعمل بترخيص داخل مصر في الملف الخيري والتنموي الخاص بملف اللاجئين وطالبي اللجوء، والقانونيين والمحامين الذين يعملون في مركز الأجانب من ناحية اللاجئين والهجرة غير النظامية من ناحية أخرى، ومنظمات حقوق الإنسان المصرية المعنية بملف المهاجرين واللاجئين، بالإضافة لجهات أممية مثل المفوضية  لشؤون اللاجئين السامية، مؤكدًا أن كل هؤلاء لم يكن لديهم العلم بوجود قانون مطروح للنقاش.

ويتساءل الباقر عن عدم معالجة القانون لإشكاليات مثل وضع الفلسطينيين، فهم طبقا للمادة (1 فقرة د) من اتفاقية 1951 الخاصة باللاجئين، يحصلون على دعم من منظمة إغاثة أخرى وبالتالي لا يمكن أن يشملهم قانون اللجوء، لكن في ظل المتغيرات الأخيرة فإن دولة الاحتلال صوتت ضد وجود الأونوروا في القطاع وبالتالي لايمكن لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، أن تتواجد لتقديم مساعدات للفلسطينيين، ويتساءل: "هل في هذه الحالة ينطبق عليهم وضع باقي اللاجئين؟".

ويوضح الباقر وجود إشكالية في عدم وجود قانون تفصيلي إجرائي يحمي ويضمن حقوق وحريات وحياة اللاجئين الفارين من الخطر الذي دفعهم للجوء إلى مصر، منتقدًا إرجاء كل شيء للسلطة في عملية اللائحة التفصيلية ثم ما يتبعها من القرارات لكل جهة ولكل وزارة ستتعامل مع هذا الملف، وهو ما يخيفه من محتوى القانون.

قانون لم يسمع عنه أحد

أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومنصة اللاجئين في مصر  بيان مشترك وقع عليه 22  منظمة، أعلنوا من خلاله رفضهم لمشروع القانون والذي يتعارض بشكل صريح مع القانون الدولي والدستور المصري، حسب البيان.

واعتبر الموقعون مشروع القانون المعني بتنظيم حقوق اللاجئين امتدادًا لسياسات الإقصاء التي تتجاهل أصحاب المصلحة من اللاجئين وممثليهم والمنظمات الحقوقية والأممية، إذ تم تقديمه دون إشراك الشركاء الدوليين أو منظمات المجتمع المدني، التي تعمل في مجال حماية اللاجئين، والتي تتولى عبء إدارة آلية تحديد موقف اللجوء، وتقديم المساعدات لمجتمعات اللاجئين منذ عقود، بالتعاون مع أو نيابة عن الدولة في بعض الأحيان.

كريم عنارة
كريم عنارة

يقول، كريم عنارة مدير وحدة البحوث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، خلال حديثه لـ فكر تاني: "حاولنا الاطلاع على نصوص القانون منذ الإعلان عنه قبل عام ونصف، لمشاركة الخبراء وإعادة الصياغة قبل عرضه على البرلمان، في محاولة منا لإشراك المجتمع المدني وخصوصًا المنظمات العاملة في مجال حقوق اللاجئين باعتبارهم (أصحاب المصلحة الأولى)، ومصر  بها العديد من مؤسسات المجتمع المدني العاملة في هذا المجال، والأهم من كل ذلك هى الجهة الأهم في مصر المعنية بكل ما يخص شؤون اللاجئين "المفوضية السامية لشؤون اللاجئين"، والتي تم تجاهلها تماما في المناقشات".

ويوضح عنارة أن المنظمات المعنية بشؤن الللاجئين فوجئوا يوم 22 أكتوبر بإعلان وزارة الشئون النيابية والقانونية والتواصل السياسي بالمشاركة مع لجنة من العلاقات الخارجية وأطراف أخرى، عن القانون، ثم أحيل خلال عشرة أيام، للبرلمان للتصويت عليه في الجلسة العامة لمدة ثلاثة أيام بدأت، من الأحد 17 نوفمبر وحتى اليوم، حيث تم إقراره.

ويشير عنارة إلى أن توجه الحكومة بات واضحًا منذ بداية التصريحات الرسمية في يونيو 2023، وحتى التصريحات الإعلامية الصادرة من لجنة الدفاع والأمن القومي، من خلال أمرين، الأول أن هناك إيحاء بأن اللاجئين في مصر يعيشون في حالة فراغ قانوني بدون إطار تنظيمي لمسألة الحق في اللجوء في مصر، وأن إصدار قانون جديد إنما هو لسد الفراغ التشريعي الحاصل، وهذا ليس بحقيقي، خاصة أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين هي التي تقوم بتحديد صفة اللجوء، وهى عملية شبه قضائية، حسب الاتفاقيات، وفي حالة الموافقة على الشخص يتم منحه حماية مؤقتة بعد التسجيل ثم حماية دائمة، في حالة استحقاق الشخص لصفة اللاجئ، ومايترتب عليها من حماية قانونية.

ما الحاجة للقانون؟

يقول مدير وحدة البحوث بـ"المبادرة" أن مصر واحدة من بين 146 دولة وقعت على الاتفاقيات المنظمة لأوضاع اللاجئين وطريقة إدارة شؤونهم على أراضيها، وكان أهمها اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئ والبروتوكول المكمل لها لسنة 1967، و اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لسنة 1969 والتي تحكم الجوانب المحددة لمشكلات اللاجئين في أفريقيا، بالإضافة إلى بروتوكول وقعته مصر مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عام 1981، واستمر هذا الحال لمدة عقود ، مضيفًا أن الكثير من دول الجنوب تقوم المفوضية بهذا الدور نيابة عن الحكومات، أما في دول عالم الشمال فهناك محاكم تتولى النظر في مسألة اللجوء.

ويلمح عنارة إلى أن هناك خطاب تصدّر المنابر الإعلامية، ظهر فيه بوضوح تضخيم مُبالغ فيه لأرقام اللاجئين وخصوصا عقب الحرب الأهلية السودانية وتدفق أعداد كبيرة منهم إلى مصر، حيث بات واضحًا أن مصر "باعتبارها واحدة من الدول المستضيفة لأعداد بالملايين"، أصبح لديها رغبة في الاستفادة من اللاجئين الموجودين على أراضيها، كما يحدث مع الأردن وتركيا، واللتين يحصلان على دعم من منظمات الإغاثة والاتحاد الأوروبي.

ويضيف عنارة، أن هناك رغبة من السلطات المصرية في السيطرة على ملف اللاجئين أمنيًا، وأن تكون السلطات هى المسؤولة عن إصدار الأرقام كما جاء في تصريحات رسمية لبعض المسؤولين.

إحصائيات رسمية لأعداد اللاجئين

نشر موقع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، إحصائيات بأعداد اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر، حيث تستضيف مصر أكثر من 792 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجلين من 62 جنسية مختلفة، منذ أكتوبر 2023، وتعتبر الجنسية السودانية هي الأكثر عددًا يليها الجنسية السورية، تليها أعدادًا أقل من جنوب السودان وإريتريا وإثيوبيا، واليمن، والصومال، والعراق.

كما أرجعت المفوضية سبب زيادة الأعداد إلى تجدد الصراعات وانعدام الاستقرار السياسي في شرق إفريقيا والقرن الأفريقي وكذلك الاضطرابات في العراق واليمن، والذي دفع آلاف الأشخاص من جنوب السودان وإثيوبيا والعراق واليمن إلى اللجوء إلى مصر.

وبحسب الإحصاءات التي نُشرت فإن أعداد اللاجئين المسجلين لدى المفوضية حتى 30 سبتمبر 2024 وصل إلى 503,993 لاجئًا من السودان و 158,406 من سوريا و 46,059 من جنوب السودان و 39,768 من إريتريا و 18,685 من إثيوبيا و 8,661 من اليمن و 8,476 من الصومال، و 5,719 من العراق وأكثر من 54 جنسية أخرى.

وهذه الأرقام  تنفي بالتأكيد ما تم تداوله من أرقام تم الإعلان عنها في وقت سابق لرئيس الوزراء وبعض المسؤولين أن مصر لديها 9 ملايين لاجيء، وهذا ليس بحقيقي، كما يقول عنارة.

ضغوط لإصدار القانون

بدوره، يقول المحامي الحقوقي المتخصص في ملف اللاجئين أحمد معوض لـ فكّر تاني: "صدر هذا القانون بضغط من الاتحاد الأوروبي ليس رغبةً من السلطات المصرية، تخوفًا من تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين لدول الاتحاد الأوروبي خاصةً مع التوترات التي تشهدها المنطقة مثل حرب غزة والسودان"، مشيرًا إلى حصول مصر على 7 مليار يورو في مارس 2024 من بينهم 2 مليون يورور لضبط حركة الهجرة غير النظامية.

أحمد معوض
أحمد معوض

ويوضح معوض أن الدول التي تتعامل مع ملف المهاجرين بقانون كما في أمريكا وبريطانيا وإيطاليا، تُشكل لجنة حكومية هى المسؤولة عن استقبال ومراجعة طلبات اللجوء والبت فيها، وتكون تابعة لوزارة الهجرة، والأهم أنه يمكن الاستئناف على قرارات تلك اللجنة.

ويضيف معوض، أن المفوضية السامية هى المسؤولة عن التعامل مع طلبات تسجيل اللجوء داخل مصر بموجب الاتفاقيات الدولية الموقعة عليها مصر، ويتم التعامل مع تلك الاتفاقيات بموجب القانون، وبالتالي مسألة الإسراع في إصدار القانون ناتجة عن ضغوط خارجية، وفق رأيه.

ويشير معوض إلى أن فلسفة القانون "أمنية بحتة"، بحسب وصفه، ويركز من منظور الدولة على هدفين، الأمن القومي، والنظام العام وهذا ما تكرر في نصوص القانون أكثر من مره، مؤكدًا، أن اللاجئين يعيشون أوضاعًا صعبة في مصر، فهم محرومون من العمل بشكل رسمي، كما يتعرضون للاستغلال من مالكي العقارات في حالة الرغبة في السكن، وليس من حقهم الحصول على الخدمات الطبية، ولا التعليمية، كما يتم إلقاء القبض على من لا يحمل بطاقة اللجوء، والتي قد يحصل عليها بعد سنتين -في بعض الأحيان- من تاريخ تقديمه طلب الحصول عليها.

موقف الحكومة

ومن جانبه، قال المستشار محمود فوزي، وزير الشؤون النيابية القانونية والتواصل السياسي: "مصر، حكومةً وشعبًا، كانت دائمًا سباقة في تقديم المساعدة الإنسانية لمنكوبي الكوارث حتى قبل تأسيس الأمم المتحدة، وهذه المسؤولية التاريخية تُعد مصدر فخر واعتزاز لمصر، حيث ارتبط اسم مصر دائمًا بالأمن والأمان، ويُعرف الشعب المصري بكرمه وحسن ضيافته. أما فيما يخص تنظيم أمور اللاجئين عالميًا، يتم ذلك إما من خلال المفوضية السامية لشئون اللاجئين أو عبر أجهزة وطنية مختصة".

المستشار محمود فوزي
المستشار محمود فوزي

وأضاف في كلمته بالبرلمان أثناء مناقشة القانون. أن بعض الديمقراطيات العريقة تتبنى نظامًا وطنيًا لإدارة شؤون اللاجئين، مؤكدًا أن التغيرات الجيوسياسية الأخيرة فرضت على المشرّع المصري تصميم نظام يجمع بين الأجهزة الوطنية والمفوضية لتحقيق أقصى درجات الكفاءة والإنصاف، كما أن إنشاء نظام لجوء عادل يتمتع بالنزاهة والشفافية يعكس الأبعاد الإنسانية العميقة، مع إعطاء الأولوية في النظر إلى طلبات اللجوء المقدمة من الفئات الأكثر ضعفًا، مثل ذوي الإعاقة، النساء الحوامل، المسنين، وضحايا الاتجار بالبشر والتعذيب.

وأشار الوزير إلى أن القانون يكفل لكل من يتمتع بوصف لاجئ مجموعة من الحقوق وفق المعايير الدولية أهمها التعليم والعمل والرعاية الصحية والأحوال الشخصية وممارسة الشعائر الدينية، وعلى من يتمتع بهذا الوصف احترام الدستور والقوانين المصرية وعدم الإخلال بالنظام العام والأمن القومي.

وأكد أن قرارات اللجنة المختصة بشؤون اللاجئين تخضع للمراجعة القضائية، وهو ما يؤكد التزام مصر بضمان الدقة والوضوح بعيدًا عن أية تجاوزات، وبمجرد تقديم طلب اللجوء، حيث يتمتع المتقدم بوضع قانوني خاص، وعند الاعتراف به كلاجئ من قبل اللجنة المعنية، يحصل على حقوق قانونية إضافية وفقًا للقانون.
كما يتيح القانون لأي شخص دخل البلاد -سواء بطرق مشروعة أو غير مشروعة- تقديم طلب لجوء ليحظى بالحماية القانونية اللازمة.

إشكاليات تواجه القانون

أعدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بالتعاون مع منصة اللاجئين في مصر دراسة تحليلة للقانون، قدمت خلالها نقدًا لمواد القانون، بدايةً من تجاهل أصحاب المصلحة الرئيسيين في المناقشة والصياغة والتسرع في الطرح للمناقشة والتصويت.

وأوضحت المنظمتان أنه على الرغم من مطالب المنظمات الحقوقية على مدى أكثر من عام ونصف العام، لحث الجهات التنفيذية والتشريعية المسؤولة على السماح لأصحاب المصلحة من الخبراء ومنظمات المجتمع المدني والمحامين المتخصصين، والمنظمات الدولية العاملة على قضايا اللاجئين والمجتمعات المستهدفة وغيرهم، بالاطلاع على مشروع القانون والمشاركة في المناقشات حوله، للوصول إلى صياغة تعالج التحديات والإشكاليات التي أنتجها نظام اللجوء المعمول به، إلا أن هذه المطالب قوبلت بالرفض من الجهات التنفيذية والتشريعية المسؤولة.

السودانيون هم الفئة الأكبر من اللاجئين حاليا في مصر
السودانيون هم الفئة الأكبر من اللاجئين حاليا في مصر

كما تحدثت الدراسة عن أزمة فراغ انتقالي، فلم يحدد مشروع القانون آلية تنظيم الانتقال السلس من المنظومة القانونية فجاءت نصوصه خالية من أية مواد تحدد الوضع والمركز القانوني المرتبط بطالبي اللجوء المسجلين الآن بالفعل لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أو من ما زالت ملفاتهم في مرحلة الفحص، ما يهدد بخلق فراغ تشريعي وإجرائي في الفترة بين إصدار القانون وإصدار لوائحه التنفيذية، ثم تشكيل اللجنة وتدريبها، وتخصيص الموارد القضائية والمالية المطلوبة لبدء العمل بشكل فعال.

كما أن هناك بعض التخوفات، حسب ما جاء بالدراسة التي حصلت عليها منصة فكر تاني، منها وجود قصور قانوني ومخالفات في تعريف اللاجئين وطالبي اللجوء، فقد أغفل النص بشكل صريح منح الحماية المؤقتة لطالبي اللجوء، ولم يساوهم باللاجئين الذين تحددت صفتهم بالفعل، هذه الصياغة تحرم الأشخاص من الحماية في العديد من الحالات، كما ترفع الحماية بشكل كامل عن الأشخاص الذين ينطبق عليهم وصف اللاجئ وفقًا "للنهج الظاهري" لتحديد موقف اللجوء (ما يسمى في القانون الدولي بالحالات الـ prima facie، وهو النهج الذي اعترف مشروع القانون بمشروعيته بتضمينه لتعريفات اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية)، ولكنهم لم يتمكنوا من تقديم الطلب للجنة المختصة.

وسادت الضبابية، بحسب الدراسة، في تشكيل اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين والتوسع في صلاحياتها خارج الإطار القانوني الحاكم للحماية الدولية للاجئين، والتي أوضحت أن تشكيل اللجنة واختصاصها كما يحددهما مشروع القانون، ويثيران كثيرًا من التساؤلات والمخاوف فيما يتعلق بالمعايير والمدد المعقولة لاختيار وتأهيل موظفي اللجنة العاملين على استقبال وفحص طلبات اللجوء والبت فيها.

بينما يتوسع مشروع القانون في منح صلاحيات واسعة للَّجنة لا تتسق مع المعايير الدولية الملزمة، ودون نظام واضح في الرقابة والتقييم يوفر الحماية للاجئين وملتمسي اللجوء.

ويقوم المشروع، وفق الدراسة، على نهج تجريمي، ويتعامل مع اللاجئ، وكأنه في الأساس محل شك مؤكدة أن الحماية الممنوحة له مؤقتة وبالغة الهشاشة، دون مراعاة الالتزامات الأساسية للدول المضيفة تجاه الأفراد الذي يطلبون الاستظلال بحمايتها، خاصة أنها تتجاهل المواد المخصصة، ووضع تعريف واضح لـ "اللجنة الدائمة" وتشكيلها ونظام عملها (المواد 2-6)، والتأكيد على أطر قانونية منظمة لسلطاتها بشكل يتسق مع الالتزامات الدولية، بينما يتوسع مشروع القانون في هذه المواد وغيرها في منح صلاحيات موسعة لهذه اللجنة، تقوض من الضمانات الممنوحة في مواضع أخرى للّاجئين بمن فيهم الذين حصلوا على الحماية بإسباغ اللجنة صفة اللاجئ عليهم.

نصت المادة (10) على اتخاذ "ما تراه اللجنة من تدابير تجاه اللاجئ في حالات منها مكافحة الإرهاب أو الحروب أو الظروف الخطيرة أو الاستثنائية أو على أساس اعتبارات الأمن القومي والنظام العام"، دون وضع أي محددات قانونية أو تعريفات واضحة لكل ذلك، وفقًا الدراسة، التي حذرت من أن هذا يفتح الباب لتفسيرات واسعة ومتباينة وذات طابع تنفيذي وليس قضائي.

ويحيل مشروع القانون، وفق الدراسة، الكثير من الضمانات الإجرائية وتفاصيل الحماية الأساسية للائحة التنفيذية، وهي الوثيقة التي يفترض أن تكون شارحة وليست مكملة للقانون، إذ تخضع اللوائح التنفيذية لتعديلات بقرارات من السلطة التنفيذية، ولا تخضع لنفس درجة الرقابة التشريعية والقضائية التي تحكم القوانين، وهو ما يثير الانتقادات.

ولا ينص القانون بشكل واضح على توفير الحماية المؤقتة الواجبة لملتمسي اللجوء، حارمًا إياهم من المركز القانوني الذي يمكنهم من توكيل محامين والحصول على حقهم في الدفاع القانوني، ويحرمهم من فرصة الاستئناف بوجود محامٍ يمتلك القدرة والتدريب الكافيين للتعامل مع نظام قانوني وقضائي لا يعلم المتقدمين بطلبات اللجوء عنه في أغلب الأحوال أي شيء، بحسب الدراسة.

ووضع مشروع القانون قرارات اللجنة أمام خيارين فقط وهما إما قبول الطلب وإسباغ وصف اللاجئ على ملتمس/ة اللجوء، أو رفض الطلب، بينما في كثير من الأحيان قد تحتاج اللجنة إلى إصدار قرار مبدئي بطلب معلومات أو توضيحات إضافية، ويقيد هذا النص الحق في ذلك، بينما قد يجبر اللجنة في هذه الحالة على رفض طلب اللجوء.

وفي حالة الرفض يتحتم الإبعاد خارج البلاد. على الرغم من أن مشروع القانون يعتبِر قرارات اللجنة قرارات إدارية يُطعن عليها أمام المحاكم الإدارية، لكنها لم تنظم إجراءات بقاء ملتمسي اللجوء في البلاد في أثناء نظر الطعن على قرار رفض طلب اللجوء أو الإبعاد المقدم أمام المحاكم المختصة، وهو الحد الأدنى من المعايير الأساسية للإجراءات القانونية وضمانات الحماية الأساسية التي يجب أن يشملها القانون.

ولا يحتوي مشروع القانون على مواد تمنح ضمانات وتحدد معايير اكتساب صفة اللجوء، وينص على قواعد عامة تمنع اكتساب الصفة، حيث حدد المشروع في (المادة 8) الأسباب المؤدية إلى حرمان ملتمس اللجوء من اكتساب صفة "اللاجئ" القانونية، وعلى الرغم من أن هذه الأسباب مُعرَّفة بشكل حصري في القانون الدولي في اتفاقية 1951، فقد عدل المشروع فيها بأن حذف "غير سياسية" من السبب الثاني المذكورة في الاتفاقية (ليصبح ارتكاب جريمة سياسية سببًا للحرمان، ما يتعارض بشكل صريح مع أهداف المواثيق الدولية المعنية بحقوق اللاجئين).

واستحدث النص سببين إضافيين للحرمان: الإدراج على القوائم الإرهابية، أو ارتكاب أفعال "من شأنها المساس بالأمن القومي أو النظام العام"، ونفس تلك الأسباب تنتزع من الحاصل على صفة اللجوء تلك الصفة، وتجعله عرضة للترحيل.

ميناء أرقين على الحدود المصرية السودانية (وكالات)
ميناء أرقين على الحدود المصرية السودانية (وكالات)

ويخول مشروع القانون اللجنة المشكَّلة في الحرمان من صفة اللجوء أو إسقاطها عند "إغفال أي معلومات أو بيانات أساسية" وبخلاف أن هذه العقوبة غير متناسبة مع المخالفة القانونية، وتعكس النهج العقابي والتشكك المبالغ فيه تجاه ملتمسي اللجوء، فإن هذا النص يتجاهل حقيقة أن معظم طالبي اللجوء هم أشخاص تعرضوا لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وهم في معظم الحالات أشخاص اضطروا إلى الفرار في ظروف استثنائية وفقدوا الاتصال بجزء كبير من حياتهم السابقة، ما يؤدي بطبيعة الحال إلى صدمات نفسية عميقة بالإضافة إلى فقدان الوثائق والأوراق الشخصية وكل ما يذكِّر الأشخاص بحياتهم السابقة، بالإضافة إلى ممارسة الحقوق السياسية والنقابية والتعبير عن الرأي السياسي والإخلال "بالنظام العام" (مادة 30 و31).

بينما ينص المشروع على منع تسليم اللاجئين لبلاد الأصل وبلد الإقامة السابق (مادة 13)، فالتوسع في أسباب إسقاط صفة اللجوء، وخلو القانون من ضمانات الطعن وبيان التفاصيل التي رُفِض بسببها طلب اللجوء، وخلوه كذلك من النص على أكثر من درجة للاستئناف والتظلم، ونصه على الإبعاد التلقائي في حالة رفض طلب اللجوء، كل هذا يفرغ تلك الضمانة من المعنى والفعالية.

يقصر مشروع القانون المطروح حق ممارسة الشعائر على أصحاب "الديانات السماوية" فقط، ما يفتح الباب لتقييد الحق في العقيدة وممارسة الشعائر عن غير متبعي ديانات محددة، وكذلك يسمح بحرمان اللاجئ من اكتساب صفة اللجوء أو إسقاطها، إن كان يمارس شعائر دينية تصنفها الدولة على أنها تتعارض مع النظام العام أو "مراعاة قيم وعادات المجتمع المصري" كما جاء في نص المادة( 14)، وفق ما جاء في الدراسة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة