"كل ما اتخذته الحكومة من قرارات كان هدفه الأول تحقيق صالح المواطن المصري البسيط"؛ بتلك العبارة يمكن تلخيص أول المؤتمرات الصحفية المطولة التي عقدها رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي عن الأسعار في 2024، والذي أثار كثير من الجدل.
جاء المؤتمر متزامنًا مع موجة من رفع الأسعار؛ بدأت بكروت الشحن بنسبة 10% لكروت الفكة و25% للكروت العادية وخدمات الإنترنت، وما تلاها من رفع تذاكر مترو الأنفاق بنسبة 25%، وشرائح الكهرباء، وأخيرًا رسوم نقل ملكية السيارات المستعملة إلى 10.5%.
وسط توقعات بتأثير موجة ارتفاع الأسعار الأخيرة على مستوى التضخم، كان تركيز مدبولي منصبًا على ربط سياسة الحكومة بـ"صالح المواطن"، بالتأكيد على تحملها قدرًا من الأعباء "تخفيفًا عن كاهله"، وإدراكها الكامل فاتورة التضخم، والتي ظهرت في العديد من السلع وأوجه الحياة بشكل عام، حسبما قال.
المترو.. الحكومة تتحدث عن تحمل أعباء 3 سنوات
في حديثه عن مرفق السكك الحديدية والمترو، قال مدبولي، إن الحكومة لم تفرض أي زيادات منذ ما يقرب من 3 سنوات بهدف "تخفيف الأعباء على المواطن"، وأن الزيادة الأخيرة تستهدف "المحافظة على المرفق وتغطية تكاليف التشغيل والصيانة".
استند "مدبولي" في حديثه لما أسماه "رأي كثير من الاقتصاديين" لم يذكرهم، ناقلًا عنهم أنه لضمان كفاءة واستمرار خدمة معينة يجب عل الأقل أن تغطي الخدمة تكلفة التشغيل والصيانة.
بحسب مدبولي، فإن الدولة تحملت 30 مليار جنيه تكلفة تجديد وصيانة الخط الأول لمترو الأنفاق "الذي كان قد تهالك، ولو تلك الأموال لكان الخط سيتوقف وهو يخدم المواطن".
تثير تلك النقطة تساؤلًا، فالموازنة العامة للدولة تتضمن مخصصات تتعلق بالصيانة ومنها مبالغ لوزارة النقل، وموفق المترو مملوك للدولة، وبالتالي الإنفاق على صيانته، من صميم دور الحكومة وضمن مسئوليتها الأصيلة ولا يدخل ضمن دعم المواطن.
الخبز والتموين.. تأكيد مستمر على الـ 100 مليار رغيف
اهتم مدبولي كثيرًا بالحديث عن السلع التي تدعمها الدولة "دعمًا للمواطن" أكثر من مبررات رفع سعر بعض الخدمات أخيرًا، مثل الخبز الذي قال إن أعباء إنتاجه ارتفعت من 50 مليارًا في 2021، لـ 91 مليارًا حاليًا.

وتنتج المخابز 275 مليون رغيف مدعم يوميًا بواقع 100 مليار رغيف سنويًا، بحسب وزارة التموين والتجارة الداخليةَ التي تقول إن الدولة تتحمل 90 قرشًا عن كل رغيف خبز مدعم.
الفكرة ذاتها مع "السولار"، الذي يقول إن الاستهلاك السنوي منه 18 مليار لتر سولار كل لتر سولار منها تدعمه الدولة بـ5 جنيهات، ما يعني أن قيمة دعم السولار تساوي 90 مليار جنيه.
كذلك الحال بالسنبة لأنبوبة البوتاجاز التي تستهلك مصر منه سنويًا 280 مليون أنبوبة بوتاجاز، وتبلغ التكلفة الفعلية للأنبوبة على الدولة 200 جنيه تبيعها الحكومة بـ75 جنيها بفارق 125 جنيها ما يجعل دعم أنبوبة البوتاجاز إلى 35 مليار جنيه.
الكهرباء.. حينما تريد الحكومة الحساب على أساس التصدير
فيما يتعلق بزيادات الكهرباء، قال رئيس الوزراء إن الوقود المُشغِّل لكل محطات الكهرباء يتم شرائه بالدولار، بالتالي فإن شراء هذا الوقود على أساس سعر الدولار 16 جنيهًا مختلف تمامًا عن شرائه عند مستويات الأسعار الحالية للدولار التي تبلغ نحو 31 جنيهًا، لافتًا إلى أن دعم الكهرباء وصل هذا العام إلى 90 مليار جنيه خلال هذا العام فقط.
حديث رئيس مجلس الوزراء عن الكهرباء بالذات، يثير التساؤلات، فمعظم محطات الكهرباء المحلية تعمل بالغاز الطبيعي المحلي وليس المستورد، باستثناء عدد قليل يعمل المازوت.

ما يقصده مدبولي هو سعر التعامل بين وزارتي الكهرباء والبترول، وكان قد تناول تلك النقطة في مؤتمر خلال أغسطس الماضي، حينما قال إن الكهرباء تشتري الغاز الطبيعي من البترول، لتكون المليون وحدة حرارية بسعر 3 دولارات،بينما كان السعر العالمي وقتها عند التصدير 30 دولارًا.
الدعم هل هو المشكلة؟
حديث رئيس الوزراء يحمل الدعم مسئولية الأوضاع الحالية، حينما قال إنه قفز إلى 342 مليار جنيه مقارنة بأقل من 100 مليار جنيه منذ عامين، واعتبر استدانة تلك الأموال سبب عجز الموازنة إذ يتم سده بالقروض بسعر فائدة 25% مقابل أقل من 10% قبل أعوام.
وقال مدبولي نصًا: "أمر مستحيل أن تظل الدولة في الاستمرار بزيادة الديون وأعبائه، والفجوة الواقعة في هذا الشأن فيما يتعلق بالدعم الذي اتخذنا فيه شوطا جيدا نحو ترشيده".
وأضاف أنه يريد أن يضع أمام كل المواطنين المصريين الصورة الحالية "لأن هذه أموال الشعب المصري” ، لكنه شدد على أن تلك السياسة "التحمل عوضًا عن المواطن" لا يمكن أن تستمر، فهي أعباء لا يمكن للدولة وهي تدير شئونها الاستمرار فيها.
الدين العام.. الحكومة تحمل الدعم المسؤولية
رغم ارتفاع فوائد الديون بمعدل 120% خلال الربع الأول من العام المالي الحالي 2023/2024؛ لتصل إلى 477.5 مليار جنيه، مقابل 216.9 مليار جنيه في الربع ذاته من العام 2022/2023، لتستحوذ على 60% من الإنفاق الحكومي، لكن رئيس الوزراء ركز على مصروفات الدعم.
وعند الحديث عن الديون، قال إن الدولة وضعت خطة واضحة للمسار الاقتصادي خلال 5 سنوات مقبلة، تستهدف الوصول تدريجيا بنسبة الدَين إلى ما دون 80% من الناتج المحلي الإجمالي، عبر زيادة حجم الإيرادات وتخفيض حجم المصروفات، ولم يذكر التوقف عن الاستدانة.
وأضاف أنه طبقًا للمعايير الصحية، عندما تكون نسبة الدَين أقل من 75% في دولة ما، يعكس ذلك أن اقتصاد هذه الدولة هو اقتصاد سليم وصحي وقادر على الانطلاق والنمو بصورة كبيرة للغاية، وأن مصر كانت على بُعد خطوات قليلة للغاية لتحقيق هذا الأمر لولا حدوث الأزمة العالمية وما صاحبها من زيادة في معدلات التضخم.
الحكومة: نتعاون مع الاقتصاديين
يعيد مدبولي الاستناد في كلمته إلى "الاقتصاديين" الذين لم يسمهم أيضًا، ناقلًا عنهم أن "أي اقتصاد ناجح وجيد” يتم تقييمه وفقًا لمعايير "التضخم، والنمو، والبطالة"، فكلما قل التضخم والبطالة وزاد النمو يكون الاقتصاد جيدًا.
وأوضح أن الاقتصاد المصري مع تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي حتى عام 2021 كان قد حقق هذه المعادلة السحرية؛ "فاستطاع تحقيق أعلى معدل نمو وأقل معدل تضخم وأقل نسبة بطالة".
وتابع: "التطورات التي حدثت بعد عام 2021، والأزمة العالمية الخانقة التي نتجت عن زيادة معدلات التضخم العالمية والحرب الروسية والأوكرانية وكل ما نواجهه اليوم حول حدودنا وفي المنطقة، هو ما تسبب في وجود التضخم بنسب كبيرة للغاية".
وفي نهاية الخطاب، أعاد مدبولي التأكيد على أن الحكومة لا تعمل منفردة ولكن قراراتها نتاج لتفكير الاقتصاديين، الذين ذكرهم في العموم في أكثر من موضع بكلمته، قائلًا: "نُجري مناقشات كثيرة مع كل خبراء الاقتصاد حول كيفية استعادة المسار الإصلاحي وعودة الاقتصاد المصري".