احذر... الإنترنت فيه سم قاتل! (1-2)

 

يعد قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات من حزمة قوانين جديدة أصدرتها الدولة لمجابهة التطور السريع الذي شاب كل من الحياة الخاصة والعامة في مصر، جنبًا إلى جنب مع عدة قوانين أخرى لمحاولة معالجة الظواهر الاجتماعية والسياسية التي أحاطت المجتمع المصري منذ يناير 2011.

لكن القانون سابق الذكر ليس جديدًا فقط من ناحية إصداره، ولكنه يُكّون أيضا منظورا تشريعيا جديدا بل ومعقدا لظاهرة انتشار استخدام وسائل تقنية المعلومات عبر الفضاء الإلكتروني وتضافرها وكافة تفاصيل الحياة، نظرا لدخول النظم المعلوماتية واستخدام شبكات الإنترنت في العديد من مناحي الحياة، حيث خلق الفضاء الإلكتروني مجتمعًا موازيًا للمجتمع الحقيقي الذي نعيش فيه، فأصبحت الجرائد مواقع إلكترونية دون إصدار ورقي، وأصبح دفع مقابل الخدمات والمرافق يتم عبر تطبيقات معينة وبطاقات الدفع الإلكتروني دون حاجة لاستخدام الأوراق المالية، وأصبحت الفواتير تأتيك في شكل رسالة عبر هاتفك المحمول أو بريدك الإلكتروني، وأصبحت مقالات الرأي أو ما كان يسمى ببريد القراء يأتي في صورة منشور أو فيديو بث مباشر عبر ما سمى وسائل وتطبيقات التواصل الاجتماعي.

اقرأ أيضًا:الفلسطينيون الذين لم يبيعوا أبدًا أرضهم

هكذا كان على الدولة التعامل مع كم هذا التطور في سلوك الأفراد والمجتمع، وإدخال هذه المنظومة الجديدة داخل الإطار القانوني والمراقبة التشريعية خوفًا من ارتكاب جرائم وأفعال مؤثمة، عبر إصدار قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر عام 2018، وغيره من القوانين الأخرى التي صدرت في الفترة نفسها للتعامل مع الإنترنت وما يصدره من مشكلات اعتبرتها الدولة تكديرا للسلم الاجتماعي العام!

وعلى الرغم من ضرورة وجود مثل هذه القوانين، إلا أن الدولة لم تراع أن المسألة التي من المفترض معالجتها بهذا القانون هي ظواهر جديدة كان يجب مراعاة مناقشتها اجتماعيا بشكل واسع وتبسيطها للمجتمع المخاطب بها دون تعقيد المصطلحات المعلوماتية التي هي أغلبها مصطلحات تقنية معقدة وغير مفهومة للعامة.

لا يعرف قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الجريمة المعلوماتية بشكل واضح، إلا أنه يؤثم بعض الأفعال المرتكبة عبر الفضاء الإلكتروني باستخدام هذه التقنيات كفعل موازي للجرائم المعاقب عليها بقوانين أخرى كقانون العقوبات مثلا.

حرية التعبير مكفولة بنص الدستور، بالطبع، لكن الفلسفة التشريعية لقانون جرائم المعلومات وكذلك القوانين الأخرى التي صدرت في الفترة نفسها تعامل الفضاء الإلكتروني وخاصة مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي باعتبارها وسيلة نشر واسعة ومفتوحة يتم ممارسة الرقابة عليها بصرامة شديدة، فإذا تجاوز عدد متابعين "حسابك الشخصي" عزيزي القارئ 5 ألاف متابع فإنك مرصود من قبل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، حيث أعطاه القانون سلطة توقيع العقوبات عليك إذا وجد في نشرته تعبيرا عن رأي ما لا يعجبه، فكن على حذر!

كذلك فإن الهزل وافتعال المقالب محظور بموجب هذه القوانين، فإذا أرادت زوجة منفعلة عاطفيا – مثلا - أن تختبر وفاء زوجها - التي تشك رغم عدم وجود أسباب من حبه لها – أن تنتحل شخصية افتراضية وتفعل حسابًا على مواقع التواصل الاجتماعي باسم مستعار لتنفيذ خطتها الجهنمية، فإن زوجها عزيزي القارئ يمكنه أن يرد هذا المقلب لزوجته بحبسها على هذه الفعلة 3 أشهر كاملة يمارس فيها حياته براحة تامة، حيث يجرم القانون حالة اصطناع بريد أو حساب أو موقع ونسبه زورًا لشخص طبيعي (١) حتى ولو لم يترتب على ذلك ضرر!

في نفس السياق، وبعيدا عن الهزل أدى التوسع في استخدام تفسير هذه المادة، إلى حبس شاب أدار حساب على موقع الفيس بوك باسم أحد الفنانين المشهورين، توصلت التحريات في القضية أن الصفحة أنشأت بهدف زيادة عدد المتابعين عليها، ولم يقع أي ضرر حقيقي آخر، كان من الممكن الاكتفاء بغلق الصفحة أو توقيع عقوبة الغرامة على هذا الشاب ومنعه من استخدام الإنترنت كما يتيح القانون في مواده مثلا، إلا أن اللجوء إلى عقوبة الحبس والمحاكمات التي تتمتع بتغطية واسعة من الصحف هو السبيل التي تسعى السلطات من خلاله إلى تحقيق الردع العام تجاه هذا النوع من الأفعال، على الرغم من أنه يمثل في نفس الوقت تهديدا لمستقبل مثل هذا الشاب وغيره من الشباب والفتيات

لذلك، هناك مشكلات حقيقية تثيرها هذه المواد، وتمثل جدلا في طرق تطبيقها خاصة في ظل عدم وجود ضوابط أو شروط محددة، وكذلك في ظل المصطلحات الفضفاضة المستخدمة من قبل المشرع في كافة المواد العقابية في هذه القوانين التي من الممكن أن تندرج تحتها أية تفسيرات وتعريفات تحمل القانون وتطبيقه أكثر مما يحتمل.

[1]  مادة 24 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات – فقرة 1 – "في حالة اصطناع بريد أو حساب أو موقع ونسبه زورًا لشخص طبيعي أو اعتباري (لفرد أو لكيان قانوني خاص)، يتعرض القائم بذلك لعقوبة تصل إلى الحبس مدة لا تقل عن 3 أشهر وغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه ولا تجاوز 30 ألف جنيه أو بإحدى العقوبتين. حتى لو لم يترتب على ذلك ضرر."

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة