الفلسطينيون الذين لم يبيعوا أبدًا أرضهم

 

ألم يحن الوقت بعد للتخلص من أولئك العرب؟ لماذا لا نجتث هذه الأشواك من الأرض؟ أليس غباءً أن نغض الطرف عنها حتى تجرحنا؟

علينا أن ننتهز الفرصة التاريخية، فنُخلي الأرضَ منهم فورًا، إنه قرارٌ لا ينبغي إرجاؤه، يجب ألا نترك قريةً أو عشيرةً عربية، وليكن حراكُنا في هذا الصدد، تأسيسًا على أن الاستيلاء على الأرض، واجبٌ “مقدس”.

بهذه العباراتِ الواضحة، تحدث يوسف فايتس، مدير إدارة الأراضي في الصندوق القومي اليهودي، في اليوم الأخير من عام 1947 أمام اجتماع الهيئة الاستشارية اليهودية، برئاسة بن غوريون، في مقر الهيئة بتل أبيب، والذي كان يسمى البيت الأحمر، وكانت جدرانه مزينة بصور كارل ماركس ولينين، ولوحات عليها عبارات اشتراكية على غرار: “أخوة في السلاح”.

ومضى فايتس محتدًا يخطب بنبرة هادرة: إن القيادة اليهودية تتألف من عاجزين متخاذلين، وغير قادرين على اتخاذ قرارات جريئة، في هذه المرحلة المفصلية المهمة، من تاريخ الشعب اليهودي، ويؤسفني أن أقول لكم، إن اهتزاز القيادة سيضيّع فرصة لن تسنح مجددًا.

وإزاء هذه الكلمات الخشنة، ابتسم بن غوريون، ومال برأسه الضخم نسبيًا إلى الوراء، وسحب شهيقًا بعمق، فإذا أنفه الغليظ ينتفش أكثر، فأغمض جفنيه برهةً، وعبثت أصابعه في خصلات شعره الأبيض المبعثَّر، فوق صلعةٍ ناتئة، ثم أخذ يتفرَّس بعينيه الضيقتين الحضور، ومن ثم دعاهم لاستئناف “الجلسة النقاشية” في بيته، حيث الأجواء أكثر ودية.

اقرأ أيضًا:أولئك الأغبياء الإسرائيليون

على أن كلمات فايتس، رغم ما فيها من هجوم غير مألوف على “الرجل العجوز”، كما كان يُنادى على سبيل التقدير، قد صادفت هوىً في نفسه، التي كانت تتحرق نهمًا لانتزاع كل فلسطين التاريخية، بوسائل خشنة قاسية، ذلك أن حدود الدولة ترسمها القوة، كما يرد في مذكراته التي كشف معهد “عكيوف” الإسرائيلي، عن نزر يسير منها، قبل عامين، في حين لا يزال جلها محاطًا بالسرية.

وحسب أرشيف منظمة الهاجاناه الصهيونية، فإن تلك “الجلسة النقاشية” أفضت بعد جدل طويل، إلى تشكيل لجنة فايتس لتهجير العرب، وكذلك إعطاء الضوء الأخضر، لتسريع تنفيذ الخطة “دالِت” التي اشتملت على بدء حملات “الاستطلاع العنيف” على القرى العربية”، وتضمنت بنودها: العمل على إشاعة رعب واسع النطاق بين القرويين، وقصف القرى ومحاصرتها، وحرق منازل الفلاحين، وزرع الألغام للحيلولة دون عودتهم.

ملامح سياسة “الدفاع العدائي”

في الاجتماع ذاته، حدد بن غوريون، استراتيجيات العمليات “الإرهابية” ضد الفلسطينيين: “كل هجوم ينبغي أن ينتهي بدمار وطرد ومن ثم استيلاء على الأرض، لسنا في حاجة إلى قرية تهاجمنا، بل سنبادر نحن، وسنبدأ تنفيذ سياسة “الدفاع العدائي”، يجب أن يعي القادة العسكريون، أننا متفوقون على العرب، وسنفعل ما يلزم لطردهم وتحطيمهم معنويًا”.

ذاك الاجتماع كان المنعطف المحوري في تراجيديا النكبة، ومن بعده صارت الهجمات على القرى العربية أشد وتيرة، حتى جرى تهجير نحو 750 ألف فلسطيني، كانوا يشكلون نصف السكان العرب تقريبًا، وسوّيت 531 قرية بالأرض، خلال بضعة أشهر.

وفي كتابه التطهير العرقي في فلسطين يُرجع المؤرخ الإسرائيلي التصحيحي “إيلان بابه”، تدشين مؤامرة التطهير حراكًا عسكريًا على الأرض، إلى الضابط الإنجليزي “أورد وينجيت” الذي أخذ على عاتقه مهمة تدريب عناصر الهاجاناه.

الضابط الذي خدم في مستعمرة الهند البريطانية فترةً، وانحدر إلى فلسطين، كان تعاطف مع اليهود، فأخلص في تدريبهم على سفك الدماء، وينسب إليه قوله في محاضرة لعناصر الهاجاناه: “أعتقد أنكم لا تعرفون كيفية استعمال الحراب المثبتة، على فوهات بنادقكم.. هذا سلاح فتّاك، حين تهاجمون العرب القذرين”.

بعد ذلك بنحو عشرين عامًا، هتف رقيب إسرائيلي بنشوة “دراكولاية” في جنوده، لدى عودتهم من “مهمة ناجحة”: “لو كان وينجت معنا، لكان فخورًا باستخدامكم الحراب بإتقان”.

هذا الاستخدام كما تفيد شهادات الناجين من المذابح، من أهالي القرى الفلسطينية، كان متقنًا بالفعل، في حالات بقر بطون الحوامل، واستخراج الأجنة منها، بجانب جرائم أخرى، مثل دحرجة براميل البارود من المرتفعات، على بيوت العزل، كما حدث في حيفا، وفظائع اغتصاب النساء الموثقة بشهادات أممية، وحرق البيوت، ودك القرى بالمدفعية، وإعدام العشرات جماعيًا.

كل شيء حي أدركه الموت

لقد كتب “كيث ويلر”، مراسل “شيكاغو صن تايمز”، في تقريره عن الفظائع التي رآها بعينه، خلال مرافقته قوات الهاجاناه لدى مداهمتهم بلدتي اللد والرملة: “عمليًا كل حي أمام المسلحين اليهود أدركه الفناء، على جانبي الطرق تتراكم الجثامين المثقوبة بالرصاص، إن الموت في كل مكان”.

هكذا تتهافت الروايات الإسرائيلية، بأن الفلسطينيين باعوا أرضهم، أو غادروها طوعًا، استجابةً لمناشدات القادة العرب، عبر أثير الإذاعات، بغية إفساح الطريق للجيوش، لكي تتصدى للعدوان، بل إن مراجعة أرشيف هيئة الإذاعة البريطانية، والاستخبارات الأمريكية، تؤكد أن شيئًا من ذلك لم يحدث، كما يثبت المؤرخ الفلسطيني البريطاني وليد الخالدي، في دراسته المهمة عن الخطة “دالِت” بمجلة الدراسات الفلسطينية عام 2013.

لكن.. لماذا هذا النبش في قلب التاريخ؟

ببساطة لأن التاريخ يكرر المشاهد ذاتها في اللحظة الراهنة، والذين يسخرون من مقولة إنه يعيد نفسه، أغبياء كمن يقولون إن الصاعقة لا تضرب ذات الموقع مرتين، وفق تعبير عالم الأنثروبولوجيا الكبير “ويليام هاولز” في كتابه “ما وراء التاريخ”، وبغير فهم التاريخ، تبدو الحقائق مفتعلة ومقتلعة، والتعميماتُ مشوّشة، وتخرج الصورة الكلية، ولها شكل مسطح، لكن ليس لها عمق، حسب الراحل الكبير، والذي نفتقد صوته حقًا، الدكتور جمال حمدان.

أصالة النزعة الإثنية في العقلية الإسرائيلية

نعم.. إن التاريخ يتكرر، واللافت أن هذا التكرار يؤكد المؤكد، من ثبات شخصية دولة الاحتلال الإجرامية، ومتانة نزعتها الإثنية، ورسوخ جذورها الإيدولوجية الإقصائية، منذ وضع “الآباء المؤسسون”، أو قل “الإرهابيون الأوائل” لبناتها، ومضى التابعون بإفساد، من ورثتهم يبنون فوق هذه اللبنات.

لقد ترسخت فكرة التهجير في العقلية الصهيونية، منذ مخاضها المبكر، وكان لزامًا بالطبع إيجاد ذريعة أخلاقية لانتزاع الأرض من أصحابها، وقد تمثلت تلك الذريعة في عبارات زئبقية على شاكلة: حق إسرائيل في الوجود، وهو ما يقتضي حتميًا نفي سمة الإنسانية عن الفلسطيني، والتعامل معه باعتباره “غير مرئي”، وفق نور الدين مصالحة في دراسته “أرض أكثر.. عرب أقل”.

الرواية الإسرائيلية بشأن التهجير، وما اقترن به من مذابح، تذهب إلى أن “اليهود المتحضرين” كانوا يحاربون العرب الهمجيين البرابرة، عديمي الفائدة “الذين يحبون احتساء القهوة والنسوان ويأكلون الرز بأياديهم”.

نفي وجود الآخر عبر مقولة إن فلسطين أرض ليس لها أصحاب، أو شيطنة سكانها، كان ضرورة حتمية وصيرورة لدولة “الشعب المختار”، وفي هذا السياق، وقف بن غوريون، خطيبًا في مقر اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية، سنة 1938، أي قبل النكبة بعقد من الزمان: “أؤيد من دون تحفظات الترحيل القسري، ولا أرى شيئًا غير أخلاقي في ذلك”، وفي السياق الفكري والأخلاقي ذاته، يقول وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، اليوم، إن جيشه “يحارب حيوانات بشرية”.

واللافت أن هذا الخطاب يدغدغ مشاعر الرجل الأبيض، الذي لم يغتسل بعد من قاذورات التفوق العنصري، ولعل تلك القاذورات هي التي دفعت مراسلًا لشبكة “سي بي إس” الأمريكية، إلى أن يقول تعليقًا على الحرب الروسية في أوكرانيا: “هذا الغزو لا يمكن مقارنته بالحرب في العراق وأفغانستان لأن الأولى أكثر تحضرًا”، وجعلت مراسلة محطة “إن بي سي” تقول: “هؤلاء ليسوا لاجئين من سورية، بل أوكرانيا المجاورة.. مسيحيون وبشرتهم بيضاء مثلنا”.

أيما يكن من أمر هذه الملاحظة، فإن النكبة بدأت إذ ارتكبت العصابات الصهيونية المسلحة، تحت غطاء من التواطؤ البريطاني، الذي يرتد إلى وعد بلفور عام 1917 ومظلة الأمم المتحدة التي أصدرت القرار 181 في نوفمبر عام 1947 بمنح اليهود الذين كانوا يشكلون 25% من السكان، 56% من فلسطين التاريخية، ولما انتفض أصحاب الحق، وقف العالم “يتفرّج” على ذبحهم جماعيًا.

هكذا كان الأمر في بدايات النكبة، وهو كذلك اليوم، إذ تُغاث إسرائيل بحق النقض “فيتو” من قبل واشنطن، في الأمم المتحدة، ضد قرار وقف إطلاق النار، على المستشفيات ودور العبادة والبيوت، وقتل النساء والشيوخ والأطفال.

جميع المشاهد مكررة بمنتهى الرتابة، ولا استثناء إلا أن الرواية الإسرائيلية في ظل ثورة وسائل التواصل، ونجاح حركة المقاومة “حماس” في معركة الصورة، لم تعد مستساغة لضمير الإنسانية، الذي يسمع ويرى ويتكلم، والذي صار يعلم أن الفلسطينيين ليسوا برابرة، بل إن الاحتلال هو البربري، ويعلم أن الفلسطينيين لم يبيعوا أرضهم، بل إنهم قاوموا ويقاومون، بمنتهى البطولة والبسالة، ولولا أنهم لا زالوا مرابطين على ثغور أرضهم، لكانت إسرائيل قد نفذّت التهجير الثاني، وانتهت القضية منذ زمن بعيد.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة