خلال أيام أكمل عامي الأول خارج أسوار السجن بعد حبس "احتياطي" طال لمدة تقارب الأربع سنوات، بدأت مع استفتاء تعديل الدستور في أبريل عام 2019، وانتهت مع خروجي في أول يناير عام 2023. خلال هذه المدة التي غبت فيها عن الأسفلت، ولدت ابنتي الثانية ،مليكة، بعد حبسي بعدة شهور واجتاحت الكورونا العالم واشتعلت الحرب الروسية الأوكرانية، من ضمن أحداث أخرى غيرت وجه العالم الذي عرفته قبل دخولي السجن. وربما كان الحدث العالمي الأبرز منذ خروجي هو "طوفان الأقصى" الذي تضائلت بجانبه باقي أحداث العام وذكرياته لما شكله من صدمة للوعى العالمي بما يجري في فلسطين منذ عقود وما أنتجه من واقع عالمي جديد لا يزال تحت التشكل.
فهل نحن بصدد حراك عالمي جديد؟
من أهم ما يميز حرب الإبادة الجارية الآن ضد الشعب الفلسطيني هو حجم التضامن العالمي الذي لا أظن أن جيلي من مواليد الثمانينات من القرن الماضي قد عاشه من قبل. بالطبع هذا الأمر مرتبط بمدى الاجرام غير المسبوق الذي تمارسه القوات الصهيونية في فلسطين والذي فاق حتى جربمة الغزو الأمريكي للعراق بل وحتى نكبة 48 نفسها والتي لم تكن القوات الصهيونية تمتلك فيها كل تلك القوة العسكرية والدعم غير المحدود من القوى الكبرى في العالم رغم امتلاكها لقدر مماثل من الخسة والعداء لكل ماهو إنساني وقيمي، ولكن أيضًا، لا يمكن أن نغفل أن ذلك التضامن العالمي مرتبط بتطور وسائل الاتصال بين البشر لمرحلة لم تحدث في التاريخ من قبل.
وبالطبع كلما حدثت نقلة جديدة في وسائل الاتصال - خاصة منذ اختراع الطباعة ثم التليفون والراديو - وصفت بأنها نقلة غير مسبوقة في تاريخ البشرية وهو قول رغم صحته إلا أنه في هذه اللحظة يأخذ منحنى جديد مختلف قليلًا ودعني أشرح لك عزيزي القارئ في السطور التالية.
ربما لا يغيب عن القارئ أن جيلي عاش لحظة ظهور الفيسبوك كعمدة لوسائل التواصل الاجتماعي ثم لحظة اعادة اختراعه في مصر والعالم العربي كأداة للتنظيم السياسي والاحتجاجي حاولنا بها تعويض عشرات السنين من القمع الأمني والمنع السياسي ونجحنا في ذلك بشكل كبير مرورًا بعدة محطات هامة مثل اضراب 2008 واحتجاجات كلنا خالد سعيد حتى توج ذلك المسار بالربيع العربي الذي كان ذروة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في التنظيم السياسي وتحويله لفعل عملي مؤثر على أرض الواقع.
ولا يخفى على أحد كيف استطاعت النظم الحاكمة القديمة التكيف مع التهديد الناشئ لسطوتها واستيعاب الموجات الاحتجاجية بأشكال متنوعة من بلد لآخر حتى تحولت وسائل التواصل الاجتماعي لمصدر من مصادر قوتها الاعلامية وانتهى، تقريبًا، حلم استخدام منصات التواصل الاجتماعي كجسور للقفز فوق أسوار المنع المشدد للتنظيم السياسي الحر حتى أن موقع مثل الفيسبوك أصبح من موانع التفاعل مع ما يحدث في فلسطين.
فما هو الجديد الآن؟
أولًا طبيعة العدو الذي نحتاج لمواجهته في هذه المعركة، فالنظم السلطوية الخشنة لم تعد هي العدو الرئيس الذي تجب مواجهته، بل أكتشف العالم - فجأة تقريبًا - أن النظم الديمقراطية الحرة التي تحكم بها الشعوب نفسها بنفسها ليست على هذا القدر من الحرية والأخلاقية والمساواة، وأنها جميعا تحت درجة ، تتفاوت من بلد لبلد، من درجات سيطرة اللوبي الصهيوني على القرار السياسي والنفوذ المتحكم في مصير البلاد، مما ولد حالة من الرغبة في المقاومة عند قطاعات ربما لم يكن لديها الدوافع الملحة للمقاومة قبل ذلك ولكنها وجدت نفسها تحت قمع مختلف يمكن أن نسميه "القمع الناعم".
ثانيًا، التطور في تكنولوجيا الاتصالات الذي حول التواصل الاجتماعي من مجرد وسيلة لتبادل النصوص المكتوبة، وهو ما ميز مرحلة الفيسبوك وتويتر وغيرها من المواقع حتى فترة قريبة، إلى وسيلة للتعبير بالفيديو مع ما يعنيه ذلك من إطلاق قوة تعبير الانسان العادي، الذي يجد عادة صعوبة في التعبير بالكتابة ليعود لطبيعته للتعبير بحركات الوجه وحركات الايدي بل والدموع أحيانًا. ولا يمكن إغفال تأثير ذلك على مشاعر المتلقي الذي وجد نفسه يتفاعل مع أشخاص من لحم ودم ومجتمع كامل يظهر في الخلفية، بعدما كان التفاعل مع نصوص مكتوبة أو حتى مصورة ربما خضعت للكثير من التنقية والتعديل حتى تصل إليه.
ثالثًا، لا يمكن إغفال دور التطور في تقنيات الترجمة التي أتاحت لأي شخص في أي مكان في الكوكب مخاطبة جماعات وأفراد في مكان وزمان مختلفين تمامًا وتصل رسالته ربما في نفس الساعة التي يرسلها فيها، مع ما لذلك من تأثير شاهدناه في تفعيل فكرة التضامن العالمي والغاء، تقريبًا، حاجز اللغة الذي لم تقترب البشرية من التخلص منه بالكامل طوال تاريخها مثلما أصبحت على بعد خطوات للتخلص منه تمامًا الأن.
فهل تكفي كل تلك العوامل لخلق حراك عالمي جديد نحو عالم أكثر عدلًا وأمنا وحرية، أم تستطيع القوى المهيمنة على العالم استيعابها والتغلب عليها لكي تغلق أبواب الأمل التي لم تفتح من قبل؟
سوف تجيب الأيام على ذلك السؤال، ولكن المؤكد أننا نخطو سريعًا نحو عالم جديد، قد يكون أكثر حرية، أو أكثر وضوحًا في قمعه للحرية.