احموا النساء من الاغتصاب.. "ود مدني" تستقبل "الدعم السريع"

"كنت أصرخ وأبكي ولم أجد أحدًا لينقذني"؛ هكذا هو الوضع تحكيه إحدى السودانيات اللاتي اغتصبن في عمليات ممنهجة، تبرز تفشي جرائم الحرب التي يشهدها السودان منذ 15 أبريل الماضي بين قوات الدعم السريع والجيش، وقد وصلت إلى محطة جديدة في مدينة "ود مدني"؛ عاصمة ولاية الجزيرة جنوبي ولاية الخرطوم في وسط البلاد.

في تصريحاته قبل يومين، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش عن بالغ القلق إزاء التقارير بشأن القتال في محيط مدينة ود مدني في ولاية الجزيرة. بينما قال فولكر تورك المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة -في بيان صحفي- إن الوضع الإنساني الذي يتكشف في ولاية الجزيرة بأسرها "صعب للغاية". وأشار إلى تقارير بمقتل عشرات المدنيين، بينهم عاملون في المجال الطبي، بالإضافة إلى عشرات المصابين الآخرين في ود مدني، بين يومي 15 و19 من الشهر الجاري، حيث يُزعم أن بعض الهجمات مدفوعًا بأسباب عرقية، وهو ما يثير الرعب بين السكان من تكرار جرائم الاغتصاب الذي شهدتها سابقًا العاصمة الخرطوم وإقليم دارفور غربي البلاد.

ود مدني.. كُتب النزوح علينا

تستضيف ولاية الجزيرة ما يقرب من نصف مليون نازح، بينهم قرابة 86 ألف نازح، كانت "ود مدني" ملجأهم، قبل أن تتعرض ومحيطها لأعمال نهب وقتال، وهجوم طال حتى مستشفى المدينة. هذا غير اعتقال عشرات الأشخاص، ومنهم أفراد احتجزوا، يُعتقد أنهم اعتقلوا على أساس عرقي وانتماءات قبلية.

فتاة تعرضت للاغتصاب على يد الدعم السريع
فتاة تعرضت للاغتصاب على يد الدعم السريع

"كانوا اتنين وأنا كنت لوحدي وما جدرت أقاوم.. اتشاكلت معاهم وكنت بصرخ وببكي لكن ما في زول أنجذني". حدث هذا في ولايات أخرى، حيث استخدم الاغتصاب كأداة لإخضاع السودانيين في مناطق القتال التي دخلتها قوات "الدعم السريع". وهو ما يخشاه سكان "ود مدني" المقدرة أعدادهم بنحو 700 ألف شخص، نزح أكثر من 300 ألف شخص منهم منذ بدء القتال في المدينة منتصف الشهر الجاري، بحسب مؤشرات الأمم المتحدة.

احموا النساء من الاغتصاب

مع اشتداد القتال بمحيطها، دشن رواد مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاج "احموا النساء من الاغتصاب"، في وقت أعلن فيه الجيش السوداني انسحاب قواته من مدينة ود مدني واستيلاء قوات الدعم السريع عليها.

وفي أغسطس الماضي، قالت بلقيس والي المساعدة في قسم النزاعات والأزمات بـ"هيومن رايتس ووتش": "يبدو أن قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها مسؤولة عن عدد هائل من حالات الاغتصاب وغيرها من جرائم الحرب أثناء هجومهم على الجنينة. على مجلس الأمن الدولي أن يتخذ خطوات عاجلة لوقف هذه الفظائع ليُظهر للمسؤولين عن الانتهاكات أن العالم يراقبهم".

وأجرت "هيومن رايتس" مقابلات شخصية في تشاد مع تسع نساء وفتاة عمرها 15 عامًا من الجنينة تعرضن للاغتصاب وأشكال أخرى من العنف الجنسي، وأحيانًا من عدة رجال في المرة الواحدة.

كما وثّقت المنظمة الحقوقية 78 ضحية للاغتصاب بين 24 أبريل و26 يونيو الماضيين.

تستضيف ولاية الجزيرة ما يقرب من نصف مليون نازح، بينهم قرابة 86 ألف نازح
تستضيف ولاية الجزيرة ما يقرب من نصف مليون نازح، بينهم قرابة 86 ألف نازح

ووفقًا لبيان مشترك أصدرته هيئات الأمم المتحدة، فإنها تلقت تقارير مروعة عن العنف الجنسي ضد النساء والفتيات في السودان، بما في ذلك الاغتصاب. وذكر البيان أن العنف الجنسي بات يستخدم باعتباره تكتيكًا من أساليب الحرب لإرهاب الناس في السودان.

وقالت سليمة إسحاق الخليفة مديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة في الحكومة السودانية أن غالبية شهادات الناجيات تؤكد أن الفاعلين كانوا من قوات الدعم السريع، وأن معظم الحالات المسجلة كانت في الخرطوم والجنينة ونيالا.

ولكن الأرقام الحقيقية اكبر بكثير من المسجل والتي تبلغ 136 حالة، وهي لا تتعدى 2% فقط مما يقع على أرض الواقع، وفق مديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة في الحكومة.

وأضافت أن التواصل مع الجنينة ودارفور بالكامل اصبحت مقطوعة.

ود مدني تستقبل "الدعم السريع".. الفرق الأممية تهرب

مع وصول قوات الدعم السريع مدينة ود مدني، أوقف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عملياته بالمدينة بشكل مؤقت بسبب الوضع الأمني الخطير، بحسب رئيسة قسم الاتصال بالمكتب، صوفي كارلسون.

قالت كارلسون لـ"بي بي سي"، إن جميع العاملين بمكتب أوتشا، نقلوا إلى ولايات مجاورة لولاية الجزيرة حتى يستقر الوضع. وأضافت أن خدمات المنظمة تتركز الآن على "دعم النازحين من ود مدني لولايات في الجنوب كالقضارف وكسلا وسنار، حيث يتم توفير أدوات النظافة الشخصية والخيام، ولكن المساعدات ذاتها محدودة".

وبينما لا تزال منظمة "أطباء بلا حدود" تواصل عملها من المدينة بطاقم صغير، قال مدير الاتصال بالمنظمة، إيهاب زنتاوي، لـ"بي بي سي": "هناك تدفقًا للجرحى والمصابين على مستشفى ود مدني التعليمي منذ يوم الجمعة الماضي، وهناك فريق تابع للمنظمة يقدم الدعم الجراحي والطبي لفريق العاملين بالمستشفى لاستيعاب الجرحى"، مشيرًا إلى أن الاشتباكات العنيفة دفعت المنظمة لنقل عدد من طاقمها لمناطق آمنة نسبياً، بينما بقي فريق في المدينة للاستجابة للحالات الطبية الجديدة.

وقالت منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (يونيسيف) إن الحرب في السودان تسببت حتى الآن في نزوح أكثر من 3.5 مليون طفل مع أسرهم، ليصبحوا بلا مأوى، ما يجعلها أسوأ أزمة لتشريد الأطفال في العالم بأسره.

وأفاد شهود عيان -وفق صحيفة "الشرق الأوسط"- برصد "حركة نزوح كبيرة لآلاف الأشخاص من ود مدني ومدن ولاية الجزيرة، على شاحنات وسيارات نقل وأتوبيسات، وغادر البعض الولاية راجلين، في وقت لا يزال فيه بعض الفارين عالقين في دور الإيواء". حيث بلغ سعر تذكرة الأتوبيس من ود مدني إلى مدينة سنار سجل من 50 إلى 60 ألف جنيه، بعد أن كانت قيمته قبل القتال بيوم واحد 12 ألف جنيه سوداني (الدولار الأميركي يساوي 600 جنيه سوداني تقريباً).

السيطرة على ود مدني والحصا حيصا

مدينة ود مدني هي الثانية بعد الخرطوم من حيث الثقل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، تحدها من جهتي الشمال والغرب ولاية النيل الأبيض، ومن جهة الجنوب ولاية سنار، وولاية القضارف من جهة الشرق. وهي بمثابة الوسط الجغرافي للسودان، وتبعد حاضرتها عن العاصمة الخرطوم نحو 190 كيلومترًا.

استضافت "ود مدني" بعد اندلاع الحرب بين الجيش و"الدعم السريع"، مئات آلاف النازحين، وحظيت بأكبر عدد من الفارين من القتال في الخرطوم، ما جعل منها مدينة محورية في تطور الأوضاع السودانية في مرحلة الحرب، وربما مرحلة ما بعدها.

منذ يوم السبت الماضي، بدأت قوات الدعم السريع بمهاجمة مدينة ود مدني، التي توجد فيها الفرقة الأولى مشاة في الجيش السوداني والتي كانت بقيادة اللواء أحمد الطيب، وبعد يومين تقريبا من المعارك تفاجأ أهالي المدينة بانسحاب الفرقة الأولى مشاة من مقرها، ودخول قوات الدعم السريع إلى المدينة.

وأعلنت قوات حميدتي سيطرتها على الفرقة، ونشرت مقاطع فيديو لتجول مقاتليها داخلها، وقالت عبر حسابها على منصة إكس "قوات الدعم السريع تحرر اللواء الأول مشاة مدني ورئاسة الاحتياطي المركزي، وتسيطر على مدخل كوبري (جسر) حنتوب من الشرق".

"جسر حنتوب" هو الوحيد الذي يربط وسط وجنوب وغرب وشمال البلاد بشرقها، ومن يسيطر عليه يحكم الخناق على شرق البلاد، وعلى وجه الخصوص ولايات القضارف وكسلا وبورتسودان، العاصمة الإدارية البديلة حاليًا.

وفي أعقاب ذلك، أعلن الجيش انسحابه من ود مدني، حيث بسطت "الدعم السريع" سيطرتها وواصلت تمددها وانتشارها في غرب الولاية باجتياحها عددًا من المدن والقرى على رأسها مدينتا الحصاحيصا وفداسي، وذلك بعد أن كانت قد دخلت مجتاحة مدنًا وقرى بالجهة الشرقية.

والآن، تعيش مناطق ومدن عدة في ولايات السودان المختلفة حالة من القلق والخوف والترقب، مع انتشار شائعات راجت بكثافة عن تقدم قوات الدعم السريع صوب بلدات في ولايات النيل الأبيض وسنار والبطانة.

الجيش يخسر سيطرته

ورصد متابعون تطورات الحرب الميدانية، حيث كان الجيش يسيطر على 13 ولاية آمنة بخلاف الولايات المتأثرة بنزاعات، موضحين أنها تقلصت الآن إلى خمس ولايات فقط.

وأشار المراقبون إلى انسحاب الفرقة 16 مشاة في مدينة نيالا عاصمة جنوب دارفور بعد صمود لأكثر من ستة أشهر على رغم هجمات "الدعم السريع" المتكررة التي تجاوزت 40 محاولة، ثم انسحاب الفرقة 21 مشاة زالنجي وسط دارفور بعد ما يقارب سبعة أشهر، تلتها الفرقة 15 مشاة الجنينة والفرقة 20 بمدينة الضعين (شرق دارفور) بعد حصار لأيام عدة.

وفي وقت لا تزال الفرقتان الخامسة بالأبيض شمال كردفان، والسادسة مشاة في الفاشر شمال دارفور صامدتين أمام كل  محاولات اقتحامها، جاء انسحاب الفرقة الأولى مشاة بمدينة ود مدني مفاجئًا بعد أربعة أيام فقط من المعارك، على رغم الدعم الجوي الكثيف والإسناد البري من الوحدات المجاورة.

وفي بيان هو الأول الذي يصدر بتوقيع حميدتي، منذ بدء الحرب في أبريل الماضي، قال إن قواته "تحركت صوب مقر الفرقة الأولى مشاة استنادًا إلى معلومات استخباراتية دقيقة، أكدت لهم حشد قيادات القوات المسلحة بالتنسيق مع قادة فلول النظام القديم قوة مكونة من عشرات الآلاف لمهاجمة (الدعم السريع) في الخرطوم، وبناءً على ذلك مارست قواته ما سماه (حقنا المشروع) في القيام بهجمات استباقية، نجحنا بها في توسيع رقعة الأراضي المحررة من سيطرة الفلول، وأنصار النظام القديم".

وقال الجيش السوداني يوم الثلاثاء إن قواته انسحبت من مواقع في ود مدني بعد أن أدى دخول قوات الدعم السريع المنافسة المدينة إلى نزوح جماعي للمدنيين، الذين كان بعضهم قد نزح بالفعل خلال الحرب المستمرة منذ ثمانية أشهر.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة