حكاية أمل

توفي زوجها بعد ثلاث أشهر من زواجهما. كانت أمل ومحمد يعيشان في شقته التي أعدها وجهزها في بيت العائلة في قرية بسيطة من قرى محافظة الدقهلية.

تزوجت أمل من محمد بعد عام من خطبتهما، وبعد أن حصلت دراسيًا على شهادة المعهد الفني الصناعي، لكنها لم تتقدم لأي وظيفة تعمل بها، واكتفت بأن تبقى ربة المنزل.

كان الزوجان يعيشان حياة هادئة جميلة، يجمعهما الحب والتفاهم، فكان زوجها يعمل بمهنة حرة ليست دائمة ولا يوجد لها دخل ثابت (النقاشة)، لكنهما ظلا يدبران حالهما ومعيشتهما إلى أن جاء اليوم المشؤوم وتغيرت حياتها رأسًا على عقب.

في هذا اليوم، ذهب محمد في الصباح الباكر إلى عمله في بلدة قريبة منه، ويشاء القدر أن يقع حادث أودى بوفاته في الحال.

حين تلقت زوجته أمل الصدمة وقعت على الأرض مغشيًا عليها، وبعدها اكتشفت أنها حامل أي ستجلب مولودًا للحياة يتيمًا لاحول به ولا قوة فهي والأهل أصبحوا في حالة شديدة من الحسرة والحزن الذي عم بهم جميعًا،  ورغم هذا الألم توالت الصدمات.

بعد ثلاثة أيام من الوفاة، قررت والدة محمد (حماة أمل) بمفهومه الدارج، طرد أمل من شقتها. قالت لها كلام واضح وصريح أنها إذا أرادت أن تظل مقيمة في شقتها لابد أن تقبل شرطها بزواج طارق شقيق محمد الصغير الذي لم يتزوج بعد. حاولت أمل أن تقنعها أن الوقت غير مناسب لهذا الكلام ومازال حزنها على فراق زوجها وصدمتها بموضوع حملها في هذا التوقيت الصعب من المستحيل النقاش في طلب أيضًا مرفوض بالنسبة لها لأنها تعتبر طارق طول الوقت أخًا لها.

بالطبع أصرت والدة الزوج على موقفها، وطردت أمل من المنزل دون أن تتمكن حتى من أخذ بعض من ملابسها.

عادت أمل مع أهلها بعد نقاش طويل وعتاب مع أهل الزوج. ولكن الأمر الواقع فرض نفسه على حياتها بعد أن أصبحت بلا مأوى خاص بها وبوليدها الذي تنتظره بعد عدة أشهر.

عاشت أمل في منزل والدها بعد أن عادت بالحسرة والألم والفراق للحبيب والزوج الذي تتشكل قطعة منه في رحمها.

أمام عدد من المحاولات والتدخلات العرفية بين العائلتين لاسترداد حقوق أمل مثل الشقة ومشتملاتها من الآثاث كي تلد وليدها في بيته وبين عائلته أصرت الحماة المسيطرة على رفض وجود أمل أو استرداد أي شئ من حقوقها إلا إذا تزوجت ابنها الآخر. وهو الأمر الذي رفضته أمل وأهلها بشدة، فقرروا اللجوء إلى القانون.

بعد مشوار قانوني عقيم في ظل قوانين لديها من الثغرات الكثير، استطاعت أمل بعد شهور طويلة استرداد بعض من أثاث المنزل وبعض من الملابس والمفروشات التي نقص منها الكثير من قبل أهل محمد الذين أرادوا أن يستولوا على كل شئ، ولم تستطع أمل أن تأخذ شقتها وتعيش فيها كحق أساسي وشرعي لها ولوليدها. خاصة أن أمل وضعت بنتًا، حاولت أن تطالب نفقتها من أهل أبيها لكنهم رفضوا فيما لم ينصفها القانون بعد اللجوء للمحاكم إلا بـ 300 جنيه نفقة لرضيعها.

أصبحت أمل دائمة الإقامة في منزل أهلها هي وابنتها نور، فأرادت أن تعمل كي تلبي احتياجاتها، وخاصة أن الأب غير قادر على الصرف عليها وعلى ابنتها نظرًا لظروفه المادية الصعبة، لكنه لم يتخلى عنها أبدًا.

لجأت أمل ربة منزل التي لا تعمل وليس لها خبرة في أي مجال إلى جمعية لتنمية المجتمع الريفي في قريتهم، والتي تضم عددًا كبيرًا من النساء المعيلات، فتعلمت صناعة المفروشات داخل مشغل الجمعية، ولاقت تعاونًا من الجميع حتى أتقنت مهنتها الجديدة بمقابل في البداية مناسب لتستطيع أن توفر متطلبات ابنتها الصغيرة.

كانت أمل تضطر إلى ترك الطفلة مع والدتها مريضة القلب في المنزل. وكان من الرائع بالنسبة لها أن كان هذا العمل بنفس القرية وقريب من المنزل. ثم بعد ذلك استطاعت أن تفتح في حجرة من منزل والدها بها شباك صغير محل بقالة، واستطاعت أن تجلب بعض البضائع البسيطة كبداية لفتح رزق لهم جميعًا، وكانت والدتها هي من تقف به خلال فترة عملها بالمشغل، وكانت تدبر الأمور والميزانية مع والدها الذي يقبض معاشًا يسدد منه جزءًا من جهازها الذي لم تستمتع به هي ولا ابنتها الصغيرة.

وبعد ثلاثة أعوام توفي والد أمل بعد معاناة شديدة من المرض وفي ظروف قاسية. لكنها استكملت مسيرتها وعاشت هي وطفلتها مع والدتها وأختها التي لم تتزوج بعد، واستطاعت أيضًا أن تعول ابنتها وتحتضنها حتى كبرت الصغيرة والتحقت بالمدرسة وهي الآن في عمر 14 ربيعًا لا تحتاج لأحد سوى والدتها التي تحملت طوال هذه الفترة كلام الناس والجيران ونصائح أن الزواج أفضل لها من معاناتها التي تفضلها في سبيل أن تحيا ابنتها حياة هادئة بعيدًا عن زوج أم لن يعوضها والدها.

حكاية أمل من الحكايات الملهمة لكل إنسان استطاع أن يحول المحنة إلى حياة بسيطة ناجحة، رغم صعابها وآلامها.

حياة إنسانة كان لها نصيبًا من اسمها؛ أمل. أمل جعلها تقف صامدة رغم التحديات التي واجهتها ولا تزال تواجهها في ظل هذه الظروف المعيشية القاسية من غلاء الأسعار الذي تعاني منه شرائح كثيرة داخل المجتمع.

حكاية أمل تتعدد وتتكرر حولنا طوال الوقت لسيدات يعانين بينما لا تزال محاولات ضمان حقوق النساء مرهقة في مجتمع يسوده الخلل في الثقافة والتقاليد التي يدعمها قانون غير عادل وغير منصف.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة