فساد في "التموين".. المصيلحي على "كف عفريت"

لم يتوقع "أ.م" مستشار وزير التموين لشؤون الرقابة والتوزيع، أن يخرج من مبنى الوزارة و"الكلابشات في يديه"، بعد أن حظى بثقة غير مسبوقة من وزير التموين السبعيني علي مصيلحي، تمثلت في التجديد مفتوح المدد له في منصبه، في واقعة ليست بجديدة، وهي الثانية في الفترة من 2019 حتى 2023، لمسؤولين حظوا بثقة الوزير، ولكنهم وضعوه في مواجهة الجماهير ومحل اتهامات بالفشل التنفيذي ومطالب بالرحيل.

كانت الفضيحة الأولى، في أكتوبر 2019، حيث قضت محكمة جنايات القاهرة، بالسجن 10 سنوات وغرامة مالية قدرها 7 ملايين جنيه، على علاء الدين فهمي رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات الغذائية السابق، في القضية المعروفة إعلاميًا بـ"رشوة وزارة التموين".

هذه المرة، سقط "أ. م"، المسئول الوزاري المحظوظ بحب الوزير منذ عام 2017، مع 8 مسؤولين كبار آخرين في الشركات الخاصة، في قبضة هيئة الرقابة الادارية، ووجهت لهم نيابة أمن الدولة تهم تكوين تشكيل شبكة فساد وارتكاب جرائم حجب السلع واحتكارها ورفع الأسعار والاستيلاء على المال العام، بالتزامن مع إجبار رئيس الشركة المصرية لتجارة الجملة، محمد عاطف، على تقديم استقالته بعد تقاعسه عن أداء واجبات وظيفته وفق تقارير اعلامية محلية، لم تؤكدها أنباء رسمية بعد.

الوزير في 2021: "الجريمة ستظل موجودة ليوم القيامة!"

يتوقع مراقبون أن مغادرة الوزير علي مصيلحي لمنصبه باتت مسألة وقت بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية، في ظل توالي قضايا الفساد من وزارته، وعدم إحكام القبضة على الأسواق عبر جهاز حماية المستهلك، ووجود رفض برلماني له.

وراجت أنباء غير مؤكدة عن تقديم الوزير استقالته دون رد من د.مصطفي مدبولي رئيس الوزراء. لكن لم يتسن التأكد من مصدر رسمي بعد، بالتزامن مع استمرار الارتباك داخل أروقة الوزارة، وانتشار الشائعات حول الوزير، وعدم تعقيب منه حتى الآن.

وكان الوزير على مصيلحي تحدث لمجلس النواب معقبًا على ما يثار عن كثرة وجود قضايا فساد في وزارته، قبل عامين، وبالتحديد في يناير 2021، حيث قال وقتها: "الجريمة ستظل موجودة إلى يوم القيامة، وأي ملفات فساد بوزارة التموين لابد أن تصل للنيابة العامة، وفي ظل وجود فساد لا يكون هناك محلًا لحديث الوزير أو أي أحد بخلاف النيابة".

وحاول الإعلام الحكومي استثمار ضربة هيئة الرقابة الادارية، في التأكيد على "يقظة الحكومة"، فيما التزم د.على مصيلحي وزير التموين الصمت، إزاء ما حدث، لكن حساب وزارة التموين الرسمية نشر توجيهاته الجديدة عن مواجهة أزمة السكر.

ووجه الوزير، في الساعات الأخيرة في بيان رسمي، "الأجهزة الرقابية بالوزارة ومباحث التموين وجهاز حماية المستهلك ومديريات التموين بالمحافظات بالمرور الدوري على الأسواق وضبط أي مخالفات أو ممارسات احتكارية تحول دون حصول المواطن على السكر"، دون أن يعلق بشأن القبض على مستشاره.

كما أصدر الوزير توجيهًا وزاريًا ثانيًا حمل رقم 31، بتاريخ 7 ديسمبر الجاري، يتضمن صرف عدد واحد كيلو سكر حر للبطاقة التموينية التي بها 3 مستفيدين فأقل، ويصرف عدد 2 كيلو سكر حر للبطاقة المقيد عليها 4 مستفيدين فأكثر، بسعر 27 جنيهًا للكيلو تسدد نقدًا، هذا بالإضافة الى قيمة الدعم المحدد على البطاقة التموينية.

اقرأ أيضًا: علي مصيلحي.. وزير الأزمات من شهداء الخبز لضحايا “كوباية الشاي”

ما حدث في التموين ليس بعارض

يرى إلهامي الميرغني عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع والإحصاء، في حديث خاص لمنصة "فكر تاني"، أن "ما حدث في وزارة التموين ليس بالحدث العارض أو الاستثنائي أو الجديد وقبل أسابيع تمت إقالة رئيس جهاز حماية المستهلك من منصبه، دون الإعلان عن سبب ذلك".

إلهامي الميرغني
إلهامي الميرغني

وحول المطالبات المتصاعدة بإقالة وزير التموين، يقول الميرغني: "الفساد غير قاصر على التموين ولذلك إقالة وزير التموين ليست الحل الجذري الآن، فمن قبل شاهدنا فساد وزير الزراعة الذي تم القبض عليه عقب مغادرته مجلس الوزراء، ورأينا الفساد في الإدارة المحلية والفساد في مكتب وزيرة الصحة، ما يعني أن الفساد ظاهرة تتفشى في الجهاز الإداري والتصدي لها يتم بشكل عشوائي وغير علمي لذلك ينمو الفساد ويكبر ليشكل شبكة عنكبوتية تدمر الاقتصاد وتضر بحقوق المواطن المصري".

ويستنكر "الميرغني" عدم وجود خطوات حكومية جادة للمواجهة، ولا سياسات رقابية ناجزة في التصدي له في ظل أن الفساد بات صفة موجودة في الجهاز الإداري المصري منذ سنوات، يتم من خلالها "إساءة استغلال السلطة المخولة لتحقيق مكاسب خاصة".

ويقدم إلهامي الميرغني تصورًا من 4 ضمانات لوقف فساد الموظف العام في وزارة التموين وغيرها من الوزارات يقوم على:

- أن تتم الترقيات على مبادئ الكفاءة والشفافية والمعايير الموضوعية، مثل: الجدارة والإنصاف والأهلية؛ أي ضمان منع الواسطة والمحسوبية في تولي الوظائف العامة.

- وجود إجراءات مناسبة لاختيار وتدريب أفراد لتولي المناصب العمومية التي تعتبر عرضة للفساد بصفة خاصة وضمان تناوبهم على المناصب عند الاقتضاء؛  أي عدم بقاء الموظف العام في موقعه لفترة طويلة مثل رئيس الوحدة المحلية أو رئيس المدينة أو المحافظ أو الوزير أو مأمور المركز أو مدير المستشفى.

- تقديم أجور كافية ووضع جداول أجور منصفة، مع مراعاة مستوى النمو الاقتصادي للدولة الطرف المعنية؛ حيث أن الأجور غير العادلة بابًا رئيسيًا للفساد، وفق الميرغني.

- وضع برامج تعليمية وتدريبية لتمكين أولئك الموظفين من الوفاء بمتطلبات الأداء الصحيح والمٌشَرف والسليم للوظائف العمومية، وتوفير التدريب المتخصص والمناسب من أجل إذكاء وعيهم بمخاطر الفساد الملازمة لأداء وظائفهم، مع احتواء هذه البرامج على مدونات أو معايير سلوكية في المجالات التي تنطبق عليها.

البقاء سنوات في المنصب يفتح باب الفساد

يعلق محمود العسقلاني، رئيس جمعية "مواطنون ضد الغلاء"، في حديثه لـ"فكر تاني"، على سبب ما حدث في وزارة التموين، بقوله: "الفساد يأتي من البقاء سنوات في المنصب، كما حدث في قضية وزارة التموين الحالية، فمستشار الوزير للرقابة والتوزيع الذي ألقي القبض عليه، كان يشغل وكيل الوزارة للرقابة قبل خروجه على المعاش وجرى التجديد له كمستشار لمدة ثمانية أعوام تقريبا، وهي مدة تفتح الباب لما حدث ولولا جهد الرقابة الإدارية المشكور ما كان سقط في قبضة العدالة".

محمود العسقلاني
محمود العسقلاني

ويرى "العسقلاني" أن الحل الاستراتيجي يمكن في "تغيير خريطة الرقابة التموينية فى مصر بشكل عام " موضحا أنه يجب أن يتم الأخذ فى الاعتبار قلة عدد مفتشى التموين والذين يقل عددهم  عن ألف مفتش تموين  ثبت فساد القليل منهم ، فيما يقترح الاستعانة بالشباب في القيام بالرقابة في الوزارة.

ويشرح رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء الفكرة، فيقول: "اقترح أن يتم تعيين خريجي الجامعات في وزارة التموين كمراقبين أو مفتشي تموين لمدة عام كبديل عن الخدمة العسكرية فى حال عدم اللياقة الطبية على أن يُمنحوا راتب الخدمة العسكرية، وتُسند إليهم مهمة مراقبة السوق وبخاصة مراقبة الأسعار، ويمكن تعيين الفتيات في الخدمة العامة بجهاز حماية المستهلك على أن يرفعوا تقارير يومية عن المناطق المكلفين بمراقبتها حسب التوزيع الجغرافي".

ويؤمن "العسقلاني" بأن هؤلاء الشباب سوف يشكلون حماية حقيقية للمستهلكين لأنهم سيخدمون أسرهم ومجتمعاتهم بشكل طاهر اليد، خاصة أنهم حديثو التخرج لديهم من البراءة وحسن السلوك ما يشكل مناعة من الرشوة واستغلال الموقع فى التربح في وزارة التموين، خاصة أن مدة العام تلعب دورًا إيجابيًا في الحد من الفساد بسبب الاستمرار المفتوح في المنصب.

ثمن فشل السياسات الاقتصادية

"السياسات الاقتصادية تساهم في زيادة الاحتكار والفساد"؛ يقول الدكتور عبد النبي عبد المطلب خبير الاقتصاد ووكيل وزارة التجارة والصناعة للبحوث الاقتصادية الأسبق، لمنصة "فكر تاني"، مؤكدًا أن فشل السياسات الاقتصادية ستظل تدفع ثمنه وزارة التموين أو أي وزارة مرتبطة بالاقتصاد في مصر.

ويرى الدكتور عبد المطلب أهمية النظر إلى خبر القبض على شبكة فساد في وزارة التموين بنظرة أشمل تتخطى الوزارة، إلى النظر في السياسات التي دفعت إلى وجود ما يشبه سعر الصرف للخضروات في ظل زياداتها المرتفعة، وعدم ضبط سوق الدولار، بما دفع إلى سوق موازية، وتقييم التجار للدولار تقييم عشوائي ساهم في الغلاء وانتشار استغلال النفوذ على النحو الذي وقع.

ويشير الخبير الاقتصادي البارز إلى أن دور وزارة التموين وجهاز حماية المستهلك، دور مهم في ضبط الأسواق والأسعار، لكن تحميلها كامل المسؤولية الاقتصادية واعتبارهما كبش الفداء لن يحل الأزمة الاقتصادية، وهو ما ظهر أنه بعد القبض على شبكة الفساد لم تنخفض الأسعار في الأسواق.

الأسعار لم تنخفض بعد بسبب الفساد

"يجب أن نتذكر هنا بكل خير واجلال المستشار هشام جنينة الذي دفع ثمن محاربته للفساد"، بهذه الكلمات بدأ علاء الخيام رئيس حزب الدستور الأسبق والقيادي البارز في الحركة المدنية الديمقراطية حديثه لمنصة" فكر تاني".

علاء الخيام
علاء الخيام

ويضيف "الخيام" أنه نتيجة شعور الفاسدين بأنه لا توجد إرادة حاسمة في مواجهة الفساد بذات القدر التي توجه فيه مؤسسات الدولة جهدها لملاحقة أمثال المستشار هشام جنينة، وحبس المعارضين، تمددت مساحات الفساد ووصلت إلى مراكز قوى في مواقع المسئولية، وهو ماظهر في قضية التموين الأخيرة ويتم إعلانه في قرارات القبض المتباعدة والتي ضمت مسؤولين حكوميين كانوا أعضاء في مجلس الوزراء أو نافذين في المحافظات.

ويشير القيادي في الحركة المدنية الديمقراطية إلى أنه رغم توجيه ضربة لرؤوس فساد في وزارة التموين والرقابة نفسها على الاسواق، إلا أن الأسعار لم تنزل بعد، ما يعني أن منظومة الفساد متغولة، وأنه لابد من إعلان باقي رؤوس الفساد التي تسببت في معاناة الشعب، مؤكدًا أنه لابد من اتخاذ خطوات أكثر جدية لمحاسبة هؤلاء الفاسدين واعلان محاكمتهم أمام الشعب لردع الباقيين، وتقويض مساحات الفساد في أي موقع مسؤولية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة