لماذا ترفض مصر عبور النازحين من غزة إلى سيناء؟

 

“مع مقتل أكثر من 1500 شخص في غزة ونزوح مئات الآلاف بسبب القصف العسكري الإسرائيلي المتواصل لقطاع غزة، تركز الاهتمام العالمي على معبر رفح الحدودي مع مصر، وهو السبيل الوحيد الممكن للخروج من القطاع المكتظ بالسكان”.

بهذه الفقرة افتتحت “كلير باركر” مقالها في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، وقد أجابت باركر التي تعمل مديرة لمكتب الصحيفة في القاهرة، عن سؤال يتم طرحه في أروقة السياسة في العالم حول الدور المصري في الحرب الدائرة في غزة، وتحديدًا عن قبول مصر للاجئين فلسطينيين قد يتم تهجيرهم خلال الأيام المقبلة.

أجابت باركر بوضوح عن السؤال، بالتأكيد على أن القاهرة، التي تشعر بالقلق من التداعيات السياسية والمخاطر الأمنية، عازمة على منع نزوح اللاجئين إلى مصر، محذرة من أن ذلك قد يكون بمثابة ناقوس الموت للحلم الفلسطيني بإقامة دولة.

وأشار المقال إلى أنه تم إغلاق معبر الحدود الجنوبي لقطاع غزة بشكل فعلي منذ يوم الثلاثاء الماضي بعد أن دمرت الغارات الجوية الإسرائيلية البنية التحتية في المنطقة.

ومع تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة كل ساعة، تتزايد الدعوات لفتح ممر إنساني لجلب الغذاء والماء والوقود والإمدادات الطبية التي تشتد الحاجة إليها. وزاد أمر الإخلاء المفاجئ الذي أصدره الاحتلال الإسرائيلي يوم الجمعة الماضي لأكثر من 1.1 مليون من سكان مدينة غزة من الضغوط.

وصفت وزارة الخارجية المصرية، في بيان لها مساء الجمعة الماضي، أمر الإخلاء الإسرائيلي بأنه “انتهاك خطير لقواعد القانون الإنساني الدولي”

وتقوم مصر بتخزين المساعدات التي ترسلها المنظمات الإنسانية ودول الشرق الأوسط في شمال سيناء، لتكون جاهزة لنقلها إلى غزة في حالة إعادة فتح معبر رفح. كما أطلقت البلاد حملة للتبرع بالدم يوم الخميس الماضي، بناءً على أوامر من الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وألمحت واشنطن بوست لخطاب السيسي الذي ألقاه في الكلية الحربية مساء الخميس، قال السيسي إن مصر “مستعدة للتنسيق مع جميع الأطراف” و”حريصة على تقديم المساعدات الإنسانية والطبية إلى قطاع غزة”.

أجرى السيسي ووزير الخارجية المصري سامح شكري سلسلة من المكالمات الهاتفية والاجتماعات مع الحكومات في جميع أنحاء العالم في الأيام الأخيرة.

لكن مسألة السماح لأعداد كبيرة من الفلسطينيين بالخروج من غزة إلى مصر أعادت إحياء معضلة مستمرة منذ عقود بالنسبة للقاهرة. وتشعر الحكومة بالقلق إزاء الأمن في منطقة سيناء وتريد تجنب أن ينظر إليها على أنها متواطئة في حملة يمكن أن تجبر الفلسطينيين على الخروج من غزة إلى الأبد.

دعا رئيس وزراء  الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الفلسطينيين في غزة إلى “الخروج الآن” يوم السبت الماضي، متعهدًا بالانتقام من الهجوم الذي شنه مسلحو حماس داخل الأراضي التي يسيطر عليها الاحتلال والذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 1300 شخص. لكن بالنسبة لسكان غزة، الذين عاشوا لمدة 16 عامًا تحت الحصار، فإن هذا مطلب مستحيل حاليًا.

ومع سقوط القنابل وإغلاق المعابر الحدودية، ليس لدى سكان غزة مكان يهربون إليه.

وأكدت الواشنطن بوست على أن مصر تحافظ على سيطرة مشددة على الحدود حتى في أوقات السلام النسبي. ويجب على الفلسطينيين الراغبين في الخروج من غزة الحصول على إذن من السلطات الفلسطينية والمصرية.

من زاوية أخرى، استقبلت مصر أعدادا كبيرة من اللاجئين من صراعات أخرى، بما في ذلك أولئك الذين نزحوا هذا العام بسبب القتال في السودان المجاور. لكن سيناء أكثر حساسية، والقضية الفلسطينية أكثر أهمية للمصريين.

وقالت مصادر أمنية مصرية لم تذكر اسمها لـ”سكاي نيوز عربية”، الثلاثاء الماضي، إن “هناك خطة لتصفية الأراضي الفلسطينية وإجبار الفلسطينيين على الاختيار بين الموت والتشريد”.

ومن غير الواضح على الإطلاق ما إذا كانت أعداد كبيرة من الفلسطينيين لديهم أي رغبة في الفرار من وطنهم إلى مصر، على الرغم من المخاطر.

ونقلت الصحيفة عن الباحثة نانسي عقيل، رئيسة مركز السياسة الدولية ومقره واشنطن العاصمة: “عندما نقول إن الحدود يجب أن تكون مفتوحة أمام سكان غزة ومنحهم صلاحية المغادرة، فإن هذا في الواقع ليس خيارًا. عندما تكون محاصرًا بين الموت والرحيل، فهذا لا يمنح الناس خيارًا، بل يجبرهم على ذلك.

وأكدت باركر أن التهجير الجماعي للفلسطينيين منذ إعلان 1948 – وهو الحدث الذي يشير إليه الفلسطينيون بالنكبة – مصدرًا عميقًا للصدمة بين الأجيال. إن حوالي 70 بالمائة من سكان غزة هم بالفعل لاجئون، بعد أن فروا أو أجبروا على ترك منازلهم في أجزاء مما يعرف الآن بـ “إسرائيل”، ولم يُسمح لهم بالعودة أبدًا.

وفي تصريح ل هيلير، ويعمل محلل في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي “إننا نرى هذه التصريحات الشكلية حول حل الدولتين، لكنني لا أعتقد أن سكان غزة يمكنهم الاعتماد على فكرة أنهم إذا أُجبروا على المغادرة، فسيكون هناك الكثير من الضغوط لاستعادتهم”. بحسب ما أورده المقال.

ونقلت الصحيفة عن محللين، بالنسبة لمصر، فإن التدفق الهائل للاجئين الفلسطينيين سيشكل مخاطر سياسية وأمنية كبيرة. فالرأي العام متعاطف بشدة مع القضية الفلسطينية، وهي قضية تتمتع بقدرة نادرة على إشعال الغضب العام في دولة  تحظر فعليًا الاحتجاجات الشعبية.

وقال وزير الخارجية المصري السابق محمد العرابي، الذي يشغل الآن منصب رئيس مجلس العلاقات الخارجية المصري التابع للحكومة، لصحيفة واشنطن بوست، إن الحديث عن دفع الفلسطينيين إلى سيناء كحل أكثر ديمومة “غير مقبول”. “إذا تحدثت عن هذا الوطن البديل، فهذا سيكون نهاية القضية الفلسطينية”.

قبل الحرب، كان السيسي يتعرض بالفعل لضغوط داخلية كبيرة، مع “السقوط الحر” للاقتصاد المصري، ومن المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية في ديسمبر القادم. لا يواجه السيسي أي تهديد حقيقي في صناديق الاقتراع، لكن أصوات المعارضة تزايدت في الأشهر الأخيرة.

وقال تيموثي كالداس، نائب مدير معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط: “من الناحية السياسية، لا أعتقد أن أي دولة عربية تريد أن يُنظر إليها على أنها تساعد في تهجير السكان الفلسطينيين”.

وفي تصريحاته العلنية هذا الأسبوع، حرص السيسي على التأكيد على دعم مصر حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ودعا مرارا وتكرارا إلى السلام.

كما أعلن السيسي رفضه “الجهود الحثيثة التي تبذلها أطراف متعددة” للدفع بحل للقضية الفلسطينية يختلف عن اتفاقيات أوسلو لعام 1993، وهي الاتفاقيات الدولية التي كان من المفترض أن تمهد الطريق لقيام دولة فلسطينية.

وقال: “القضية الفلسطينية هي قضية العرب جميعا، وعلى الفلسطينيين أن يبقوا على أراضيهم”.

وصرح جيريمي هوبكنز، ممثل الوكالة في مصر، لواشنطن بوست، بحسب ما ذكر المقال، إن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، تعمل على افتراض أنه “ستكون هناك فرصة – ممر إنساني – حيث سيكون المعبر مفتوحاً للإمدادات”.

وتعمل اليونيسف أيضًا مع الهلال الأحمر المصري لتجهيز الخدمات الطبية وغيرها من الخدمات في مصر لمجموعات الفلسطينيين المعرضين للخطر بشكل خاص والذين قد يُسمح لهم بعبور الحدود.

وتقول المنظمات الإنسانية والحقوقية إنه حتى لو كان قبول أعداد كبيرة من اللاجئين أمراً مقبولاً من الناحية السياسية، فإنه سيكون من الصعب لوجستياً استيعابهم في شمال سيناء.

المنطقة الحدودية غير مجهزة للتعامل مع مئات الآلاف من اللاجئين، وفقًا لأحمد سالم، المدير التنفيذي لمؤسسة سيناء لحقوق الإنسان، وهي منظمة حقوقية مسجلة في المملكة المتحدة ولها فريق مقره في شمال سيناء.

وعرجت واشنطن بوست على الحرب التي استمرت عشر سنوات في مصر ضد المجموعات المسلحة المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية في سيناء، حيث  تم تدمير العشرات من المدارس المحلية – وهي المرافق التي تستخدم غالبا في حالات الأزمات لإيواء النازحين. وقال سالم إن المستشفى الرئيسي في العريش ليس لديه ما يكفي من الغذاء والموظفين والإمدادات الطبية للتعامل مع تدفق أعداد كبيرة من الجرحى.

وسجلت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان ارتفاعا في الدوريات العسكرية المصرية والقوات والمركبات في المنطقة الحدودية في الأيام الأخيرة.

وتوقع العرابي إن المسؤولين المصريين سيهدفون إلى إقناع المسؤولين الأميركيين بالدفع باتجاه عملية السلام. وقال: “على إسرائيل ضبط النفس الآن”. “إن هذه الحلقة المفرغة من العنف، لن تنهي القضية الفلسطينية، ولن تقتل جميع الفلسطينيين. سيبقون وسيقاومون».

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة