إسرائيل ونهاية العالم

يمثل العدوان الإسرائيلي البربري علي الفلسطينيين في قطاع غزة، وما تفرضه إسرائيل من حصار يستهدف منع الماء والغذاء والكهرباء عن 2 مليون فلسطيني من أطفال ونساء ورجال تحت سمع وبصر، بل ومباركة، دول عظمى، دليل دامغ على الحالة المزرية للعالم، وهو في أسوأ حالاته منذ ظهور نظام الدولة القومية الأوربية في القرن التاسع عشر والذي واكب التحول إلى الصناعة المميكنة، وتسبب في موجات استعمارية انتهكت النظم الاجتماعية ونهبت موارد وأضعفت مقدرات الشعوب التي وقعت تحت نير الاستعمار .

على الرغم من أن أوروبا لا تمثل سوى حوالي 8 في المائة من مساحة اليابسة على كوكب الأرض، فمنذ عام 1492 إلى عام 1914، غزا الأوروبيون أو استعمروا أكثر من 80 في المائة من العالم بأسره، وفي 1945 كان 750 مليون شخص تحت الاستعمار.

كان للاستعمار تأثير بالغ علي العلاقات بين الدول ومازالت أثاره مصدرًا للاضطرابات والقلاقل، لما أحدثه من تضارب بين أساليب الحداثة والنظم السياسية المستوردة والبنيات المجتمعية والتقاليد والمعتقدات ووسائل الإنتاج التقليدية، ولم يغير من ذلك حركات التحرر الوطنية لأن الدول المحررة لم تنجو من سطوة الدول الأوروبية وهيمنتها الاقتصادية والتكنولوجية والسياسة والعسكرية.

 كما ظهرت الولايات المتحدة كدولة مهيمنة في أعقاب الحرب العالمية الثانية لتكون محورًا مركزيًا للسيطرة العالمية. ولما كان للمنطقة العربية أهمية خاصة لوضعها الجيوسياسي بين أوروبا وقارتي آسيا وإفريقيا أصبحت مطمعًا للتنافس بين فرنسا وانجلترا، ثم ازدادت أهميتها مع اكتشاف مواردها من النفط، لتصبح السيطرة عليه من صميم سياسات الهيمنة العالمية في إطار “الاستعمار الجديد”.

في هذا السياق اكتسبت إسرائيل – ربيبة الاستعمار الإنجليزي، وضعًا خاصًا كأداة للتحكم والهيمنة على “الشرق الأوسط” و”العالم العربي”. وليست إسرائيل سوى آخر دول الاستعمار الفعلي (وأساسه الاستيطان والقوة العسكرية) بامتياز، بعد أن تقلص دور الاستعمار الفعلي في العالم كله منذ نصف قرن. ولم تكن إسرائيل سوى مستوطنات استعمارية من يهود شرق أوروبا وغيرها من البلدان اغتصبت بطرق متعددة الأراضي الفلسطينية علي أساس عقيدة دينية عنصرية تعلي منهم فوق شعوب العالم كشعب الله المختار وتُحَرم عليهم الاقتران بالأغيار من غيرهم.

كما أن هذه النزعة العنصرية المتعالية اقترنت بالشكل السياسي للدولة القومية الأوروبية الحديث، في مزيج هجين بلا تجانس بين الصورة الزائفة للديمقراطية والعنصرية المستبطنة في جوهر الكيان الاستعماري الصهيوني. وفي إطار الحقبة الاستعمارية التي وضعت فيها فلسطين تحت الانتداب البريطاني نشطت موجات الاستيطان وتنامى دور الجماعات الإرهابية الصهيونية ضد الفلسطينيين والإدارة البريطانية بحسب ما جاء في وثيقة من وزارة العدل الأمريكية [1]

يظهر أن تشكيلات “الهاجاناه” و”إرجون أواي لومي” و”لوهامي حيروت” ومجموعاتهم العسكرية وشبه العسكرية، وتنظيمها، وفلسفة قيادتها وأعمالها، لا يمكن فصلها عن عملياتها وأهدافها الصهيونية القوية.

هاجمت هذه المجموعات الثلاث الإدارة البريطانية والفلسطينيين مما ساهم بشكل كبير في إنشاء دولة إسرائيل اليهودية مع نهاية الانتداب البريطاني في 14 مايو 1948. كما أدى إلى تهجير 700,000 فلسطيني إلي غزة والأردن، وعلى الرغم من قرار الأمم المتحدة المجحف بتقسيم فلسطين إلى دولة فلسطينية ودولة يهودية، ترفض إسرائيل وحتى اليوم حل الدولتين.

وبعد حرب 1967، واحتلال إسرائيل لغزة والضفة الغربية ومرتفعات الجولان، تمارس سلطات الاحتلال الإسرائيلي في هذه الأراضي المحتلة  سياسات قمعية وانتهاكات ممنهجة ضد الشعب الفلسطيني ، منها ضلوعهم، حسب التحقيق، الذي أجرته الأمم المتحدة في فبراير 1983 في مذبحة صبرا وشاتيلا في سبتمبر 1983 التي قتل فيها ما بين 460 و3500 قتيل والتي استهدفت القضاء علي منظمة التحرير الفلسطينية ، وحسب تقارير Human Rights Watch   تفاقم اضطهاد إسرائيل للفلسطينين منذ بداية 2023 التي قتل فيها في خلال 9 أشهر  أكبر عدد من الفلسطينيين مقارنة بالسنوات السابقة، كما أن عدد الفلسطينيين المعتقلين بدون تهم في 2023 غير مسبوق. علما بأن الفلسطينيين ممنوعين من السفر منذ 15 عام.

لذلك تمثل معاملة إسرائيل للفلسطينيين ” جريمة ضد الإنسانية” في سياق نظام تفرقة عنصرية، كما يمثل قطع الكهرباء ومنع إمدادات الغذاء والماء للفلسطينيين المحاصرين في غزة جريمة حرب وانتهاك صارخ للقوانين الإنسانية الدولية.  

وقد أدى الحصار الإسرائيلي المستمر منذ 15 عامًا لقطاع غزة، إلى جانب الحملات العسكرية المدمرة التي تشنها كل بضع سنوات، إلى جعل قطاع غزة فقيرًا ومتخلفًا، كجزء من سياسة تهدف إلى إبقاء السكان المدنيين الفلسطينيين على شفا كارثة إنسانية وبيئية.

اليوم، يحتاج أكثر من 60 بالمائة من الأسر إلى مساعدات غذائية، وفقًا للأمم المتحدة، وتبلغ نسبة البطالة العامة حوالي 50 بالمائة. وباختصار  إن حصار غزة هو عمل غير قانوني من أعمال العقاب الجماعي ضد الشعب الفلسطيني.[2]

وسبق أن تعرضت إسرائيل لانتقادات بسبب تورطها في انتهاكات منهجية وواسعة النطاق لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، بما في ذلك الاحتلال نفسه، وجرائم الحرب ضد المدنيين. وتشمل الادعاءات انتهاكات القانون الإنساني الدولي من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وقد وصفت وزارة الخارجية الأمريكية التقارير عن انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان للفلسطينيين بأنها “ذات مصداقية”. وداخل إسرائيل والأراضي المحتلة قامت منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات غير الحكومية بتوثيق الاعتقالات التعسفية الجماعية والتعذيب والقتل غير القانوني والانتهاكات المنهجية والإفلات من العقاب بالتزامن مع إنكار حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم الذاتي.

كما صرحت محكمة العدل الدولية، الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، في فتواها الصادرة عام 2004 بشأن شرعية بناء الجدار الإسرائيلي في الضفة الغربية، إن الأراضي التي استولت عليها إسرائيل في حرب الأيام الستة، بما في ذلك القدس الشرقية، هي أرض محتلة، كما وجدت أن بناء الجدار داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة يشكل انتهاكًا للقانون الدولي. وأكدت أن معظم المفاوضات المتعلقة بالأراضي كانت على أساس قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، الذي يؤكد “عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب”، ويدعو إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة مقابل تطبيع العلاقات مع الدول العربية. وهو مبدأ يُعرف باسم “الأرض مقابل السلام”.

وعلي الرغم من كل ما تقوم به إسرائيل من انتهاكات للمواثيق والأعراف الدولية، لم يتم ردعها وعقابها وتقليص ضراوة الاحتلال الذي تفرضه بالقوة علي شعب مستضعف، بينما انتفضت أمريكا وأوروبا أمام الغزو العسكري لبعض الأراضي الأوكرانية، وبدلا من تفهم أسباب الهجمة التي قامت بها “حماس” و إجبار إسرائيل علي قبول حل الدولتين، وهذا أضعف الإيمان، هبت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها لتعزيز قوى الاحتلال الإسرائيلي الطاغي بالمخالفة للمواثيق الدولية والإنسانية.

لا يمكن تفسير ذلك، إلا بأن العالم، على الرغم من بصيص الأمل الذي تقدمه منظمات حقوق الإنسان الدولية، ما زال في مرحلة تغليب المصالح القومية للدول الصناعية “المتقدمة”، “الغنية” وأن ما يحدث في قطاع غزة ليس سوى نموذج واضح لتغليب المصالح المالية والسياسية لهذه الدول وما ترعاه من مؤسسات مالية واقتصادية وعسكرية وما تتحالف معه من شركات عابرة للقارات.

 مع أن الأمل كان معقودا على الولايات المتحدة الأمريكية لقيادة رشيدة وعادلة تنعم من خلالها جميع شعوب الأرض بالحياة الرغدة والمساوة والسلام والتحرر من الطغيان السياسي، كما جاء في وثيقة إعلان الاستقلال الأمريكية، “إننا نعتبر هذه الحقائق بديهية، وهي أن جميع الناس خلقوا متساوين، وأن خالقهم قد منحهم حقوقًا معينة غير قابلة للتصرف، وأن من بين هذه الحقوق هي الحياة والحرية والسعي نحو السعادة”، ولكن مسار الولايات المتحدة الأمريكية انحرف عن المسار الذي تولد من الأفكار التنويرية الإنسانية التي قضت عليها الدولة القومية بمصالحها الإقليمية المحدودة مما أدى إلى التنافس على المستعمرات والموارد الطبيعية والأسواق والذي كان نتيجته حربين عالميتين مدمرتين.

في الحرب العالمية الأولى سقط 20 مليون قتيل و21 مليون جريح. ويشمل العدد الإجمالي للقتلى 9.7 مليون عسكري ونحو 10 ملايين مدني. بينما سقط خلال الحرب العالمية الثانية على أقل تقدير 15 مليون من العسكريين و35 مليون مدني بإجمالي 53 مليون بينما تصل بعض التقديرات من قتلى ومصابين إلى 70-85 مليون شخص. وفي دراسة من برنامج دراسات السلام، جامعة كورنيل أن إجمالي القتلى من الصراعات المسلحة يبلغ حوالي 231 مليونًا خلال المائة عام من القرن العشرين. [3]  

ليس ما يجري في فلسطين الآن إلا نموذج واضح لانحياز أمريكا إلى مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية ، ضاربة عرض الحائط بمسئوليتها الإنسانية والتزامها بالمواثيق الدولية، وتخوض أمريكا منذ نهاية الحرب العالمية صراعًا مع كل ما يهدد مصالحها بغض النظر عن النتائج على الصعيد العالمي ومستقبل البشرية ومنها الشعب الأمريكي. ولذلك انخرطت في صراع مع الاتحاد السوفيتي، ووسعت مجال الحلف الأطلنطي (الناتو) بل وسعت لتغيير غايته، وتواجه الآن روسيا والصين للسيطرة منفردة (مع حلفاءها من الاتحاد الأوربي) على العالم أجمع.

من المحال، كما نعرف من التاريخ، أن يستمر الحال على ما هو عليه لأي قوة مهما كانت سطوتها، لما يتطلبه تنامي هيمنتها من تكاليف لا يمكن تحملها، ولتصاعد القوى المضادة في الداخل والخارج، ولتزايد معدلات الفقر النسبي وشيوع أحاسيس الغبن والظلم والسخط في نفوس من تطحنهم آلة السيطرة والهيمنة اقتصاديًا ومعنويًا في الداخل والخارج، ومن يسعون إلى نفس أسباب الحياة الرغدة التي يصدرها الغرب مع التفاوت المريع في الدخل وأساليب المعيشة مما يؤدي إلى مزيد من الانتفاضات والهجرات غير الشرعية والعنف والاقتتال.

مهما طال الزمان فلن تبقي إسرائيل كما هي، ولن يبقى العالم كما هو عليه الآن، لا لأن ضمير الإنسانية لا يسمح، ولكن لأن البشرية في مرحلة غير مسبوقة من الاختلال والمخاطر البيئية والمناخية والديمغرافية والصحية ، ولأن التمسك بالمصالح القومية الضيقة على المدى القصير، وإغفال المسئولية المشتركة لمواجهة المخاطر المشتركة في عالم منقسم يسوده الغضب والتمايز لن يؤدي إلا إلى واحد من طريقين، مهما طال أو قصر الوقت؛ أحدهما الخراب الشامل ، والآخر، التوصل إلى تنظيم دولي يقر المبادئ الإنسانية للجميع على أساس إعلان الحقوق الإنسانية لجميع شعوب الأرض بغض النظر عن انتمائهم القومي، بنفس الطريقة التي لا تميز بها الحكومة الأمريكية بين مواطنيها من ولايات مختلفة،  علما بأن الدول الصناعية تغلبت على ما ساد من فقر وبؤس وتمييز في بداياتها بتحسن أحوال العمال السيئة، وما قامت به أمريكا مؤخرا في مواجهة العنصرية ضد “السود”، كما كان ازدهار انجلترا وفرنسا وحتي ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية مرهونًا بما قدمته الولايات المتحدة الأمريكية من مساعدات اقتصادية.

لن يمضي الفلسطينيون أو غيرهم إلى الجحيم دون أن يصيب الشرر والنيران كل من يساهم في إذلال الشعوب والاستيلاء على مقدراتها والتلاعب بمصائرها.

إذا ما استدعينا فكرة قارب النجاة  Life Boat ethics الذي اقترحه جاريت هاردن Garret Hardin  في 1974 ومضمونها أن البلاد الغنية في قارب لا يتسع لمن يعانون من الفقر ويسبحون حوله، فعلينا أن ندرك أن هناك ما يكفي الجميع تحت إدارة حكيمة وعادلة للموارد والتوزيع والاستهلاك والزيادة السكانية، وأن مواهب البشر، لو اُتيحت لهم الفرصة، كما أثبتت تجربة المهاجرين إلى أمريكا، كفيلة بأن تساهم في الازدهار والابتكار ليتسع القارب للجميع.

لعل وعسى أن تكون مأساة الفلسطينيين، تذكرة بأن العالم على كف عفريت،  وأن العالم في 1948 ليس هو العالم الذي نحيا فيه الآن، وأن كل التقنيات الحربية والاستحكامات العسكرية لن تصمد في النهاية أمام جحافل اليائسين الذين لن يجدوا أمامهم في النهاية من مفر سوى “علي وعلى أعدائي”.         


[1] https://www.ojp.gov/ncjrs/virtual-library/abstracts/jewish-zionist-terrorism-and-establishment-israel

[2] https://dawnmena.org/israel-palestine-human-rights-profile/#:~:text=These%20violations%20include%3A%20the%20right,peaceful%20assembly%3B%20the%20right%20to

[3] https://cissm.umd.edu/research-impact/publications/deaths-wars-and-conflicts-20th-century

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة