الفوط الصحية.. محدودات الدخل في مرمى “فقر الدورة الشهرية”

دكان صغيرة للمنظفات والمنتجات الورقية، في منطقة حدائق المعادي، حيث تتفاوت الطبقات الاجتماعية بين واحدة تصارع للبقاء في الطبقة الوسطى، في مناطق تشبهها بين عشوائية دار السلام ورقي حي المعادي، وأخرى تحتل “بدروم” العمارات والمجتمع على حد سواء، وقفت فتاة لا تتجاوز الثالثة عشر من عمرها، ترتدي طرحة بالية تغطي رأسها وأغلب صدرها، تسأل بصوت لا يكاد يسمع: “من فضلك بكام الأولويز؟”. ليرد البائع متأففًا: “أقل حاجة ٤٥ جنيه”.

تلتفت الفتاة الصغيرة. تعد جنيهات في يدها: “طب ممكن اشتري فرط؟”

كما كثير من المنتجات، ارتفعت أسعار الفوط الصحية في مصر. ذلك بفعل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد والمدفوعة بنقص الدولار وارتفاع التضخم.

أسعار الفوط الصحية

يتجاوز سعر بعض عبوات الفوط الصحية الـ 100 جنيه، فيما يبلغ سعر أقل فئة منها 45 جنيهًا، بزيادة تصل إلى ضعف ما كانت عليه قبل أشهر فقط (6 و12 و25 جنيهًا للعبوة الواحدة حسب الحجم).

هنا، يصبح الوضع أكثر صعوبة على صاحبات الدخول الضعيفة اللائي يصارعن بحثًا عن السعر المنخفض أو يلجأن إلى “الفرط” بتعبير فتاة حدائق المعادي.

الأزمة بدأت منذ سنوات، وتحديدًا أواخر عام 2016. حينها، أصدرت الحكومة المصرية قرارًا بزيادة التعريفة الجمركية على 364 سلعة مستوردة، وصفتها بـ”السلع الاستفزازية”، بنسب تتراوح بين 10 و60%. ومن بين تلك السلع التي شملتها التعريفة الجمركية مستحضرات العناية بالجسم ومزيلات العرق، دون الإشارة بوضوح إلى الفوط الصحية النسائية. وعليه أصبحت الفوط الصحية “سلعة استفزازية” يرتفع سعرها في الشهر الواحد أكثر من مرة.

اقرأ أيضًا: أن تكوني نسوية في مجتمع شرقي.. “انتو عايزين إيه”؟

بدائل الفوط الصحية

“في مصر.. الفوط الصحية ليست صحية على الإطلاق”؛ تقول ياسمين علي – 28 عامًا. جربت “ياسمين” العديد من المنتجات، وجميعها تسبب لها في التهابات مزمنة. “ظللت أعاني لشهور حتى نصحتني صديقة باستخدام كأس الدورة الشهرية كبديل للفوط”.

ولأنها متزوجة، فإن استخدام الكأس المهبلي أو شرائط “التامبون” يمنح أعضاءها التناسلية الراحة التي تستحقها.

شيرين محمد – 22 عامًا، طالبة ومن أسرة متوسطة الدخل، لجأت إلى حيل جدتها ووالدتها، باستغلال الملابس القطنية القديمة واستعمالها كفوط صحية وقت الدورة الشهرية.

“إحنا 3 أخوات بنات وأم وجدة في بيت واحد، يعني محتاجين مرتب عشان نقدر نشتري احتياجات جسمنا من فوط وأدوات عناية بالجسم. جدتي من زمان كانت بتستخدم الملابس القطنية القديمة كفوط وقت الدورة، وتغسلها بالخل والكلور وتستخدمها تاني، وإحنا عملنا زيها.. لأننا منقدرش نشتري بـ 1000 جنيه كل شهر فوط صحية”.

تبلغ نسبة الفقر في مصر 29.7% وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وتقديرات البنك الدولي، و”شيرين” أوضح مثال على فقر الدورة الشهرية الذي تعانيه نسبة كبيرة من النساء في مصر.

اقرأ أيضًا: الصور النمطية نحو النساء.. التحيز والتمييز

فقر الدورة الشهرية

يشير مصطلح “فقر الدورة الشهرية” إلى صعوبة الحصول على المنتجات المتعلقة بالدورة الشهرية. ووفقًا لتقديرات البنك الدولي، فإن قرابة 500 مليون امرأة وفتاة في جميع أنحاء العالم، بينهن 107 ملايين امرأة وفتاة عربية يعانين من فقر الدورة الشهرية. الأمر الذي يؤثر بشكل بالغ على صحتهن الجسدية والنفسية، ما يجعل مطالب توفير الفوط الصحية وخفض أسعارها لتناسب كل فئات المجتمع ليست رفاهية، بل احتياج أدركته بعض الدول فوفرت هذه المنتجات مجانًا لنسائها.

سلعة تموينية لا استفزازية

في محاولة من المؤسسات الأهلية لدعم النساء، دشنت هبة راشد مؤسِسة مؤسسة “مرسال” عبر حساباتها الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي، حملة تطالب بتوفير الفوط الصحية للنساء والفتيات غير القادرات على شرائها في ظل الظروف الاقتصادية التي يعيشها العالم بعد الحرب بين روسيا وأوكرانيا. وطلبت بشكل مباشر من المتبرعين اعتبارها سلعة أساسية وليست ترفيهية.

أستراليا من الدول التي أدركت ذلك في 2018، فألغت الضريبة على منتجات النساء الصحية، بعد سنوات من حملات قادتها منظمات وجماعات حقوق المرأة، وكذا فعلت اسكتلندا التي تعد أول دولة في العالم تقدم المنتجات الصحية النسائية مجانًا أثناء فترة الدورة الشهرية، لمواجهة احتياج النساء والفتيات لهذه المنتجات خلال هذه الفترة الصعبة.

ومحليًا، أعلنت مؤسسة “مرسال” توفير الفوط الصحية للأسر التي تكفلها، على أمل المساعدة في حل الأزمة. إلا أن الأمر بحاجة لتدخل حكومي يتناسب مع الجهود الواضحة في السنوات الأخيرة في سبيل دعم صحة المرأة، وليس فقط الاعتماد على مؤسسات العمل الأهلي.

وقد طالب عدد كبير من المتفاعلين مع بوستات حملة “مرسال” لدعم المرأة صحيًا، بوقف استغلال النساء في حرب ارتفاع الأسعار، وخفض أسعار الفوط الصحية وتوفيرها للأسر مع السلع التموينية؛ لتجنب الصدام بواقع إصابة المئات منهن بأمراض صحية، بسبب إهمالهن في رعاية أنفسهن نتيجة ارتفاع أسعار المنتجات الصحية الخاصة بطبيعتهن الأنثوية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة