فرحة نعمة ورينيه.. عندما تكون “هي” جيشك الأول

“قلت لك سننتصر”.. بتلك الكلمات البسيطة عبرت رينيه إسكندر في 20 يوليو الماضي،  عن فرحتها أثناء استقبال خطيبها الباحث الحقوقي باتريك جورج، الذي حصل على عفو رئاسي، بعد يومين من الحكم عليه بثلاث سنوات حبس بتهمة نشر أخبار كاذبة على خلفية مقال يندد بالتمييز ضد الأقباط في مصر.

يومان مرا على رينيه تمنت خلالهما أن ينتهى هذا الكابوس، تدعو ألا تعود للأيام القاسية التي عاشتها على مدار عامين 2021/2020، وهي فترة حبس باتريك احتياطيا قبل أن يتم إخلاء سبيله في ديسمبر 2021، فهي على موعد مع حفل زفافهما الذي انتظرته كثيرًا، وتتمنى أن تنجو من تجربة السجن القاسية إلى حياة هادئة أكثر استقرارا، لتنتهي رحلة باتريك ورينيه مع تجربة السجن  ويبدأن فصلًا جديدًا في حياتهما.

في اليوم ذاته كانت نعمة الله هشام، زوجة المحامي الحقوقي محمد الباقر،  على موعد أيضًا مع الحرية، فقد حان موعد التقاط الأنفاس بعد سنوات من الركض  أثناء رحلة طويلة وقاسية قضتها لما يقارب 4 سنوات، بين أحزانها ومواعيد زيارات زوجها الذي ألقي القبض عليه في سبتمبر 2019، أثناء القيام بعمله كمحامي وحضوره مدافعا عن المدون الحقوقي علاء عبد الفتاح الذي كان يمثله أثناء استجوابه.

باقر الذي حصل على عفو رئاسي في قرار مشترك مع باتريك يوم 19 يوليو الماضي، حُكم عليه بالسجن أربع سنوات في ديسمبر 2021، بعدة تهم منها”الانضمام إلى منظمة إرهابية وتمويلها، ونشر أخبار كاذبة”.

4 سنوات عانت نعمة الله آلام الانتظار؛ سواء في منزلها وهي أسيرة الحكم الصادر بحق زوجها، تنتظر أن تنتهي فترة حبسه بفارغ الصبر، أو الانتظار أمام بوابة السجن لتقتنص من خلف جدرانه دقائق تطمئن فيها على زوجها ويتبادلان الحديث سريعا قبل أن تودعه مجددًا بعد انتهاء مدة الزيارة، وتبدأ من جديد في عدّ الأيام المتبقية على الزيارة اللاحقة.

نعمة الله، التي اعتادت أن تستخدم صفحاتها الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك، تويتر) لنشر تفاصيل زيارتها مع زوجها المحامي الحقوقي وتوصيل رسائل وسلامات زوجها لأصدقائه وأحبابه، اعتادت أيضًا أن تستخدمها للاستغاثة أحيانا من الأوضاع غير إنسانية والقاسية التي مرت على زوجها في زنزانته سواء في سجن طرة شديد الحراسة أو سجن بدر. وهو الأمر الذي كادت أن تدفع ثمنه نعمة من حريتها أيضًا.

ففي إبريل الماضي، في تمام الساعة الثالثة والنصف فجرًا، ألقت قوات الأمن القبض على نعمة الله وصادرت هاتفها المحمول واصطحبتها لجهة غير معلومة. وذلك بعد ساعات قليلة من زيارتها لزوجها محمد الباقر المودع في سجن بدر؛ إذ كشفت بعد الزيارة عبر حسابيها على “فيسبوك” و”تويتر” عن تعرض زوجها وزملائه في العنبر للضرب وإساءة المعاملة والاحتجاز في زنازين التأديب الانفرادية قبل أيام من زيارتها. وبعد ساعات من القبض عليها أُفرج عنها لتعود نعمة إلى دوامة حبس زوجها وانتظار الفرج.

منذ العشرين من يوليو الماضي، وهو اليوم الذي تم الافراج فيه عن زوجها المحامي محمد الباقر، وحتى الآن، عادت نعمة لتستخدم صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن هذه المرة ليس للتدوين عن زوجها المحبوس والمطالبة بحريته، ولكن لنشر صور توثق من خلالها أهم حدث لها منذ سنوات وهو حرية زوجها واستقباله لمحبيه في منزله الذي اشتاق له في سنوات حبسه، لتطوي نعمة والباقر صفحة قاسية ويبدأن صفحة جديدة وسط العائلة والأصدقاء.

إن نفق الحبس المظلم الذي يدخله السجناء السياسيين والحقوقيين تحديدًا في انتظار الفرج والرضا، لا يدفع ثمنه فقط المحبوس، فأمام كل رجل خلف الجدران يتجرع الآلام الحبس والانتظار، هناك بالتأكيد امرأة تدفع من عمرها وصحتها ثمنا كبيرًا، سواء في تحضير الإعاشات والانتظار أمام بوابة السجن على أمل الزيارة التي لا تتعدى الدقائق في ظروف أحيانًا تكون غير ملائمة، أو في عدّ الأيام على أمل الخروج من هذا النفق المظلم.

فعلى سبيل المثال لا الحصر أيضًا، ذاقت المهندسة إيمان البديني زوجة الناشط السياسي محمد القصاص الأمرين أثناء زيارة زوجها الذي تخطت مدة حبسه حتى الآن الخمس سنوات، منذ أن ألقي القبض عليه في 10 فبراير 2018، من منزله، تزامنا مع حملة اعتقالات شنتها قوات الأمن في نفس الوقت على أعضاء وقيادات حزب “مصر القوية”.

فقد اشتكت إيمان أكثر من مرة من ظروف الزيارة القاسية التي جعلت من الدقائق التي تنتظرها لتطمئن فيها على زوجها، شديدة القسوة عليها، نظرًا لنظام الزيارة التي تتم داخل كابينة زجاجية مما تسبب في إغمائها في إحدى الزيارات، إذ أنها تعاني من أمراض صدرية تعرضها للاختناق في الأماكن المغلقة.

الأمر الذي دفع زوجها” القصاص” إلى الامتناع عن الزيارة في يناير الماضي للمرة الثانية، بعد أن أصرت إدارة سجن بدر1 على تنفيذ الزيارة داخل الكابينة رغم التقارير الطبية وطلب التماس قدمتهم إيمان إلى إدارة السجن للسماح بزيارة  زوجها خارج نظام الكابينة.

ومع رفض إدارة السجن تنفيذ طلبها، ما كان من زوجها الذي تم تدويره 4 مرات في قضايا مختلفة حتى حكم عليه بالسجن 10 سنوات في أغسطس 2021، إلا رفضه للزيارة اعتراضًا منه على تكدير زوجته أثناء الزيارة وتعريض صحتها وحياتها للخطر، وكأن ألم الانتظار وقهر فراق زوجها غير كاف، لتكتمل دائرة الوجع بالتكدير أثناء الزيارات.

ونحن نتحدث عن النساء الصامدات الداعمات لذويهن رغم المرار والقسوة، لا يمكن أن ننهي حديثنا دون الإشارة إلى الدكتورة ليلى سويف ونجلتيها “منى وسناء سيف” اللاتي ضربن مثالا قويا عن الصبر والمقاومة رغم ما مررن به من أزمات وتضييق وصلت إلى الحكم على سناء وحبسها.

فمنذ عام 2019، وهو العام الذي ألقي القبض على الناشط والمدون الحقوقي علاء عبدالفتاح للمرة الثانية بعد ما أفرج عنه في مارس من نفس العام، والدكتورة ليلى والدة علاء ونجلتيها “منى وسناء” لم يتراجعن يومًا عن إصرارهن في الحصول على حقهن من الزيارات واستلام المراسلات للاطمئنان عليه والسماح بدخول بعض المستلزمات التي يحتاجها علاء داخل محبسه، فتلك الأشياء رغم بساطتها وقانونيتها وفقًا للائحة السجون المصرية، كان يتم منعها بشكل متعنت غير مبرر أو قانوني سوى التكدير لعلاء وعائلته، إذ وصل الأمر أحيانًا لاعتصام الدكتورة ليلى لأيام أمام سجن طرة فقط لأنها “عايزة جواب من علاء”.

وفي النهاية لا يسعنا سوى أن نرفع القبعة ونقدم التحية لكل (أم/أخت/زوجة/حبيبة) تنتظر خارج جدران السجن، تضحي بوقتها وصحتها ومالها وتتحمل قسوة الانتظار والعراقيل على أمل انتهاء الكابوس وحرية أحبابهم.

اقرأ أيضاً: في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. 4 صحفيات خلف الجدران

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة