مصر في مفترق الطرق.. خيارات صعبة وأماني مستحيلة

بعد مرور عشرة أعوام على ميلاد النظام الجديد، من رحم تحرك جماهيري واسع دعمته وتبنته أجهزة الدولة التنفيذية، تمر الدولة المصرية بلحظة استثنائية جديدة تحمل بين جنباتها فرصاً أقل وتهديدات أكثر خطورة من سابقتها في 2013.

بين خيارات صعبة وأخرى أكثر صعوبة على المستوى السياسي والاقتصادي، يعيش النظام الحالي لحظات صعبة، تزيد من صعوبتها التراجع الحاد في الشعبية وتصاعد الرفض العام للسياسات الحكومية.

تضافرت الظروف الدولية والاقليمية والداخلية من أجل تهيئة المناخ لبناء النظام الحاكم في مصر، كل السبل كانت تحمل الأمل والدعم لنظام 30 يونيو، فتحت أبواب الدعم الاقليمي والدولي للنظام في لحظة اضطربت فيها المنطقة بالنزاعات المسلحة وحشود اللاجئين، كما حصد النظام شعبية كبيرة بعد أن علقت جماهير الشعب أمالها عليه لاعادة ضبط الدولة عبر توفير الأمن والخدمات الأساسية للمواطنين.

مر عقد من الزمن جرى فيه انسحاب من الدولة عن دورها في تقديم الخدمات للمواطنين، وفقدت الجماهير نصيبا من مدخراتهم مع خفض سعر الصرف مرة تلو الأخرى، كما تزايدت أعباء المواطنين بعد رفع الدعم وزيادة الأسعار.

أزمة اقتصادية تبحث عن حل

يبدو أن الأزمة الاقتصادية هي  أخطر ما يواجه الدولة المصرية حالياً، خاصة مع ظهور تباين واضح بين رغبة قطاع واسع من الجماهير في تلبية احتياجاتهم الأساسية، وأولوية النظام باستكمال مشروعات البنية التحتية، وهو ما عبر عنه الرئيس في مؤتمر الشباب قبل أسابيع.

قبل شهور بدأت الدولة المصرية في تنفيذ برنامج اصلاحي جديد بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، والذي يتضمن حصول مصر على قرض بحوالي 3 مليار دولار، يتم صرفه على 9 شرائح ربع سنوية، كما تضمن الاتفاق استثمارات خليجية بقيمة 14 مليار دولار، عبر عملية بيع الأصول التي بدأتها الحكومة المصرية ضمن وثيقة ملكية الدولة للأصول.

تضمن الاتفاق شروطاً صعبة شملت تحرير سعر الصرف ووقف الانفاق الحكومي، وتبني الحكومة لسياسات شفافة في مشروعاتها الحكومية، بالاضافة إلى توفير مناخ يضمن عدالة المنافسة بين القطاع الخاص والعام والمشروعات المملوكة لأجهزة الدولة.

وصل الخلاف بين المسئولين التنفيذيين حول الاتفاق إلى أعلى مستوياته بتقديم محافظ البنك المركزي استقالته رفضاً لتنفيذ شروط الصندوق، بحسب ما أعلنه الاقتصادي المقرب من النظام المصري وصندوق النقد هاني جنينة.

بعد أن قطعت الحكومة المصرية خطواتها الأولى في تنفيذ البرنامج، بدأت تظهر في الأفق بوادر خلاف جديد بين مصر والصندوق، حيث امتنع الصندوق عن صرف الشريحة الثانية التي كان من المقرر تنفيذها أبريل الماضي، وأعلنت مصادر أن تأخر صرف الشريحة يرجع لتأخر الحكومة في تنفيذ خطوات تتضمن خصخصة لعدد من الأصول ومرونة حقيقية في سعر الصرف.

في تعليق من السيسي على أزمة سعر الصرف، والمطالبات بزيادة السعر، أظهر الرئيس رفضه تحقيق المرونة الكاملة لسعر الصرف باعتبارها قضية أمن قومي، وهو ما يمكن اعتباره تراجع من الدولة عن تنفيذ بنود الاتفاق المبرم. وبعد تصريح الرئيس بأيام، علقت “كريستالينا جورجييفا” مديرة صندوق النقد بوصف عملية دعم الجنيه في مصر بعملية ” سكب الماء في وعاء مثقوب“.

التصريحات الأخيرة للسيسي أثارت التكهنات حول نية الحكومة المصرية الانسحاب من اتفاق الصندوق، وهو ما يعني اتخاذ مصر طريقا مغايرا للسبيل الذي سلكته منذ عام 2016.

يرى عدد من المقربين من الحكومة أن شروط الصندوق مجحفة وتنتقص من سيادة مصر، ويرى البعض أن تراجع دور مؤسسات الدولة في الاقتصاد – خاصة المؤسسة العسكرية – قد يتسبب في افلات الاقتصاد من يد الدولة التي أحكمت قبضتها عليه خلال السنوات الماضية، مدعومة بصفقات “الأمر المباشر”.

أمام الدولة خيارين كلاهما مر، اما التسليم بشروط صندوق النقد ومن خلفه حكومات الخليج العربي، وفتح الباب أمام القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب لكي يرثوا تركة الدولة، وما يستتبع ذلك من طلبات غير معلنة بتغييرات حكومية تشمل الحقائب الاقتصادية في الحكومة، وتعديل عدد من التشريعات، بالاضافة إلى تنفيذ سياسة مرنة لسعر الصرف، قد تتسبب في مزيد من الغضب الشعبي.

ويتمثل الخيار الأخر في وقف برنامج الصندوق، وتثبيت سعر الصرف عبر خطوات تضمن تقليل الاستيراد، ووقف نزيف العملة، واستمرار الدولة في احكام قبضتها على الاقتصاد وقيادة النمو عبر الانفاق الحكومي وشبه الحكومي على قطاع البنية التحتية. وهو ما سينتج عنه بالطبع تعطل عملية بيع الأصول، وقد يتسبب في اصطرابات في الأسواق نتيجة نقص السلع.

أرى أن الرئيس قد يكون أكثر ميلا إلى الخيار الثاني، بحكم تكوينه الفكري وخلفيته العسكرية، ولكن عدد من المسئولين يعلم جيداً خطورة الصدام مع صندوق النقد الدولي، واغضاب الحلفاء الاقليميين، وما قد يستتبعه ذلك من مشكلات مع المؤسسات الدولية والدائنين. يحاول هذا الفريق الوصول إلى حل وسط بين شروط الصندوق والتعنت الحكومي.

خيارات سياسية

قبل أكثر من عام، أطلق السيسي دعوته لاجراء حوار وطني بهدف البدء في عملية الاصلاح السياسي المتأخر، وهو ما اعتبره البعض مسار جديد تخطو الدولة المصرية خطواتها الأولى فيها، بعد سنوات من الخصومة مع السياسة، جرى خلالها مصادرة للمجال العام وانتهاكات بالجملة للحقوق المدنية والسياسية للمواطنين.

بعد شهور من بدء جلسات الحوار الوطني، ترى المعارضة أن الدولة لم تكن جادة بالقدر المطلوب في نيتها لاطلاق عملية الاصلاح السياسي، حيث استمرت اجراءات الاعتقال لمئات المواطنين نتيجة تعبيرهم عن أراءهم من خلال منصات التواصل الاجتماعي، ولايزال الألاف من سجناء الرأي خلف القضبان، بالرغم من الافراج عن المئات، إلا أن ماكينة الاعتقال جمعت غيرهم.

قدمت المعارضة المدنية أقصى ما عندها خلال عملية التفاوض، ووصلت إلى ذروة ضغطها على النظام، حين وقف النائب عبدالمنعم امام وطالب الرئيس مباشرة وعلى الهواء بالافراج عن سجناء الرأي، وهو ما قابله السيسي بانفعال شديد، “انتم عايزين الحد الأقصى من كل حاجة” هكذا علق الرئيس.

الكرة الأن في ملعب النظام، وعليه أن يختار طريقا محددا للسنوات القادمة، اما البدء في عملية اصلاح سياسي تحقق الحد الأدنى من ضمانة حقوق الانسان والمشاركة المجتمعية، أو أن يستمر في طريق المنع والاغلاق والمصادرة والاعتقال، ويتحمل تبعات الطريق.

قد يبدو الاختيار هينا ولكن درس 2011 الذي يردده الرئيس في كل مناسبة، يجعل النظام بكامله حذرا من أي عملية انفتاح سياسي مشابهة لما نفذه نظام مبارك في السنوات الأخيرة من عمره،  والتي يراها قيادات النظام الحالي أنها كانت سببا رئيسيا لقيام ثورة يناير.

اختيارات مؤجلة

عقد من المماطلة، ربما كان هذا عنوان مناسب لطريقة تعاطي النظام مع أزماته خلال السنوات العشر الماضية، يتحايل على المؤسسات الدولية التي تكره القطاع العام، عبر تأسيس قطاع عام جديد من شركات وكيانات مملوكة للأجهزة التنفيذية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

تأجيل قرارات تقليل الانفاق على البنية التحتية ضبط عجلة الديون وتحرير سعر الصرف، كان سمة مميزة أيضا للسنوات الماضية.

لم يسلم الوضع السياسي من مبدأ المماطلة، منذ سنوات والمقربين من الدولة يعدون بانفتاح سياسي قادم وانفراجة قريبة للأوضاع الحقوقية، أطلقت الدولة منذ حوالي عامين ” الاستراتيجية الوطنية لحقوق الانسان” في حفل حضره الرئيس بنفسه، وبالرغم من ذلك لم يصدر للاستراتيجية جدول تنفيذي حتى هذه اللحظة، ولا يعلم أحد كيف ومتى يتم تنفيذها.

مفترق الطرق

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية للمدة الأخيرة للرئيس، بحسب الدستور المصري الصادر في 2014 والمعدل في 2019، ينتظر الجميع من الرئيس خطوات حاسمة في الفترة الأخيرة من حكمه – اذا ما ترشح وفاز بالانتخابات – حيث لم تعد المماطلة تجدي في ظرف اقتصادي وسياسي متأزم.

الانغلاق السياسي والاقتصادي وتغول الدولة على المجتمع المدني وهيمنتها الكاملة على حياة المواطنين، لم يعد مقبولا بأي شكل أن يستمر.

في لحظة شديدة الحساسية على مستوى تراجع الشعبية والتباعد بين النظام وداعميه الدوليين والاقليميين، بالاضافة إلى غياب رؤية للخروج من الوضع الحالي، في لحظة مثل هذه لن تقبل الجماهير المستوى الذي تتمتع به الدولة من صلاحيات ونفوذ على المجتمع ككل، دون أي التزام بقيام الدولة بما عليها من مسئوليات تجاه المواطنين.

الاختيارات المؤجلة أصبحت أكثر كلفة حاليا، حيث يطارد شبح الافلاس القرارات المتعلقة بالاقتصاد، بينما يظلل شبح يناير أي قرار يتعلق بعملية الاصلاح السياسي.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة