نيويورك تايمز:عاصمة جديدة تليق بالفراعنة.. ولكن بأي ثمن؟

0
347
Google search engine

رصدت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، في مقال نشرته مؤخرًا، تأثير العاصمة الإدارية الجديدة على الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المصري، في ظل أزمة مالية حادة يعاني منها الاقتصاد المصري، وأزمة اقتصادية يعيشها العالم كله.

بدأ المقال الذي نشر باسم «ديكلان والش»، أحد الكتاب المتخصصين في شئون الشرق الأوسط، و«فيفيان يي»، مديرة مكتب الصحيفة في القاهرة، وكاتبة متخصصة في شئون الشرق الأوسط، باعتبار العاصمة الإدارية المشروع الأعظم للرئيس المصري، حيث تمتد عبر رقعة صحراوية  تبلغ مساحتها أربعة أضعاف مساحة واشنطن، واصفًا العاصمة بالـ«مدينة شديدة البهرجة»، والـ«إمبراطورية في الحجم والأسلوب»، تجسد طموحات الرئيس السيسي، وتظهر سيطرته كحاكم أوحد للبلاد بلا منازع. بحسب المقال.

ورصد المقال معلومات عن العاصمة، كاحتوائها على أعلى مبنى في إفريقيا، وهرمًا بلوريًا، وقصرًا واسعًا على شكل قرص مستوحى من رموز إله الشمس المصري القديم، واستغرق الإعداد لها ست سنوات، بتكلفة قدرت بـ 59 مليار دولار، وهي الأكبر بين عدد كبير من المشاريع العملاقة التي يقودها الرئيس. كما أشار إلى امتداد الأعمال إلى الطرق السريعة ذات الحارات الثمان، الممتدة عبر شوارع القاهرة المتهدمة، محيطة بالمقابر القديمة وأهرامات الجيزة، بالإضافة إلى الجسور العملاقة المبنية حديثًا على ضفاف النيل، إلى جانب عاصمة «صيفية» جديدة على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​، خارج الإسكندرية.

ذكر المقال أن هذه المشاريع، التي شيدها في الغالب الجيش، يجري تنفيذها في الوقت الذي تمر فيه مصر بركود اقتصادي حاد، وتتعرض مواردها المالية للتذبذب بشكل خطير، ما دفع إلى تزايد الشكوك حول ما إذا كانت الدولة قادرة على تحمل أحلام الرئيس العظيمة، فخلال السنوات الست الماضية فقط، منح صندوق النقد الدولي مصر ثلاثة قروض، يبلغ مجموعها حوالي 20 مليار دولار.

وبحسب التقرير المنشور في 9 أكتوبر الجاري، يقول المحلل السياسي المصري ماجد مندور، إن: «الرئيس يقترض المال من الخارج لبناء مدينة ضخمة للأثرياء». وأضاف أن المصريين من الطبقة الوسطى والفقيرة يدفعون ثمن المشروعات العملاقة، إما عبر الضرائب، أو انخفاض الاستثمار في الخدمات الاجتماعية وخفض الدعم.

يضيف التقرير، أنه على الرغم من أن تمويل المشروعات الجديدة لا يزال غامضًا، فإنه يعتمد بشكل جزئي على رأس المال الصيني، بالإضافة إلى السندات عالية الفائدة، التي ستكلف البلاد الكثير، إلى جانب عمل بعض المطورين الإماراتيين في العاصمة.

يعود تقرير «نيويورك تايمز» للحديث عن هشاشة الأوضاع المالية لمصر بشكل عام حتى قبل الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير الماضي، حيث اقترض الرئيس السيسي بكثافة لتمويل المشاريع العملاقة، بالإضافة إلى مليارات الدولارات التي أنفقت على مشتريات الأسلحة من عدة دول، ما أدى إلى مضاعفة الدين الوطني أربع مرات على مدى عقد من الزمان، في وقت تكسب فيه البلاد القليل من المال، بعد ابتعاد المستثمرين الأجانب بسبب «قبضة الجيش الشديدة على الاقتصاد»، بحسب التقرير، مع عدم التركيز على تطوير الصناعات المحلية ، فانكمش القطاع الخاص خارج قطاعي النفط والغاز.

من جانبه، كشف«Goldman Sachs» ، وهو بنك استثماري أمريكي، وشركة خدمات مالية عالمية رائدة في مجال الخدمات المصرفية الاستثمارية والأوراق المالية وإدارة الاستثمار، عن حاجة مصر إلى خطة إنقاذ بقيمة 15 مليار دولار من صندوق النقد الدولي لصد دائنيها. أكد وزير المالية المصري خلال الشهور السابقة على سعي البلاد للحصول على قرض جديد من الصندوق، لكنه صرح أن المبلغ الفعلي أصغر بكثير، وقدره دبلوماسيون بـ 3 مليارات دولار.

كما تحدث التقرير عن ترنح الوضع المالي المصري بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، مع ارتفاع أسعار الفائدة وأسعار المواد الغذائية هذا الصيف، حتى أصبحت الحالة المالية العامة متوترة للغاية، لدرجة أن الحكومة أمرت مراكز التسوق والملاعب والمرافق العامة الأخرى بتقنين استخدام تكييفات الهواء وإطفاء الأنوار، حتى تتمكن من بيع المزيد من الطاقة في الخارج. وتوقع التقرير تدخل الحلفاء لإنقاذ مصر من الكارثة، لافتًا إلى استثمار السعودية والإمارات وقطر ما لا يقل عن 22 مليار دولار في مصر هذا العام، مع استمرار دعم الولايات المتحدة ، التي لا زالت توفر دفقًا ثابتًا من المساعدات العسكرية.

وبينما وعدت الحكومة بأن المدن الجديدة ستوفر ملايين الوظائف والمساكن، يقول الاقتصاديون إن غالبية الوظائف التي تم خلقها وتوفيرها حتى الآن هي أعمال مؤقتة منخفضة الأجر في مجال البناء، ويرى أخرون أنه ما لم يُدخل الرئيس السيسي تغييرات أكبر، مثل تخفيف القبضة الاقتصادية للجيش وبدء الصناعة الخاصة،  فإن فوائد المشاريع الجديدة ستكون قصيرة الأجل، محذرين من مواجهة مصر مخاطر التخلف عن سداد الديون.

لفت التقرير إلى تحمل عموم المصريين، الذين يعانون من ضغوط ارتفاع الأسعار وانخفاض مستويات المعيشة، تكاليف مشروعات الرئيس الطموحة من قبل. ففي عام 2015 ، سارع الرئيس بتنفيذ مشروع قناة السويس الجديدة، بقيمة 8 مليار دولار، بوصفها «ولادة جديدة لمصر»، لكنها فشلت في تحقيق المكاسب الموعودة، حيث حققت إيرادات بقيمة 6.3 مليار دولار خلال 2021 ، وهو أقل بكثير من التوقعات الحكومية الأصلية، البالغة 13 مليار دولار بحلول عام 2023.

يقول الكاتبان إن فكرة «العاصمة الجديدة» كانت من ضمن  أحلام الرئيس المخلوع حسني مبارك، لكن السيسي ارتقى بها إلى آفاق جديدة، فبنى ناطحة سحاب صينية الصنع تسمى «البرج الأيقوني»، ترتفع إلى 1.293 قدمًا ، وهي بمثابة أطول مبنى في أفريقيا. كما بنيت بالفعل عشرات الآلاف من الشقق بالعاصمة، ما يعطي المدينة الجديدة مظهر موقع بناء شاسع، على الرغم من أن القليل منها مؤثث أو مطلي، فيما تصور «ماكيتات» الكمبيوتر شوارع خضراء وخطوط ترام واستخدام مكثف للتكنولوجيا الرقمية، حيث تراقب شوارعها حوالي 6000 كاميرا، كما ستستخدم السلطات الذكاء الاصطناعي لتحسين استخدام المياه وإدارة النفايات.

كان الرئيس المصري قد وعد بتمويل العاصمة الجديدة من قبل المستثمرين الأجانب والمحليين وبيع الأراضي الحكومية في وسط القاهرة، وقد تعرض المطورون المصريون – بعضهم لهم صلات بالجيش – لضغوط من الحكومة للمساعدة في البناء، بحسب التقرير، لكن مع تضاؤل ​​اهتمام المستثمرين، أعلن الرئيس أن الحكومة ستدفع لشركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية المملوكة للجيش، المطور الذي يمتلك ويشرف على بناء العاصمة، حوالي 203 مليون دولار سنويًا، لاستئجار الوزارات والمباني الرسمية الأخرى في منطقة المكاتب الجديدة، ما وضع عبئًا مباشرًا على دافعي الضرائب.

تهدد المدن الجديدة المتعطشة بامتصاص المياه الثمينة من نهر النيل الذي ينضب بالفعل، وهو مصدر المياه الرئيسي في البلاد، ولإفساح المجال للطرق السريعة الجديدة التي تمر عبر القاهرة، والمؤدية إلى المدينة الجديدة ، قام عمال البناء بتجريف مساحات شاسعة من الأشجار في الحي القديم الأنيق لمصر الجديدة.

وفيما يصر الرئيس على أن المصريين سيشكرونه  يومًا ما، يسأل التقرير: كيف سيشعر الكثير من المواطنين العاديين بأنهم في وطنهم في العاصمة الجديدة؟! ففي وقت يجادل فيه قليلون في أن مصر، التي يزيد عدد سكانها عن 100 مليون نسمة، ويتزايد عددهم بأكثر من مليون سنويًا، بحاجة ماسة إلى المزيد من المساكن، يؤكد مخططي المدن والخبراء أنه من الأفضل للسيسي إصلاح مدنه «المحطمة» بدلًا من بناء أخرى جديدة.

مصدرفريق التحرير
المقالة السابقةأوكرانيا تعلن انسحابها من بطولة العالم للإسكواش للسيدات.. والخارجية المصرية ترد
المقالة القادمةتطور أشكال العنف ضد المرأة بين الماضي والحاضر

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا